|
المحور الثاني
07-26-2009 12:15 AM
المحور الثاني
أوروبا العنصرية والهجرة غير المنظمة
[TABLE=width:70%;][CELL=filter:;] تمهيد
تعتبر الهجرة غير المنظمة ظاهرة عالمية موجودة في كثير من دول العالم خاصة المتقدم، لكن الهجرة إلى أوروبا أصبحت إحدى القضايا المزعجة، التي تحظى باهتمام كبير في السنوات الأخيرة، فبالرغم من تعدد الأسباب المؤدية إلى هذه الظاهرة، إلا أن الدوافع الاقتصادية تأتي في مقدمة هذه الأسباب.
ويتضح ذلك من التباين الكبير في المستوى الاقتصادي بين البلدان المصدرة للمهاجرين، والتي تشهد - غالبا - افتقارا إلى عمليات التنمية، وقلة فرص العمل، وانخفاض الأجور ومستويات المعيشة، وما يقابله من ارتفاع مستوى المعيشة، والحاجة إلى الأيدي العاملة في الدول المستقبلة للمهاجرين، فالفوارق الاقتصادية بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية كبيرة، كما أن تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية في العديد من دول الجنوب بعد أن تعثرت مشاريع التنمية، وزاد البؤس، وتواجد أنظمة ديكتاتورية، وقضايا أقليات ونزاعات إقليمية، إلى جانب انتشار الفقر والبطالة وحدوث الكثير من الكوارث الطبيعية المتمثلة في الزلازل والفيضانات والجفاف ساعد على زيادة تدفق أعداد المهاجرين غير النظاميين فى موجات متتابعة.
إن انتقال البشر من بلد أصلي للعمل في بلد آخر مستضيف لا يمكن اعتبارها كظاهرة جديدة، بل هي ظاهرة إنسانية طبيعية وقديمة قدم التاريخ عرفتها، وستعرفها كل الشعوب ومنها منطقة الاتحاد الأوروبي، وستستمر لفترات طويلة من الزمن، مادام هناك تباين في الموارد وفرص العمل ووسائل وأساليب الحياة سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، إضافة إلى استمرار حاجة الدول المتقدمة لاستقبال مهاجرين جدد وذلك لأسباب مختلفة، وتبقى عملية البحث عن الأفضل من أهم العوامل المؤثرة على تيارات الهجرة وتحديد اتجاهاتها.
وفى هذا السياق يستعرض هذا المحور عدة إشكاليات تؤكد جميعها على عنصرية القارة الأوربية فى التعامل مع هذه القضية التى تمس دول الجنوب ومن بينها مصر، رغم استفادتها وتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب على اختلاف أنواعها، وتتمثل هذه النقاط المطروحة للعرض وفق هذا المحور ما يلى: إزدواجية الخطاب الأوروبى، والإشكالية الديمغرافية، والورقة الخضراء، والمثياق الأوروبى، والهاجس الأمنى، ومفارقة تتعلق بالتأكيد على وضعية وحقوق المهاجرين فى بلدان المهجر، الذين أصبحوا يمثلون لها قيمة مضافة، وليس عبئا عليها كما تدعى.
أولا: إزدواجية الخطاب الأوروبي
إن الدول الأوروبية التي تتحدث عن احترام حقوق الإنسان وضرورة تكريسها واقعيا وكونيا، هي ذاتها التي تجهز على الحق في التنقل الذي تنادي المواثيق والعهود الدولية به، وهي التي تنتهك الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمهاجرين السريين والشرعيين المتواجدين فوق أراضيها، وهي التي تجعل منهم مواطنين من الدرجة الثانية بامتهان كرامتهم وتمريغها في وحل التمييز العنصري. بالرغم من أن البند 13 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان ينص على " حق أي شخص في اختيار مكان إقامته وحرية التنقل داخل أي بلد يشاء "، كما يؤكد على أن " لكل شخص الحق في مغادرة أي بلد والعودة إلى بلده الأصلي ".
ففي ألمانيا تحققت انعطافة تاريخية، باتفاق جميع الأحزاب الموالية والمعارضة على قانون جديد للهجرة في يونيو 2004. إذ خفف الكثير من القيود التي كانت تكبل السلطات الرسمية الألمانية في تعاملها مع قضايا المهاجرين، إلا أن شبح الخوف من الإرهاب برز واضحا في ثنايا القانون الجديد، سواء من حيث سرعة ترحيل المشتبه بهم أو من حيث حق الاستنساب الذي منح لوزارة الداخلية وأجهزة الأمن تقدير " نظافة " السجل الشخصي للمهاجر إلى ألمانيا. وأبرز ما في القانون الجديد التمييز بين الرعايا الوافدين من الدول الأجنبية، حيث يخضع القادمون من الدول العربية والإسلامية إلى ترتيبات أمنية خاصة تطال سجلهم الشخصي وتاريخ حياتهم ونشاطهم السياسي قبل منحهم سمة الإقامة أو العمل، كما يمنح قانون الهجرة الجديد السلطات الأمنية الألمانية حقا بترحيل من تقدره خطرا على الأمن والاستقرار الداخلي أو تعتبره داعية للحقد والكراهية، وهذا الجانب يطال أئمة المساجد الإسلامية بشكل خاص ومعلمي مدارس اللغات الأجنبية.
كما أن الهجرة الانتقائية باتت خيارا استراتيجيا لفرنسا، فقد عُرض على البرلمان في بداية عام 2006 مخطط يقضي بجلب العقول والأدمغة إلى فرنسا عبر قانون الهجرة المختارة، ويتوجه هذا القانون إلى الطلاب الأجانب على وجه التحديد الذين يزاولون دراساتهم في الجامعات والمعاهد الفرنسية أو من هم موجودون في بلدانهم ويتمتعون بمستوى علمي عالٍ، علما أن معظم هؤلاء من دول أفريقيا السوداء ومنطقة المغرب العربي. وفي المقابل يدعو المشروع إلى إلغاء حقوق بديهية، كحق جمع الشمل العائلي، أو حق تسوية أوضاع المقيم في البلد لعشر سنوات بلا انقطاع، مما كانت تضمنه القوانين المعمول بها حتى الآن في فرنسا.
أما بلجيكا فهي تقدم نموذجا رائعا لإدماج المهاجرين، علي الأقل في شقها الفرانكفوني، حيث تحول هؤلاء، وأساسا المغاربة الذين يشكلون الأكثرية، إلى أقلية بلجيكية حقيقية تتعدى المفهوم الكلاسيكي للهجرة وجزءا من تاريخ هذا البلد. إذ يمكن اعتباره مثالا يجب أن يقتدي به من طرف باقي الدول الأوروبية، فلقد حان الوقت للتعامل مع المهاجرين كأقليات ذات معتقد وثقافة وتقاليد، بعيدا عن مفهوم الإدماج القسري.
الخلاصة: إنّ التصدي للهجرة غير المنظمة ليست مسؤولية بلدان الجنوب وحدها التي لا يمكنها بمفردها حراسة الحوض المتوسطي من التسللات التي لم يعد أبطالها من سكان بلدان المنطقة فقط، بل إنها أساسا من أكبر مسؤوليات البلدان الأوروبية التي تنصلت أو كادت من دورها التنموي تجاه البلدان المتوسطية واتجهت، إلى البلدان حديثة الانتماء إلى الإتحاد الأوروبي أو المقبلة عليه.
كما أن معالجة ملف الهجرة غير المنظمة لا يمكن أن يكون معالجة أمنية بالدرجة الأولى تتمثل فى ملاحقة المتسللين واعتقالهم، بل يجب أن تنبع من حوار شامل ومن مقاربة تضامنية وإنسانية، تسمح بحرية تنقل الأشخاص والتبادل الإنساني، حتى لا تظل الشراكة حبيسة التبادل التجاري والسلعي. وستظل الشراكة الأورو - متوسطية عرجاء ومختلة التوازن مادامت التنمية بين ضفتي المتوسط مختلة، وما بقيت الهوة التنموية قائمة بين الشطر الأوروبي والشطر المتوسطي.
ثانيا: الإشكالية الديمغرافية
تنشغل خواطر الأوربيين بتقرير نشر في سنة عام 2001، يبين أن الأقطار الأوربية تحتاج في أفق سنة 2050 إلى ما لا يقل عن 400 مليون مهاجر، لتغطية النقص المتزايد في سواعد العمل في أوربا، تبعا للتطور المحتمل للبنية الديموغرافية. فمن المتوقع أن تسجل إيطاليا وألمانيا نموا سكانيا سلبيا بحلول عام 2010 وبحلول عام 2020 سيكون أكثر من خمس السكان في بلدان الاتحاد الأوروبي فوق سن الـ 65.
وفي هذه الحالة من سيعمل ويشارك في تمويل صندوق الضمان الاجتماعي والشيخوخة بأجره؟ دون شك لن تكون لدى أوروبا الأيدي العاملة الكافية لضمان ذلك، فيصبح الطريق الوحيد أمامها الانفتاح على شباب دول الجنوب أمرا لا مفر منه.
لقد كشف تقرير أسباني رسمي صدر مؤخرا عن المعهد الوطني للإحصاء أن عدد السكان في أسبانيا وصل إلي 44 مليون ومائة ألف نسمة، من ضمنهم ثلاثة ملايين و700 ألف أجنبي. وتؤكد هذه الأرقام أن نسبة المهاجرين ارتفعت من سنة 2005 إلى 2006 بقرابة 700 ألف شخص. ويرجع الخبراء هذا الارتفاع الكبير للمهاجرين، الذي لم يسجل في أية دولة أوروبية، إلى تسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين ما بين فبراير ومايو 2006.
وبقدر ما قد تساعد الهجرة على ازدهار الاقتصاد الأوروبي وتعديل الميزان الديموغرافي، فإنها ستساهم في تنمية دول الجنوب، خصوصا منطقة شمال أفريقيا القريبة. لكنّ بعض الأطراف الأوروبية اليمينية، لا تتحمس لفكرة جلب عمالة عربية أو مسلمة، وهي تفضل عليها العمالة الأوروبية الشرقية، لأسباب تاريخية ودينية.
وفى تقديرنا إن أوروبا تتحمل المسؤولية التاريخية والأخلاقية في ما يخص موضوع الهجرة، فقسط كبير من رفاهيتها وتقدمها ناتج عن فائض القيمة التاريخي الذي راكمته إبان استعمارها المباشر لدول الجنوب، ولهذا لا يحق لها، وفق منطق الأشياء، أن تحمّل دول الجنوب مسؤولية حل مشكل يتجاوز إمكانياتها وطاقاتها.
ثالثا: الورقة الخضراء
أصدر المجلس الأوروبي ما يسمى بـ"الورقة الخضراء" في الحادي عشر من شهر يناير عام 2005 ، وتهدف الورقة إلى مطالبة كافة الأطراف ذات الصلة بالتعليق وإبداء الرأي لوضع آليات لإدارة مسألة الهجرة على أساس من التعاون بين كل الأطراف.
وتتضمن الورقة الخضراء الخطوط العامة لسياسات الإتحاد الأوروبى تجاه الهجرة، غير أنها لم تتحدث في واقع الأمر سوى عن العمالة المنظمة المهاجرة، والتي يحتاج إليها السوق الأوروبي لأسباب كثيرة بعضها اقتصادي وبعضها الآخر يتعلق بالطبيعة الديموغرافية لدول الاتحاد وتركيبة السكان ونسبتهم.
وفى حين تولى الورقة اهتماما كبيراً لاحتياجات وأولويات سوق العمل الأوروبي فإنها لا تشير إلى أسباب ودوافع الهجرة المنظمة أو غير المنظمة من الدول النامية إلى أوروبا. هذا كما تعانى الورقة من قصور في مجالات التعاون المطروحة بين الإتحاد وبين دول المنشأ والعبور، وتقتصر في معظمها على التعاون الأمني فضلاً، عن عدم ذكر الدور الذي يمكن أن يلعبه التعاون مع منظمات المجتمع المدني فى هذا الشأن.
رابعا: الميثاق الأوروبي
سعى الإتحاد الأوروبي إلى ممارسة أقصى درجات الضغط على معظم حكومات دول جنوب البحر الأبيض المتوسط وخاصة ليبيا والمغرب ومصر لوقف الهجرة غير المنظمة، وكانت مصر من أكثر الدول استجابة لهذه الضغوط حيث قامت السلطات المصرية باعتقال مئات الأشخاص دون أي اتهام لمجرد أن المهتمين كانوا مهاجرين سابقين أو أقارب لمهاجرين، ورغم قرارات الإفراج عنهم من المحاكم إلا أن وزارة الداخلية تعيد اعتقالهم مرة أخرى في انتهاك صارخ لحقوقهم التي كفالها الدستور والقانون.
وفى هذا السياق دعا وزير الداخلية الايطالي دول الإتحاد الأوربي إلى تبني قرار ينص على وقف استقبال العمال القادمين من خارج الإتحاد الأوروبي لمدة سنتين معتبراً أن إجراء كهذا سيحمي المهاجرين الموجودين في ايطاليا وغيرها من آثار الأزمة الاقتصادية العالمية.
ومما لا شك فيه أن مثل هذه المعالجات والإجراءات تؤدى لمزيد من تدهور أوضاع وحقوق المهاجرين وكان أولى بحكومات دول الإتحاد الأوروبى القيام بمزيد من الإجراءات الحمائية لتعزيز حقوق المهاجرين ووقف تدهور أوضاعهم وحث حكومات الجنوب على معالجة أسباب الظاهرة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بدلاً من فرض المزيد من الإجراءات التعسفية والأمنية.
خامسا: الهاجس الأمني
ومن جهة أخرى فإن غالبية المشروعات المطروحة من قبل الإتحاد الأوروبي لمكافحة الهجرة غير المنظمة تركز على الجانب الأمني، فمثلاً مشروع إنشاء معسكرات لاحتجاز طالبي اللجوء والمهاجرين غير النظاميين على شواطئ خمس دول شمال إفريقية. وغير ذلك من برامج الدعم المالي والتقني لحكومات دول جنوب المتوسط التي تتركز على حراسة الحدود البحرية والبرية، وكذلك للحد من العبور بشكل غير نظامى، مثل تلك المشروعات على الرغم من أهميتها إلا أنها لا يمكن أن تكون الوجه الوحيد للتعاون بين دول الإتحاد الأوروبي وبين حكومات جنوب المتوسط، فضلاً عن أن تلك البرامج قد تقود إلى انتهاكات لحقوق الإنسان مثل تلك التي وردت مؤخراً في تقرير لمنظمة العفو الدولية بشأن انتهاك حقوق طالبي اللجوء والمهاجرين غير النظاميين المحتجزين في ليبيا.
إن القراءة الهادئة لإشكاليات الهجرة، في إطار الشراكة الأورو– متوسطية، تفرض علينا الاعتراف بأنه إذا كان مطلوبا من الدول المستقبلة للهجرة احترام حقوق الإنسان، فإنه مطلوب أيضا من الدول المصدرة للهجرة أن تنتبه لعطبها الداخلي الذي يستدعي إصلاح الهياكل والمؤسسات والبرامج والمخططات، بخلق مناخ اجتماعي وسياسي جديد، ذلك أن الحل الداخلي يظل الأكثر فعالية عبر إعادة الاعتبار للشأن الاجتماعي بواسطة إنعاش فرص العمل، وتنشيط الاستثمار، وتقليص التفاوتات الاجتماعية، وتوسيع قاعدة المشاركة في الحياة السياسية.
سادسا: مفارقة
العمال المهاجرون لا يمثلون عبئاً بأي حال من الأحوال على البلدان المضيفة، بل على العكس من ذلك يمثلون قيمة مضافة فعلية، فاستنادا إلي تقرير صدر عن منظمة العمل الدولية، فقد ذكرت الحكومة البريطانية أن العمال المهاجرين المقيمون في المملكة المتحدة أضافوا 4 مليارات دولار أمريكي إلى الميزانية البريطانية خلال عامي 1999/2000 ، أى أنهم دفعوا ضرائب وساهموا في الضمان الاجتماعي، وفى ألمانيا تؤكد دراسة أجراها معهد بحوث السياسات العامة أن المهاجرين قد ساهموا في الخزينة العامة بأكثر من 10%، وفى أسبانيا ثبت أن أكثر من 25% من دخل البناء كان من العمال المهاجرين، وفى الولايات المتحدة الأمريكية أنتج العمال المهاجرون دخلاً قومياً إضافيا بلغ 8 مليار دولار أمريكي خلال عام واحد، وتؤكد دراسة لمنظمة العمل الدولية أنه بدون الهجرة سوف تنخفض مستويات المعيشة الأوروبية في عام 2050 إلى 78% مما هي عليه اليوم.
ورغم ذلك فالمهاجرون معرضون بشكل خاص لانتهاك حقوقهم النقابية، وحقوق العمل خاصة لوجودهم خارج سياق العمل المقنن، مما يجعلهم عرضة لاستغلال أصحاب العمل، حيث تعتبر ظروف عمل عدد كبير منهم سيئة، وقد تتسم بالعمل الجبري والأجور المنخفضة في بيئة عمل رديئة إضافة إلى غياب الحماية الاجتماعية، مع وجود نماذج من العنصرية والتمييز.
لذلك فعلى كافة الحكومات احترام الحقوق الإنسانية للعمال المهاجرين وأسرهم، كما وردت بالاتفاقيات الدولية الصادرة عام 1990، وتطبيق مبدأ المساواة في الفرص والمعاملة، ومعايير العمل الأساسية في البلدان المضيفة. وفى الوقت نفسه وبالتوازي يجب العمل على توفير فرص العمل اللائق في البلدان النامية، حيث أن غياب ذلك يسمح بالهجرة من الوطن الأم إلى الدول المضيفة. [/CELL][/TABLE]
|
 |
خدمات المحتوى
|
سامي محمود - د. أسامة بدير
تقييم
|