بما أن حياتنا أصبحت مسلسلات في مسلسلات منها ما يعرض على الشاشات ومنها ما يعاش على ارض الواقع منذ أن "تدرمت" أيامنا وليالينا، وأحلامنا وأغانينا، ومشاعرنا وأمانينا، وقصائدنا وأسامينا، أصبح لزاما علينا أن نفكر مليا ونعيد النظر في كل فعل درامي على الأرض وبالتالي على الشاشة خصوصا وان الشاشة تحتل الجزء الأكبر من يومياتنا خاصة بالنسبة إلى الأجيال الجديدة أو المتجددة.. مما يعني أننا في حاجة إلى رسم "إستراتيجية درامية" تأخذ في الاعتبار حركة المجتمع العربي من خلال ربطها بما يحدث في العالم، على اعتبار أن المجتمعات الإنسانية واحدة في مكوناتها ولكنها تختلف في نسب التطور العلمي ،والتقني ،والفني، والرؤى الفكرية، أو الدينية ،أو السياسية ..
البنية الدرامية
ماذا تشكل الدراما في هذا الإطار؟ سؤال يمكن طرحه والإجابة عليه من خلال عمل دراسة شاملة للواقع الاجتماعي بمعنى قياس وعي الناس ، ومدى تأثير الفعل الدرامي عليهم عبر المسلسلات ومضامينها ,,ومساحة الحرية الممنوحة للعمل ، والأهداف التي توضع على سلم أولويات شركات الإنتاج، أو الجهات المنتجة عموما ،سواء الحكومية أو الخاصة ،وإمكانية معرفة البنية الواقعية للعمل الدرامي ,,وهل تخدم الدراما واقعنا على صعيد المعالجة أو التطور الفكري أو الاجتماعي الممنهج والمنظم .. أم تسطح التفكير العام وتنأى به عن المضامين التي ترتقى بذوقه ووجدانه وقيمه الإنسانية ؟..
إنها دعوة إلى التفكير الدرامي المدروس عبر رسم ملامح إستراتيجية لما ينبغي أن تكون عليه الدراما العربية عموما والمصرية خصوصا مع المحافظة على خصوصية كل مجتمع ومميزاته بدل التخبط الذي يظهر جليا وخصوصا في شهر رمضان الذي أصبح بمرور السنوات سوقا لعرض ما هب ودب من الأعمال التي تتفاوت نسب جودتها وإمكاناتها الإنتاجية وأسلوب المعالجة الدرامية فيها الذي يصطدم بحواجز كثيرة ويتجاوز أحيانا تابوهات الدين، والجنس، والسياسة بصور تفتقر إلى الحدود الدنيا من "اللياقة" الدرامية .
تجاوز القيم السائدة
وقد تكون الفضائيات العربية الخاصة تحديدا وراء تجاوز الكثير من القيم السائدة بعد أن أخضعت عمليات الإنتاج لحسابات الربح والخسارة والعرض والطلب .. وكيفية تسويق النجوم صغارا وكبارا ووجوها جديدة على حساب الكثير من المفاهيم الدرامية المتعارف عليها ,,ولا تعير اهتماما للعديد من القيم الإنتاجية وتقدم ما تراه مناسبا لها ولظروفها الخاصة وهناك أعمال كثيرة يمكن العودة إليها في هذا السياق من بينها مسلسل "الجماعة "أو مسلسلات اجتماعية تعتمد أولا على أسماء النجوم مثل "بالشمع الأحمر" ليسرا والمخرج سمير سيف " و"الشيخ همام"ليحيى الفخراني " وماما في القسم" لسميرة احمد ومحمود ياسين " وغيرها ..ومن جانب آخر هناك أعمال يمكن أن تشكل أرضية درامية للبناء عليها مستقبلا وتقديم العمل الدرامي المتكامل أو على الأقل الأقرب إلى الكمال واذكر هنا مسلسل "وراء الشمس" (سوري) الذي كتبه محمد العاص وأخرجه سمير حسين وشارك فيه مجموعة من النجوم من أهمهم بسام كوسا ومنى واصف وصبا مبارك وباسل خياط وغيرهم ..
أفكار جريئة
هذا العمل طرح فكرة جديدة وجريئة تناول فيها نماذج من ذوي الاحتياجات الخاصة وقدمها في اطر اجتماعية متناقضة لترتفع حدة الصراع وتظهر لنا أمام الشمس ما يحدث خلفها من النظرة المهمشة والمدمرة لتلك الفئة لكن هذا العمل الذي ظل متماسكا إلى ما قبل الحلقات الثلاث الأخيرة بدا مرتبكا من خلال وضع النهايات أو الحلول لكل المشكلات التي عرضها كما انه ملأ الحلقات الأخيرة بالدموع والأحزان من خلال افتعال مواقف ليست مبررة دراميا ليعمق الألم .. والمسألة هنا لا تحتاج إلى كل ما حدث إذ ليس هناك ما يدفع إلى ابتداع الحلول وخلق مجتمع مثالي بعد كل تلك الصراعات وكأن شيئا لم يكن ..النهايات المفتوحة هي ابلغ رسالة يمكن أن توجه من خلال هذا المسلسل وغيره على اعتبار انه ليس مجرد حكاية وتنتهي وإنما قضية تحتاج إلى طرح ونقاش وحلول من قبل المؤسسات الاجتماعية أي من بيدهم الأمر ..فالصراع على الورق بين مجموعة متناقضات أو متضادات في العمل الدرامي تشكل بالتالي صورا للصراع الحقيقي على الأرض وإلا ما معنى العمل الدرامي خارج هذا الإطار؟
اختيار الأهداف
فالتفكير الدرامي يعني أيضا أن نختار موضوعات تصلح للمعالجة وتصب في خدمة مجموعة من الأهداف وإذا كان وراء الشمس 2010 قدم نموذجا لما ينبغي أن يكون عليه المسلسل الدرامي –إلى حد بعيد -نصا وتمثيلا وإخراجا وإيقاعا ومضمونا وتنفيذا وقضية صالحة للمعالجة ومواكبة للتطور الإنساني أو المجتمعي من زاوية علاقته بتلك الفئة من الناس بدقة وشفافية وواقعية وحرفية لنتعرف من خلاله على واقعنا الذي يدعي انه يساند هؤلاء بينما هو يستغلهم ويظلمهم ويهمشهم وينفيهم ولا يعترف بقدراتهم ويكاد يمنع عنهم الحياة إلا في حالات فردية يكون فيها الوعي الاجتماعي أعلى من المستوى السائد وهذا ما عالجه المسلسل من خلال حالتين مختلفتين من حالات الإعاقة حيث قدم نموذجين لأسرتين إحداهما أسرة بسيطة و ذات إمكانيات مادية واجتماعية وفكرية محدودة والثانية لأسرة ميسورة الحال وتتمتع بمستوى من الوعي يجعلها تتعامل مع الإعاقة من منطلق إنساني واعتبار أن الإعاقة حالة عادية يمكن التعامل معها من دون تمييز أما اطر الصراع الأخرى في المسلسل فتتمثل في أسرة ثالثة لا تزال في مرحلة البناء وتحمل الأم بجنين وتعلم بعد الفحص انه طفل غير سوي (متلازمة داون) ويبدأ الصراع بين الزوج الرافض تماما لتقبل فكرة ولادة طفل معوق وبين الزوجة التي تصر على الاحتفاظ بالجنين وطوال الحلقات يستعرض كاتب النص محمد العاص الانفعالات النفسية لكل فرد من أفراد الأسرة التي تمثل الشرائح الاجتماعية المختلفة وتشكل امتدادا للصراع الذي يعكس مجتمعا مصغرا للمجتمع الكبير
"حكايات وبنعيشها "
وهناك العمل الذي قدمته ليلى علوي تحت عنوان حكايات وبنعيشها "وتضمن مسلسلين كل واحد منهما مكون من 15 حلقة كابتن عفاف"ثم " فتاة الليل" وهذا الجزء بالتحديد كان نموذجا جميلا للعمل التليفزيوني الذي قدم في إطار إنساني عميق بانفعالاته وصراعاته وتناقضاته وأسلوب معالجته للعلاقات الزوجية وما يرتبط بها من أحداث ومواقف ..في هذا العمل تقدم ليلى علوي الأفضل لشخصية المرأة التي تعاني خيانة وتجاهل ولامبالاة زوجها ومن ثم خروجها من هذه الشرنقة بإرادتها وقدرتها على الفعل ومن ثم قدرة الكاتب حازم الحديدي والمخرجة على الصعود بالحدث إلى نهايته من دون افتعال أو حشو أو حلول توفيقية وإنما جاءت الحلول منطقية لنمو الحالة الدرامية وتصاعدها ووصولها إلى النهاية وهذا يحسب لمخرجة العمل ولكل من شارك فيه ..
نماذج أخرى
وهناك مسلسل "ماما في القسم" لسميرة احمد وهو مسلسل كوميدي ساخر إلا انه طرح بصدق الصراع بين الأم وأبنائها واختلاف الرؤية والمشاعر والمصالح بينهما مما يؤدي الى فقدان التواصل بين أفراد الأسرة بعضها ببعض .. والمسلسل كتبه يوسف معاطي وأخرجته رباب حسين وقدم فيه محمود ياسين شخصية الأستاذ "جميل" وأبدع في أدائها ..
وهناك نماذج أخرى لأعمال يمكن أن يبنى عليها لم تتح لي فرصة مشاهدتها كاملة مثل" قصة حب " لجمال سليمان
وذاكرة الجسد " .
كيف نفكر دراميا للسنوات العشر القادمة ؟
بالعودة إلى النص الدرامي الذي يقدم الشخصيات والمضامين المتحررة من قيود النجومية وتسلطها سواء في سوق العرض والطلب الفضائي أو الأرضي .. أي في الواقع وعلى الشاشة .