|
المحور الثاني: البنك الدولي في مصرمن السد العالي حتى توصيل الغاز لإسرائيل
06-14-2009 04:09 PM
المحور الثاني
البنك الدولي في مصر
من السد العالي حتى توصيل الغاز لإسرائيل
تمهيد
كانت مصر من أوائل الدول التي انضمت إلى البنك الدولي عام 1945 وفى عام 1999 حصلت مصر على قروض مستفيدة من نافذة إقراض البنك التي تخدم الدول منخفضة الدخل ألا وهى المؤسسة الدولية للتنمية، إلا أن مصر تعتبر حاليا من بين الدول متوسطة الدخل ولها القدرة على أن تقترض مبالغ ضخمة من البنك الدولي للإنشاء والتعمير ولكنها لم تعد مؤهلة للحصول على القروض بدون فائدة أو المنح من المؤسسة الدولية للتنمية.
كما انضمت مصر لعضوية مؤسسة التمويل الدولية عام 1975 ومنذ ذلك الوقت وصل حجم استثمارات المؤسسة في مصر إلى 1.3 مليار دولار وهذا جعل مصر أكبر دولة متلقية للتمويل من قبل المؤسسة بين دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وفي عام 2007 عرضت مصر ولأول مرة في تاريخ تعاملاتها مع البنك أن تساهم بمبالغ مالية في المؤسسة الدولية للتنمية التي تعتمد على مساهمات الدول المانحة حتي تتمكن من تمويل البرامج العاملة في الدول الفقيرة.
ونحاول من خلال هذا المحور أن نلقي الضوء على مسيرة علاقات مصر بالبنك الدولي والكيفية التي يتعامل بها البنك مع مصر ونتائج هذا التعامل منذ أن فكرت مصر في الاستعانة بالبنك لبناء السد العالي إلى يومنا هذا، ونحاول من جهة أخرى كشف النوايا الحقيقية للبنك والنتائج الكارثية التي ترتبت على تنفيذ مصر "لروشتات" البنك على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وذلك كما يلي:
أولا: البنك الدولي ومشروع السد العالي
ثانيا: البنك الدولي في مصر (انحراف البوصلة)
ثالثا: القروض المصرية (الضغوط والإغراءات)
رابعا: خصخصة السيادة الوطنية.
خامسا: تحرير الأسواق عصب سياسات البنك الدولي (نتائج كارثية)
أولا: البنك الدولي ومشروع السد العالي
كان مشروع السد العالى بالنسبة لمصر يعتبر أهم وأكبر مشاريعها الضرورية، واعتبرته ثورة 23 يوليو فى مقدمة مهامها لتحقيق التنمية الزراعية، وتم تكليف الخبراء الألمان بإعداد الدراسات عن المشروع وظهرت من الدراسة مشكلة التمويل لضخامتها فاتجهت مصر إلى الولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا والبنك الدولى، وأقر المشروع خبراء البنك الدولى فى عام 1955، فتقدمت كل من إنجلترا وأمريكا فى خريف عام 1955 بعروض جزئية للمشاركة فى تمويل قروض مشروع بناء السد العالى تبلغ فى جملتها 130 مليون دولار واشترطت الدولتان موافقة البنك الدولى على تقديم قرضه لمصر البالغ 200 مليون دولار.
وفى نوفمبر 1955 بدأت المفاوضات المصرية مع البنك الدولى ومع ممثلى الحكومة الأمريكية والبريطانية من أجل المساهمة فى تمويل المشروع، مما أدى فى النهاية إلى أن يعلن البنك الدولى يوم 17 ديسمبر 1955 أنه سيقوم بتمويل مشروع بناء السد العالى مشتركا مع إنجلترا وأمريكا، وأن البنك سيقوم بدفع نصف العملات الصعبة بينما تقوم حكومتا لندن وواشنطن بدفع النصف الآخر.
لقد كانت عملية تمويل قروض مشروع بناء السد العالى كلها مشروطة منذ البداية، فقد صاحب إعلان البنك الدولى مذكرة الغرب - بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية - وبها شروط مجحفة تتناول السيادة الوطنية على مصر كأساس لتنفيذ المشروع، وهذه الشروط هي:
1- أن تتعهد مصر بعدم إبرام أى اتفاقيات مالية أو الحصول على أى قروض دون موافقة البنك الدولى.
2- أحقية البنك الدولى فى مراجعة ميزانية مصر حتى لا يحدث تضخم.
3- أن تتعهد مصر بتركيز تنميتها على مشروع السد العالى فقط وتخصيص ثلث دخلها لمدة عشر سنوات لهذا الغرض.
4- استبعاد الكتلة الشرقية كلية من المشروع وأن تجرى عقود الإنشاء على أساس المنافسة.
وكان من الطبيعى أن ترفض مصر هذه الشروط لأنها تؤدى إلى سيطرة الغرب على اقتصاد مصر، ثم تنتهى بالتالى بالإطاحة باستقلالها كما حدث لمصر فى عهد الخديو إسماعيل نتيجة لحفر قناة السويس، وفي يوم 12 يوليو 1956 تمكنت مصر من التوصل إلى اتفاق مبدئى مع البنك الدولى، تقدمت مصر بمقترحاتها إلى واشنطن وكان مفهوما أنها مقبولة ولا ينقصها إلا التوقيع.
هذا ولم تتوقف محاولات ابتزاز الرئيس جمال عبد الناصر والضغط عليه للتخلى عن مشاريعه واتجاهاته القومية، ويمكن استعراض الصفقات الأمريكية التي طرحت حينها كما يلي:
الصفقة الأولى: تقديم عرض بمساعدة مصر فى بناء السد العالى وبمنطق أن تكاليف بناء السد العالى تفرض على مصر تخصيص مواردها له – لهذا كان يتحتم عليها أن توقف صفقات شراء السلاح من الاتحاد السوفييتى– فى مقابل البدء فى بناء السد العالى.
الصفقة الثانية: وتتصل بالصفقة الأولى- وهى شروط أكثر سخاء فى بناء السد العالى مقابل الصلح مع إسرائيل، بمفهوم أن من يقصدون البناء يتحتم عليهم نبذ الحرب، ووصلت الولايات المتحدة الأمريكية فى هذه الصفقة إلى حد أنها قدمت مشروعا مكتوبا "عقد" صفقاتها حمله روبرت أندرسون وزير الخزانة الأمريكى ومبعوث خاص من الرئيس الأمريكى " دوايت ايزنهاور".
وعندما رفضت مصر هذه الصفقات تعمد جون فوستر دالاس وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية أن ذاك، باستدعاء السفير المصرى فى واشنطن أحمد حسين الى مكتبه وأبلغه بأن حكومة الولايات المتحدة الأمريكية قد وصلت إلى قرار بأن اقتصاد مصر لا يستطيع أن يتحمل أعباء بناء السد العالى، ومن ثم قررت حكومة واشنطن سحب عرضها بتقديم المعونة المالية، وسلمه كتابا تعلن فيه الحكومة الأمريكية سحب عرضها للمشاركة فى تمويل قروض مشروع بناء السد، وفى نفس الوقت وزع دالاس على الصحافة نص خطاب الرفض قبل أن يصل رسميا الى الحكومة المصرية.
ولم يختلف الوضع فى لندن، فقد استدعى فى اليوم التالى السير "هارولد كاشيا"، الوكيل الدائم لوزارة الخارجية البريطانية السفير المصرى فى بريطانيا وأبلغه أن بريطانيا قد قررت بدورها أن تسحب العرض للمشاركة فى تكملة تمويل قروض مشروع بناء السد العالى.
ولم ينقض اليوم قبل أن يعلن "يوجين بلاك" مدير البنك الدولى بأن البنك الدولى لا يستطيع أن يقرض مصر مبلغ المائتى مليون دولار لتمويل مشروع بناء السد العالى كما وعد مصر قبل أسبوع، وذلك بسبب القرارين الأنجلو-أمريكى.
بهذا أيقنت مصر أن البنك الدولى يخضع للدول الغربية وظهر لمصر أن سحب أمريكا لعرضها هو بداية مؤامرة سياسية محكمة الأطراف، معاقبة من أمريكا لمصر بعد فشل الولايات المتحدة الأمريكية تنحية مصر عن شراء السلاح من الكتلة الشرقية، وبذلك كسر احتكار الغرب لتوريد السلاح للمنطقة.
كانت هذه هي أولى المؤامرات التي حاول الغرب من خلال البنك الدولي استغلالها لتطويع مصر لمصالحه، ورغم فشلها إلا أن المحاولات استمرت، وهو ما سنحاول الكشف عنه في الصفحات التالية.
ثانيا: مصر والبنك الدولي (انحراف البوصلة)
بعد وفاة الرئيس عبد الناصر وبعد انقضاء السنوات الخمس الأولى من حكم الرئيس السادات وتحديدا في عام ١٩٧٥ صرح السادات بأن حالة الديون خطيرة ووصف الاقتصاد المصري بأنه بلغ درجة الصفر، وكانت مصر مطالبة بدفع ٢٠٨٤ مليون دولار في عام ١٩٧٥ وحده، سداداً لأصل وفوائد الديون قصيرة الأجل التي كانت تشكل نحو ثلث إجمالي القروض المصرية وكانت أسعار فوائدها تتجاوز أحيانا ١٥% وكان هذا المبلغ "٢٠٨٤ مليون دولار" يعادل ٧٨% من حصيلة الصادرات المصرية كلها في ذلك العام.
شهدت تلك السنة "١٩٧٥" والسنة التي تلتها جولات متعاقبة للرئيس السادات ولرئيس الوزراء ووزراء المالية والاقتصاد المصريين في دول الخليج يرجون فيها زيادة حجم المعونات العربية المقدمة لمصر، مستخدمين كل ما يمكن استخدامه من حجج، من بطولة الجيش المصري في حرب أكتوبر إلي ما قدمته مصر من تضحيات للقضية الفلسطينية إلي ما تؤديه العمالة المصرية من خدمات لتنمية دول الخليج، ولكن دون طائل فقد كان رد حكومات النفط في ذلك الوقت، "أن هذا الذي نقدمه هو أقصي ما نستطيع"، وأنه حتي لو كان باستطاعتنا تقديم المزيد فإنه ليس لدينا ما يضمن أن مصر سوف تحسن استخدام ما نقدمه من معونات، كانت هناك أيضا تلميحات إلي ما يسود تصرفات الإدارة المصرية من فساد وتبديد، وكانت هناك أيضا ردود تعلمتها حكومات النفط من رجال البنك الدولي والمؤسسات الدولية، مثل القول بأن تقديم المساعدات لدعم ميزان المدفوعات يساعد علي التبديد وأن الأفضل تقديم مساعدات لتمويل مشروعات بعينها يتفق عليها.
وهنا تتبدى المؤامرة الثانية فلم يكن الأمر في الحقيقة إلا أن حكومات دول النفط، لم تكن قد تلقت بعد إيماءة الموافقة من الولايات المتحدة الأمريكية وهيئات المعونة الدولية بزيادة حجم معوناتها لمصر، ولم يكن هذا ليتم إلا إذا أظهرت مصر استعدادها نهائيا لقبول توجيهات البنك الدولي ولاتخاذ خطوة حاسمة في اتجاه عقد اتفاقية سلام مع إسرائيل وهو ما حدث بالفعل بقيام السادات بزيارة القدس في عام ١٩٧٧ ثم بتوقيعه اتفاقية السلام مع إسرائيل في عام ١٩٧٩.
وبذلك انحرفت البوصلة المصرية باتجاه الغرب ووقعت مصر فريسة في فخ المؤسسات المالية الدولية من جهة، ودارت في فلك السياسة الأمريكية المسيطرة على هذه المؤسسات من جهة أخرى، وفي عهد الرئيس مبارك بدأ ما عرف ببرنامج الإصلاح الاقتصادي وفقا لسياسات البنك الدولي.
وشأن كل الحكومات التي تتحول من الاقتصاد المركزي إلى الاقتصاد الرأسمالي الحر بشكل مباشر فقد واجهت الحكومة المصرية العديد من التحديات في تلك الفترة منها:
أ- الضغوط المستمرة من البنك الدولي وصندوق النقد للإسراع ببرنامج الخصخصة معتقدين أن سياسة التعويضات التي تمنح للعمال المسرحين كافية.
ب- الضغوط لتخفيض سعر صرف الجنيه المصري لتشجيع الصادرات.
ج- الإسراع بتعظيم دور القطاع الخاص في التنمية, فهم يرون أن حفز عملية الخصخصة وتعظيم دور القطاع الخاص سيكون له قدرة أكبر على تحقيق العوائد الاقتصادية وتؤدي إلى جذب رأس المال الأجنبي.
وقد بدأت إجراءات تنفيذ برنامج الخصخصة في مصر بصدور القانون 203 لسنة 1991 الذي سمى قانون قطاع الأعمال العام على أساس نوعي من خلال 17 شركة قابضة في مختلف الأنشطة ويتبع كل شركة قابضة شركات تابعة لها في نفس المجال.
وفى ظل تنفيذ اختيارى أو إجبارى لبرامج صندوق النقد الدولى للاستقرار الاقتصادى، وبرامج البنك الدولى للتكيف الهيكلى، إضافة إلى تطبيق اتفاقيات منظمة التجارة العالمية لتحرير التجارة، فقد دفع هذا كله وما زال نحو إعادة صياغة السياسات الاقتصادية الوطنية وفق مقتضيات التحول إلى اقتصاد سوق مفتوح, وجاء تبنى سياسات العولمة الاقتصادية محصلة لعوامل, بعضها حركته المصلحة وساندته القدرة وحفزه الكسب، وبعضها الآخر أملاه الأمل وفرضه الضعف.
وقد أدى نقل سلطة اتخاذ القرار الاقتصادى من الحكومات إلى الشركات متعددة الجنسيات والمنظمات الاقتصادية الدولية إلى تقليص السيادة الوطنية, وغاب التوازن بين مبادىء الديموقراطية وإدارة العولمة، جراء افتقار السوق العالمى الى مؤسسات ديموقراطية تشرف على عملها، على غرار المؤسسات التى توفر المشروعية والاستقرار للأسواق الوطنية.
وحدد البنك الدولي عدة قضايا واعتبرها من القضايا الملحة التي تواجه مصر في مجال الحد من الفقر وتحقيق التنمية المستدامة وهذه القضايا هي:
- ارتفاع معدلات البطالة.
- ارتفاع معدلات الفقر: فعلى الرغم من ارتفاع معدل النمو الاقتصادي إلا أن عدد السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر ما زال في ازدياد علاوة على قلة عدد المواطنين الذين استفادوا من عملية الإصلاح الاقتصادي.
- عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية.
- ارتفاع عجز الموازنة وصافي الدين العام.
2- قراءة في مشروعات البنك في مصر
قبل تقديم قراءة في مشروعات البنك هناك عدد من النقاط لابد من الإشارة إليها أهمها:
أ- إن خبراء البنك الدولي يقومون بزيارة الوزارات وبحث احتياجاتها وليس بحث أرض الواقع كما أن طريقة تنفيذ المشروعات من قبل الشركات الاستثمارية يختارها البنك الدولي وهو ما يتيح له أن يفرض شركات بعينها علي الدول كذلك يطلع علي أسرارها وحساباتها ولا تملك هذه الدول إلا الانصياع لذلك نظرا لحاجتها للتمويل.
ب- إن قروض البنك الدولي تحمل مشروطية مشتركة بين البنك والحكومة كما أنها قروض خاصة تسمي "الإصلاح الهيكلي "وتكون بالتعاون مع صندوق النقد الدولي وإذا كان من مزايا هذه القروض تخفيض الفائدة والتوازن بين العرض والطلب إلا أنه من عيوبها الجوهرية شرط عدم التدخل من الحكومات وتشجيع الخصخصة، وهناك حقيقة أخرى لابد من أخذها بعين الاعتبار وهي أن خبراء البنك الدولي ليسوا علي دراية بالمجتمع الذي ينفذون فيه مشروعاتهم بل يعتمدون علي الحكومة التي تراعي فقط أن الفائدة قليلة علي القرض بصرف النظر عما يحدث من آثار سلبية.
ج- لا يتدخل البنك في البنية الأساسية إلا بناء علي خطط الحكومة ومتطلباتها ومن خلال خبرائه يتم تحديد مدي مساهمته، كما أنه يقوم بأخذ الأضرار المترتبة عن مشاريعه في الاعتبار، ولكن بناء علي رؤية الحكومة ، ولذا فإن الحكومة المصرية هي التي تحدد الأضرار وهي الملامة علي ذلك، كما أن وزارة الاستثمار ووزارة التعاون الدولي هما الأساس في التفاوض مع البنك الدولي في تنفيذ المشروعات وربما تدخل بعض الوزارات الأخري حسب المشروع المراد تنفيذه والحكومة هي التي تحدد فريق التفاوض الذي لابد أن يضم خبراء ومتخصصين من كافة المجالات. وهنا لابد أن نتساءل عن مدي جدية الحكومة في دراسة هذه المشاريع ومدي ملاءمتها لمصر، فهل نظرت إلي فوائد الديون المترتبة علي هذه المشاريع ومساحة العبء المستقبلي الذي ستشكله علي الموازنة؟ وهل نظرت الحكومة في المردود الاقتصادي والاجتماعي لهذه المشاريع وتفحصته جيدا؟ أم أن الحكومة المصرية تسير راغبة أو مضطرة باتجاه قروض البنك الدولي؟
د- يؤكد خبراء مصريون على أن الخبراء الأجانب يبتلعون 25% من قيمة القروض، وتشير الأرقام إلى أن مصر يعمل بها نحو 100 ألف خبير أجنبي يتقاضون 8 مليارات دولار أمريكية من مختلف جنسيات العالم، ومن بينهم عشرة آلاف خبير أمريكي، يعملون تحت شعار المعونة الأمريكية، ويسمح لهم بالاطلاع على أدق التفاصيل والمعلومات والإحصائيات الخاصة بالاقتصاد المصري، من خلال عملية الإشراف والمراقبة على الوزارات التي تقع في دائرة اهتمام برامج المعونة الأجنبية يجعلنا نتخوف من احتمال قيامهم بأعمال تجسس.
وقد رفض البنك الدولي للإنشاء والتعمير طلب الحكومة المصرية بالحد من فرض خبراء البنك على المشروعات التي يقوم بتمويلها.
وكشف تقرير للجهاز المركزي للمحاسبات أن 28.6% من قيمة قروض بنك التعمير الدولي لمصر تذهب لخبراء البنك، وبيوت الخبرة المصرية والعربية تقوم بأقل من 8% من الأعمال والباقي تقوم به بيوت الخبرة الأجنبية.
هـ- بعد حرب الخليج الثانية، وإسقاط جزء من الديون الخارجية، قالت الحكومة إنها لن تقترض إلا لمشروعات تستطيع سداد القروض، وأن الدولة لن تسمح بتحميل الأجيال القادمة قروضا إضافية، حتى لاتكبل خطط التنمية المستقبلية، الحكومة من جانبها تؤكد -على لسان وزرائها- أنها ومنذ عام 2000 وضعت حداً أقصى للاستدانة السنوية لايزيد على 1.2 مليار دولار، وهو ما يوازى أقساط وفوائد الدين الخارجى، إضافة لشرط آخر بأن تكون الهيئات والوزارات المقترضة لديها القدرة على السداد من ميزانيتها، إلا أن الحكومة المصرية قد اقترضت مليار دولار من البنك الدولى وبنك التنمية الأفريقى لتنمية السياسات المالية، ودعم برنامج الإصلاح خلال عام 2006، وهو القرض الذى تتحمل الخزانة العامة أعباءه وليس لمشروعات إنتاجية تستطيع السداد.
قراءة في مشروعات البنك
- بلغ إجمالي القروض التي حصلت عليها مصر من البنك حوالي 1662.2 مليون دولار في الفترة من 4 نوفمبر 1997 حتي 19 يونيو 2008 وبلغ إجمالي القروض المقترحة حوالي 1145 مليون دولار أما مؤسسة التمويل الدولية فقد بلغ إجمالي قروض المشاريع قيد التنفيذ حوالي 212.9 مليون دولار فيما بلغ حجم القروض المقترحة 70.62 مليون دولار.
ويلاحظ ارتفاع نسبة اعتماد مصر على الاقتراض، وهو مأكده تقرير صادر عن مركز معلومات البنوك الأمريكية حيث كشف عن أن مصر حصلت على 1.272 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الماضية بنسبة 25% من القروض التي وجهها البنك لحكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
- يرفق البنك الدولي بقائمة المشروعات نتائج البحوث البيئية لكل مشروع، والتي تحدد حجم المخاطر التي قد تترتب علي كل منها ، إذ تم تصنيف المشروعات من حيث أضرارها البيئية إلي ثلاث فئات مرتبة «a» وهي الأشد خطورة وعددها 7 مشروعات ، و «b» وهي الأقل خطورة ويبلغ عددها 18 مشروعا، أما باقي المشروعات فتنتمي إلي المجموعة «C» و FI اللتان من المتوقع ألا يترتب عليها ضرر بالبيئة.
وبقراءة متأنية لمشروعات البنك في مصر يلاحظ ما يلي:
أ- لاقى قطاع الطاقة اهتماما متزايدا من قبل البنك الدولي منذ اكتشاف عدد من مصادر الغاز الطبيعي الهامة في مصر على مدى السنوات القليلة الماضية كما ينظر البنك للدعم الممنوح للكهرباء على أنه عبء على الموازنة العامة للدولة ولذلك فإن البنك يتجه نحو تشجيع تطبيق إصلاحات في قطاع الطاقة، ومن المتوقع أن يؤدي إلغاء الدعم على الطاقة والدخول في شراكة مع القطاع الخاص من أجل توفير الخدمات الأساسية إلى زيادة أسعار السلع والخدمات، فما هي الاجراءات التي تم اتخاذها من أجل التخفيف من آثار هذه الزيادة المتوقعة على فئة الفقراء المحملين مسبقا بالكثير من الأعباء؟
ب- ما زالت البنية الأساسية تعتبر من أهم أولويات البنك حيث تستخدم كوسيلة لجذب الاستثمارات الخاصة والتجارة ولكن في ظل حجم بعض هذه المشاريع فإن من أهم المشاكل التي تدعو للقلق هي احتمال تشريد المواطنين.
ج- اقترضت مصر من البنك الدولي مبلغ قيمته 500 مليون دولار وقرض مماثل من بنك التنمية الأفريقي قيمته500 مليون دولار ليكون إجمالي ما حصلت عليه مصر من المؤسستين الدوليتين كقروض ميسرة مليار دولار، والغريب في موضوع هذا القرض أنه مخصص لمصلحة برامج الإصلاح المصرفي بالبنوك والإصلاح المالي بالمؤسسات المالية غير المصرفية وتتمثل في شركات التأمين والتمويل العقاري والتأجير التمويلي والبورصة وسوق المال، ما يثير العديد من علامات الاستفهام حول وجود بيزنس لعمليات القروض الخارجية، فلماذا لا توجه تلك القروض لمشروعات إنتاجية ؟ ولماذا معظم الدول تحصل علي منح من المؤسسات والمنظمات الدولية للإصلاح المالي وعندما تأتي إلي مصر تتحول إلي قروض ؟ هل هناك بالفعل مافيا للقروض وتحويل المنح إلي قروض ؟.
د- مشروع تطوير القاهرة الكبري بقرض يبلغ 100 مليون دولار وهو مصنف بيئيا من الفئة A وهو مايكشف عن نية الحكومة في تهجير عدد كبير من سكان القاهرة، وهو ما أكده مصدر بوزارة الإسكان حول بدء الوزارة مخاطبة جهاز التعبئة لتقديم تقارير خاصة بعدد السكان الذين يعيشون في تلك المناطق التي منحت الأولوية لمخطط القاهرة 2020، كأحد المخططات العمرانية التي تتماشي مع خطط البنك في مصر ، وقال الخبراء إن المناطق المقترحة في مراحل المشروع الأولي جميعها تستهدف أماكن أثرية وسياحية تهدف إلي زيادة قيمتها، وأضاف الخبراء أن المشروع من الصعب تنفيذة في تلك الفترة وسيقوم بتشريد كثافة سكانية تصل إلي 2 مليون مواطن علي أقل تقدير.
هـ- في الوقت الذي بلغت فيه أرباح الشركة القابضة لمصر للطيران عام 2008 مبلغ 695 مليون جنيه بزيادة 20% عن العام الماضى، وفي الوقت الذي تمتلك فيه الهيئة القومية للسكة الحديد العديد من القدرات والإمكانيات الهائلة التي تمكنها من تطوير نفسها من جرارات وعربات وقضيان لكنها تحتاج إلي من يحسن استغلالها، تقترض الدولة من البنك 335 مليون دولار بقرض يصنف من الفئة A وتتجه لاقتراض مبلغ 120 مليون دولار لإعادة هيكلة هيئة السكة الحديد ما يثير العديد من التساؤلات حول جدوى هذين القرضين والهدف من ورائهما.
و- مشروع مد الغاز إلي وسط القاهرة الذي وصفه البنك الدولي بأنه الأشد خطرا علي البيئة حيث صنفه بيئيا من الفئة يشير الخبراء إلى أن حجم الأخطار التي تنتج عن استخدام الأنابيب، وحجم المنافع التي ستعود علي المواطنين لا تضاهي حجم الخسائر البيئية.
م- مشروع التأمين الصحي بتكلفة 75 مليون دولار، وتهدف إلي تطوير البنية الأساسية لصندوق التأمين الصحي القومي وتطوير نظم الإدارة والمعلومات، هذا المشروع ماهو إلا بداية لخصخصة قطاع التأمين الصحي بالالتفاف علي الدستور، حيث أصبحت معظم القرارات قرارات وزارية ، أما مشروع مستشفيات أندلسية الذي يتكلف -25 مليون دولار- بقرض من مؤسسة التمويل الدولية وكذلك مشروع إنشاء مستشفي بالقاهرة وأكاديمية للتمريض في مصر، فبالاضافة إلي أن تلك المشاريع تقع تحت التصنيف البيئي B، الذي يعني أن هناك آثارا بيئية ولكن محدودة نسبيا للمشروع، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: "لماذا يتم إنشاء أكاديمية للتمريض في مصر بملايين الدولارات دون محاولة تطوير المعهد العالي للتمريض؟
ن – كان قطاعا التعليم والزراعة هما الهدف الأول لمؤامرات البنك في مصر، وسوف يخصص التقرير المحور الثالث منه لتحليل آثار سياسات البنك على الزراعة المصرية، أما التعليم المصري فقد أصبح مسرحا لعبث خبراء البنك الدولي، حيث تحول إلى ساحة للتجريب ربما كانت أول التجارب بإلغاء الصف السادس الابتدائي في بداية تسعينيات القرن العشرين لترشيد النفقات تطبيقا لروشتة البنك ثم انتقل العبث للمرحلة الثانوية بما يسمي مشروع تطوير التعليم الثانوي عام 1999 بقرض قيمته 50 مليون دولار وليس ببعيد عن أذهان أولياء الأمور في مصر كيف تحول طلاب الثانوية العامة إلى حقل للتجارب حينها إضافة إلى ما يسمى مشروع تطوير التعليم في المراحل الأولى من الطفولى بقرض قيمته 20 مليون دولار وهو مشروع تغيير وإعادة صياغة للبنية الاجتماعية والثقافية في مصر حتي تصير أكثر طوعا ولينا لرغبات البنك وتوجهاته".
أما التعليم الجامعي فقد اعتمدت مؤسسة التمويل الدولية قرضا بـ 17 مليون دولار من أجل مساعدة الطلاب في الالتحاق بالجامعات الخاصة ، وهذا القرض ممنوح بالأساس لرأس المال الخاص وهذا معناه أننا سوف نتخلي عن التعليم المجاني وكان الأولي إعطاء هذه القروض للطلاب الذين يدرسون بالتعليم المجاني ولكن يبدوا أنه توجه من الدولة بالأساس نحو خصخصة التعليم.
ورغم وجود 27 كلية تربية و 40 كلية تربية نوعية ورياض أطفال في مصر تقوم بتخريج المعلمين، وخريجو هذه الكليات كلها يضافون إلي طابور البطالة كل عام، في الوقت الذي تعاني فيه وزارة التعليم من عجز 160 ألف معلم وذلك بسبب إيقاف التكليف بالنسبة للمعلمين منذ عدة سنوات، تتجه الدولة إلى اقتراض50 مليون دولار بغرض تطوير التعليم الثانوي وإنشاء أكاديمية للمعلمين.
وهذه الأكاديمية إذا كان القصد منها إعطاء رخصة للمعلمين لمزاولة المهنة فإن كل دول العالم يتم منح الرخصة فيها عن طريق النقابات المهنية أي مؤسسات المجتمع المدني المهنية وأما إذا كان الهدف هو رفع مستوي المعلم، يوجد في كل محافظة أكثر من كلية للتربية بها جميعا أقسام للدراسات العليا وتستطيع هذه الكليات أن تقوم بتطوير مستوي المعلمين أفضل من الأكاديمية التي سوف يتم انشاؤها بالقروض .
الخلاصة: إن البنك الدولي ومؤسساته المالية قد بشرتنا بأن تحرير الأسواق سيحقق النمو فى مصر وهو ما يعمل على تحسين أوضاع الفقراء على المدى البعيد لكن التجربة العملية وبعد أكثر من ربع قرن من الزمان، أوضحت زيادة التدهور فى توزيع الدخل وازدياد حدة الفقر وزيادة التفاوت فى توزيع الدخول مرتبطاً بتفجر المديونية المحلية والخارجية وتفجر التضخم والبطالة وانهيار قيمة العملة الوطنية وإغراق الأسواق بالسلع الترفيهية وعجز المصانع المصرية عن المنافسة، وتعثر المشروعات، وهروب الاستثمار، ولازالت التقارير تشير إلى أن مصر تتصدر قائمة الدول الأكثر اقتراضاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتحذر من خطورة الاقتراض المصري دون حساب التأثيرات العكسية للقروض علي عملية التنمية في مصر.
وفي تقديرنا: أن سياسة البنك الدولي تجاه مصر حالياً بهذه الصورة تؤكد أن مصر مستهدفة وأن هناك أهدافا خفية من وراء هذه السياسة علي رأسها فرض أجندة الخصخصة وتنفيذ سياسة مالية مخططة لتحويل مصر كلها إلي يد غيرها، فالاحتلال البريطاني لمصر سبقه تنفيذ سياسة إغراق مصر في ديونها الخارجية، ولعل التناقض العجيب في مصر أنه في نفس الوقت الذي تشجع فيه الدولة علي الاستثمار الأجنبي تعتمد بشكل كبير ومباشر علي الاقتراض الخارجي.
وبالرغم من الحجم القياسي للقروض التي حصلت عليها مصر من البنك الدولي وفي الوقت الذي تواجه فيه مصر العديد من التحديات التنموية الملحّة، بما في ذلك ارتفاع معدلات البطالة، الزيادات الحادة في أسعار المواد الغذائية وارتفاع معدلات الفقر، فإن المؤسسات المالية الدولية لا تزال تحث مصر على ضرورة خفض الدعم الحكومي لموارد الطاقة والتوسع في عملية تقليص عدد موظفي القطاع المدني للدولة ورفع معدلات ضريبة المبيعات.
إن هذه الإصلاحات (من وجهة نظر المؤسسات المالية الدولية وعلى رأسها البنك الدولى) والتي تهدف جملة إلى تقليص الإنفاق الحكومي، ستؤثر سلبا بصورة غير متزنة على شريحة الفقراء وترفع من كلفة المعيشة.
إن الإدارة الناجحة هي التي تعمل علي تحقيق الاعتماد الذاتي وليس إلي اللجوء إلي بيع ما تملك أو تستدين لسد الفجوات، إن سياسة الاقتراض الخارجي يجب أن تستهدف عبر الزمن ضمن أمور أخري أن تنتج إنتاجا يحل محل الواردات, وضرورة الضغط علي الواردات والكماليات غير الضرورية فالجات المصرية أصبحت سيئة السمعة, انتظر المصريون سنوات ليحصدوا نتائجها إذ بهم يجدون الجات المصرية عكس ما قيل لهم ارتفاع الأسعار في كل شيء لأن هناك فرق بين الجات العالمية والجات المصرية التي يحكمها المافيا والفاسدون.
إن إصرار الحكومة المصرية على المضي في مسلسل الاقتراض وتطبيق سياسات البنك الدولي رغم كل النتائج الكارثية لها يدفعنا للتساؤل: هل البنك الدولي مؤسسة تستحق كل هذه الثقة من مصر؟
وللإجابة عن هذا السؤال نقل الدكتور عاطف عبيد رئيس الوزراء السابق في مقال له نشرته صحيفة أخبار اليوم، يوم 10 مايو 2008 عن الرئيس مبارك قوله إن البنك الدولي مثل حلاق الصحة الذي يدعي المعرفة الطبية الكاملة بكل شيء، لكن الأمر الواقع يشير إلي أن البنك الدولي ـ أو حلاق الصحة بتعبير الرئيس مبارك يكسب مساحات أوسع ويتقدم يوما عن يوم في مصر، إضافة إلى أن الفساد ينتشر بشكل كبير داخل مجوعة البنك الدولي الأمر الذي تشهد به العديد من الوقائع.
حقيقة البنك الدولي
أعلن البنك الدولي في بيان له صدر عام 2008 أنه خلال العامين الماضيين كشفت إدارة النزاهة التابعة للبنك عن 441 حالة احتيال وفساد في مشروعات يمولها البنك لذلك فرض حظرا على التعامل مع 58شركة و 54 فردا حيث تم اعتبارهم غير مؤهلين للمشاركة في أي مشروعات يمولها البنك.
وذكر التقرير حول "أوضاع النزاهة في العام المالي 2005- 2006" أن البنك لايزال يواصل دورا متميزا في محاربة الاحتيال والفساد حيث قام بالتحقيق فيما يزيد على 400حالة تشمل مشروعات يمولها البنك واستكمالها على مدى العامين الماليين الماضيين ، وفرض عقوبات على أكثر من 100جهة لارتكاب أخطاء في المشروعات.
وذكر انه منذ عام 1999 فرض البنك الدولي حظرا على 338 شركة وفردا وأفاد تقريرالبنك بأن إدارة النزاهة حققت على مدى العامين الماليين الماضيين في 227 حالة داخلية شملت سوء السلوك من جانب موظفي البنك.
ومن بين هذه التحقيقات .. أقامت إدارة النزاهة المؤسسية الدليل على إدعاءات في 77 حالة شملت 78 من موظفي البنك وعلى نفس القدر من الأهمية.
إضافة إلى الواقعة الشهيرة لفساد بول وولفويتز الرئيس السابق للبنك والتي اعترف بها حيث كان يدفع راتباً لموظفة سابقة بالبنك، رغم انتقالها للعمل بوزارة الخارجية الأمريكية، قبل ما يقرب من عامين، لأنه "كان يقيم علاقة عاطفية معها."
وتفجرت هذه "الفضيحة" أوائل أبريل2007، عندما شككت رابطة موظفي البنك في الترقية والزيادة في المرتب الممنوحتين للموظفة السابقة، شاها رضا، التي انتقلت للعمل بوزارة الخارجية، في سبتمبر من عام 2005، بعد ما أصبحت علاقتها العاطفية مع وولفويتز علنية.
وعملت رضا في البنك الدولي لمدة ثمان سنوات، قبل تولي وولفويتز رئاسة البنك، وكانت تعد واحدة من كبار مستشاري الاتصالات في إدارة الشرق الأوسط بالبنك.
وكانت صحيفة "واشنطن بوست" قد كشفت أن رضا حصلت على زيادات في الراتب بلغت 61 ألف دولار، مما رفع أجرها السنوي إلى أكثر من 193.5 ألف دولار، أي أكثر مما تحصل عليه وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس نفسها.
هذه شهادات من داخل البنك تدل على فساده فما الذي يربط مصر بالبنك وسياساته؟ وهل يمكن أن ترفض مصر سياسات البنك الدولي؟ للإجابة عن السؤال الأول نقتبس من مقال الكاتب الصحفي "مصطفي بكري" بجريدة الأسبوع التي يرأس تحريرها يوم 27/2/2009 يقول: " لقد فشل صندوق النقد الدولي (المؤسسة الأخت للبنك الدولي) في عهد حكومة الدكتور الجنزوري في أن يفرض أجندته عندما أصدر الجنزوري تعليماته للمجموعة الاقتصادية التي كان يترأسها عاطف عبيد في عام ‮1996‬،‮ ‬برفض الأجندة التي كانت تطالب بخفض قيمة العملة المصرية وزيادة اسعار مواد الطاقة في مقابل شريحة المديونية الثالثة البالغة حوالي ‮٤ ‬مليارات دولار في هذا الوقت‮.‬
لقد جاءت بعثة الصندوق والتقت مع المجموعة المصرية ومارست كل الضغوط،‮ ‬وساعتها التقي الجنزوري بالدكتور يوسف بطرس‮ ‬غالي الذي كان يتولي وزارة التجارة في هذا الوقت وحذره من تقديم أي معلومات أو التعامل مع بعثة الصندوق بعد رفضها للمطالب المصرية‮.‬
وعندما‮ ‬غادرت البعثة أرض مصر‮ ‬غاضبة،‮ ‬اتصل الدكتور بطرس بطرس‮ ‬غالي الذي كان يتولي منصب الأمين العام للأمم المتحدة في هذا الوقت محذرا الدكتور الجنزوري من أن التعامل مع البعثة بهذه الطريقة قد يضر بصورة مصر مع المؤسسات الدولية،‮ ‬إلا أن الدكتور الجنزوري رفض هذا الكلام جملة وتفصيلا‮.‬
وبعد ذلك بأسبوعين،‮ ‬اتصل رئيس بعثة صندوق النقد بالدكتور عاطف عبيد طالبا‮ ‬منه تخفيض العملة المصرية بنسبة ‮٥‬٪‮ ‬وتنتهي الأزمة،‮ ‬إلا أن الجنزوري صمم علي الرفض،‮ ‬فما كان من البعثة إلا أن عاودت الاتصال بعد شهر لتعلن عن موافقتها علي خطاب النوايا وأسقطت الدين المحدد بأربعة مليارات دولار في هذا الوقت،‮ ‬بل واعترفت بخطأ السياسة التي حاولت فرضها علي مصر،‮ ‬حيث كان سعر الدولار في هذا الوقت يوازي حوالي ‮340 ‬قرشا واستمر علي هذاالحال من ‮١٩٩١ ‬حتي أغسطس عام ‮2000‬،‮ ‬إلي أن جري تعويم العملة في يناير ‮2003‬،‮ ‬ليقفز سعر الدولار إلي ما يقارب الستة جنيهات،‮ ‬ولولا السياسة الحكيمة للدكتور فاروق العقدة رئيس البنك المركزي لما أمكن السيطرة علي سعر الدولار‮.‬
إذن نستطيع أن نقول‮ '‬لا‮' ‬إذا أردنا ذلك،‮ ‬لكن المشكلة الكبري أننا تركنا مراكز القوي الجديدة تتمدد ويزداد نفوذها،‮ ‬حتي أصبحت تسيطر علي القرار السياسي والاقتصادي وتقفز علي جميع مؤسسات الدولة التي أصبح كل دورها هو التخديم علي أجندة مراكز القوي والضغط الجديدة‮.‬ وهكذا سقطت الدولة المصرية بكل تاريخها وتراثها ومؤسساتها في قبضة هذه القوي،‮ ‬وأضحينا جميعا ندور في فلكها".(انتهى الاقتباس)
والسطور التالية تحاول تقديم الإجابة عن السؤال الثاني، ما الذي يربط مصر بالبنك وسياساته؟.
ثالثا: القروض المصرية (الضغوط والإغراءات)
قبل فتح ملف قروض مصر من البنك الدولي واستعراض ملامح الفساد في إدارتها وكذلك الإغراءات والضغوط التي يمارسها البنك الدولي لدفع مصر للاستمرار في مسلسل الاقتراض، لابد أن نشير أولا إلى شروط البنك الدولي لإقراض مصر.
1- شروط البنك الدولي لإقراض مصر
وضع البنك الدولي عدة شروط لحصول مصر على القروض والمنح التي يجري التشاور بشأنها، منها:
- تسريع وتنفيذ برامج الإصلاح الاقتصادي والهيكلي.
- دفع معدلات التنمية بالسوق المحلية.
- الإسراع في اتخاذ مجموعة من الإجراءات والتدابير الخاصة بالقطاع المالي.
- تحسين النظام المصرفي.
- رفع كفاءة الإدارة في قطاع الجمارك.
هذا إضافة إلى قيام السلطات المعنية في مصر بالإسراع في تنفيذ برامج الإصلاح الضريبي، والعمل على تخفيضها بالنسبة للمستثمرين والمستهلكين بالسوق المحلية، إلى جانب سرعة مواجهة العقبات التي تحول دون حدوث أي ارتفاعات استثمارية جديدة بالسوق، والواضح أن البنك الدولي يحدد القروض والمنح، ويضع الشروط، ويحدد المشروعات التي تُنفق فيها هذه القروض والمنح؛ وهو ما يعني التدخل المباشر في سياسة مصر الاقتصادية.
هذا، بالإضافة إلى أن الإصلاح الاقتصادي في مصر منذ بداية تنفيذه لم ينتج عنه إلا تدهور في الأوضاع الاقتصادية، وانخفاض في معدلات النمو، وزيادة معدلات البطالة، وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وانخفاض كبير في مستويات المعيشة.
2- الفساد في مصر:
كشف التقرير الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية لعام 2008م ، أن مصر احتلت المركز 115 ضمن 180 دولة على مستوى العالم من حيث الفساد واستغلال السلطة، مؤكدًا أنها حصلت أيضًا على المركز 13 في قائمة الدول العربية الأكثر فسادًا.
وقال: إن الفساد في مصر يشكل عائقًا خطيرًا أمام التنمية، بالرغم من أن الفساد أصبح يتم الكشف عنه، ومناقشته بصورة واضحة، بعد زيادة موجة الاحتجاجات في مصر.
وتراجعت مصر 10 مراكز دفعة واحدة في ترتيب الفساد، حيث احتلت المرتبة 105 في تقرير المنظمة للعام 2007م، والمركز 72 في تقرير 2006م، وقد يكون هذا التدهور هو السبب الحقيقي وراء تراجع بعض الشركات الدولية التي تتطلع للاستثمار في مصر.
تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات:
قدم الجهاز المركزي للمحاسبات شهادة عام 2008 جاءت في تقرير متابعة وتقييم اتفاقيات القروض والمنح علي مدار 32 عاما من خلال 457 اتفاقية من بينها 311 اتفاقية قيمتها 9.7 مليار دولار و132 اتفاقية منها 4 مليارات و640 مليون دولار تحتوي على الكثير من المغالطات والمخالفات وإهدار الأموال متمثلة في قيمة معونات ومنح وقروض بينما توجد 114 اتفاقية لم يبدأ سريانها حتى الآن وقيمتها 584 مليون دولار.
ورغم عدم توضيح جهاز المحاسبات من خلال رصده لمدى شفافية طرق الحصول علي مبلغ 9.7 مليار دولار في الاتفاقيات إلا أنه يؤكد وبالأرقام حدوث تجاوزات بلغت قيمتها 2.119 مليار دولار أهدرت فعلاً من حوالي 4.584 مليار دولار تضمنتها 132 اتفاقية من إجمالي المساعدات بالإضافة إلي 54.4 مليون دولار من خلال 3 اتفاقيات مساهمة في مخاطر رأس المال.
وكشف جهاز المحاسبات أن استفادة مصر من هذه الأموال لم تتجاوز 57.3% من القروض و54.8% من المنح و48.7%من اتفاقيات مساهمة مخاطر رأس المال وهو ما يهدر علي مصر أموالاً أجنبية بعد إبرام اتفاقيات بشأنها تصل إلى 2.119 مليون دولار.
واعترف تقرير المحاسبات أن مصر فشلت في استغلال القروض وتحملت تكاليف قروض عالمية من مجموعة البنك الدولي وتراجعت نسب الاستفادة بالقروض إلي 4% في مشروعات التنمية الريفية والري 18.5% بقروض البنك الإسلامي للتنمية وتغافلت عن قروض لمشاريع الصرف المغطي ومكافحة أمراض الكبد وتحويل قروض الخريجين من الصندوق الاجتماعي.
ورغم كل ذلك إلا أنه مازال حتي الآن لا يوجد في مصر بيان واضح يفصح أين تذهب أموال هذه القروض؟
وكشف التقرير أسباب الفشل فى استخدام القروض والمنح وحددها فى نقاط:
- عدم دقة دراسات الجدوى.
- إهمال المكون المحلى للمشروعات وهو ما يؤكد عدم وجود رؤية لهذه المشروعات.
- التقرير اتهم الحكومة بالعجز عن حل مشاكل تنظيمية وإدارية، وتأخير إصدار الموافقات وإتمام المناقصات، بما أثر على كفاءة التنفيذ وتأخر الاستفادة من اتفاقيات القروض والمنح،
الجهاز المركزى يتهم الجانب الأجنبى بالتسبب فى مشاكل تمويلية وتنظيمية، وتعقيد الإجراءات والبطء فى تحديد أوجه استخدام القروض أو المنح، ويحدد الجهاز خمسة حلول واجبة على الحكومة، أولها: إعداد دراسات الجدوى بشكل أفضل قبل الإقدام على الاقتراض، وأيضاً توفير الاعتمادات للتمويل المحلى للمشروعات الممولة بقروض ومنح، وحث المركزى للمحاسبات الحكومة على حل المشاكل الإدارية، التى تعطل الاستفادة من المنح والقروض.
تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية:
يشير "تقرير الاتجاهات الاقتصادية الإستراتيجية" الصادر عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية عام 2008، أن معدل الاستثمار الحقيقي في مصر واحد من أدنى معدلات الاستثمار في العالم، أما التضخم فإن بياناته تتعرض للتزييف لتحسين صورة الأداء الاقتصادي.
وكمؤشر على مدى جموح الأسعار بصورة مختلفة عما تعلنه الحكومة فإن شعبة البقالة بالغرفة التجارية في القاهرة أشارت إلى وجود ارتفاع جنوني في أسعار أكثر من 144 سلعة غذائية زادت بنسبة 40% خلال ثلاثة أشهر.
أما معدل البطالة فهو في ارتفاع متزايد إذ بلغ 8.1% في نهاية حكومة الجنزوري، وارتفع إلى 10.3% في نهاية حكومة عاطف عبيد، وارتفع في عهد الحكومة الحالية ليصل إلى 11.2% عام 04/2005.
كما أن أجور قطاعات واسعة من العاملين تضعهم في حالة فقر مدقع تدفعهم إلى الفساد من أجل الحصول على ضرورات الحياة، ولذا لا بد من إصلاح شامل لنظام الأجور.
ولا يدخل في توزيع الدخل ما يسمى بالاقتصاد الأسود الذي تقوم به الطبقات العليا من تجارة الآثار والمخدرات والسلاح ونهب الممتلكات العامة والأعمال المنافية للآداب.
أما العجز التجاري المصري فقد توحش ووصل مستويات منذرة بالخطر في ظل الحكومة الحالية، فقد وصل إلى 102% رغم الزيادة الكبيرة في إيرادات السياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين، ولولا ذلك لتعرضت مصر لأزمة حقيقية بسبب العجز التجاري الكبير الذي يهدد استقرار الجنيه ومديونية مصر الخارجية. ويقدر التقرير وفقاً للبنك الدولي ديون مصر الخارجية بـ 34.1 مليار دولار عام 2005، وهي إن كانت في الحدود الآمنة فإن زيادتها تنذر بخطر.
كما أن أجور قطاعات واسعة من العاملين المصريين تضعهم في حالة فقر مدقع يدفعهم إلى الفساد من أجل الحصول على ضرورات الحياة، ولهذا لا بد من إصلاح شامل لنظام الأجور
ويبقى الدين الداخلي (637.2 مليار جنيه مصري) الذي زاد في السنوات الثلاث الأخيرة بشكل غير مسبوق هو الخطر المحدق، وتوحش الفساد أيضاً في ظل سيطرة رجال الأعمال على الحكومة ومن ثم توظيف السلطة للثروة ولتحقيق مصالحهم على حساب المجتمع.
ولا يزال الفساد مستمراً في قروض البنوك وفي عمليات الخصخصة التي تعد النموذج الأشد هولا في تاريخ مصر كله، وتتزايد سيطرة رأس المال الأجنبي على الاقتصاد المصري في ظل بيع الوحدات المصرفية ومنها بنك الإسكندرية للأجانب والإعلان عن بيع بنك القاهرة.
وبالنسبة للقمح فإن مصر تصدرت قائمة الدول العشر الأكثر استيراداً للقمح في العالم بما قيمته سبعة ملايين طن خلال عامي 06/2007، وتصدرت قائمة الدول الأكثر استيراداً للقمح الأميركي بزيادة قدرها 300%..
ولهذا لا بد من التوسع في زراعة القمح المصري والتعاون مع السودان في ذلك والاستيراد من الدول القريبة وذلك حتى لا يبقى رغيف الخبز رهيناً بتقلبات بورصات القمح العالمية والقوى السياسية التي تقف خلفها.
وتتمثل الأساليب التي يستخدمها البنك الدولي لاستدراج الحكومة المصرية للمضي في طريق الاستدانة في أسلوبي الإغراء والضغط ونشير إليهما فيما يلي:
3- الإغراءات:
يرسم البنك الدولي من خلال تقاريره الدورية – وهي كثيرة – وبياناته وتصريحات مسئوليه واقعا ورديا لمصر لخدمة أغراضه لإغرائها بالمضي قدما في طريق الاقتراض ومن ذلك:
- لتقديم الإغراءات للمضي قدما في سياسات تمكين المرأة التي يتبناها البنك وفي إشارات لا تخلو من الطرافة، أكد البنك الدولي في ديسمبر عام 2006 ، أن الشركات المملوكة لنساء أكثر قدرة علي حل مشكلة البطالة في مصر، مقارنة بالشركات المملوكة للرجال، لافتًا إلي أن الشركات النسائية شهدت زيادة القوي العاملة لديها بمعدلات أعلي في المتوسط من غيرها. وأوضح التقرير أن العمالة الماهرة والمهنية تشكل نسبة مئوية أعلي بين القوي العاملة في الشركات المملوكة للنساء، ويشير الخبراء إلى أن ٣٠% من القوي العاملة في مصر من السيدات وأن مصر أصبحت في مرتبة متقدمة من حيث عدد سيدات الأعمال الموجودة بها.
- أكد تقرير أصدره البنك الدولى عام 2007 أن مصر جاءت من بين الدول النامية التى سجلت أفضل انخفاض فى القيود على الاستيراد منذ مطلع العقد الحالى على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث خفضت متوسط الرسوم الجمركية للدول الأولى بالرعاية من 47% إلى 17 % فى عام 2007.
ووصف التقرير أداء مصر فى مجال الصادرات بأنه ممتاز وأكثر بكثير من المتوسط الذى حققته منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا والدول متوسطة الدخل، وأشار إلى أن ذلك قد يكون بسبب الطلب القوى من الأسواق الأوروبية والإصلاحات التى طبقتها مصر مؤخرا لتحسين مناخ الأعمال ومستوى تنافسية قطاع الصادرات.
- أعلن البنك الدولي في 25 سبتمبر عام 2007 أن مصر تصدرت قائمته هذا العام في تقرير "ممارسة أنشطة الأعمال" السنوي، بعد أن حققت أكبر تقدم في تبسيط اللوائح التنظيمية الخاصة بقطاع الأعمال. ويعتمد تقرير "ممارسة أنشطة الأعمال" السنوي للبنك على قياس الوقت والخطوات اللازمة لإتمام إجراءات إدارية معينة في 10 مجالات محددة هي: تأسيس الشركات، استخراج التراخيص، تشغيل العمالة، تسجيل الملكية، الحصول على الائتمان، حماية المستثمر، سداد الضرائب، إجراءات التصدير والاستيراد، إنفاذ العقود، الخروج من السوق.
- في أكتوبر من عام 2007 أكد السيد" مايكل كلاين" نائب رئيس البنك الدولي أن مصر سوف تقضي تماما علي البطالة إذا استمرت معدلات النمو الاقتصادي بمستوياتها الحالية.
- في " تقريره السنوي بالتعاون مع مؤسسة التمويل الدولية، والذي حمل عنوان "دوينج بزنس ريبورت 2008 ، اختار البنك الدولى مصر كأحد أفضل 30 دولة من الدول التي تتميز بآليات متقدمة في تسيير فاعليات التجارة الخارجية بها، حيث ارتفع التصنيف الممنوح لمؤشر التجارة عبر الحدود المصرية من المركز 86 في عام 2006 ليتحسن إلي المركز 26 في عام 2007 من إجمالي 178 دولة علي مستوي العالم، أما علي المستوي الإقليمي فقد جاءت مصر في المركز الثالث تسبقها دولة الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل.
- أظهر تقرير أصدره البنك الدولي نهاية عام 2008 عن الدول الأقل تأثراً بالأزمة الاقتصادية العالمية أن مصر تأتي ضمن 10 دول الأقل تأثراً بالأزمة مشيراً إلي أن نمو الاقتصاد المصري مازال يحقق معدلات في الاتجاه الإيجابي وليس في الاتجاه السلبي.
وأوضح تقرير البنك الدولي أن القطاعات التي ستتأثر في مصر نتيجة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية هي السياحة وقناة السويس والصادرات المصرية والاستثمار الأجنبي المباشر.
وفي تقديرنا أن هذه التقارير وغيرها تأتي في سياق الإغراءات التي يقدمها مسئولوا البنك الدولي للحكومة المصرية لتسويق سياساته ، فالواقع يشير إلى أن هذه الانجازات التي يسوقها البنك عن الاقتصاد المصري ليس لها ما يؤكدها على أرض الواقع، وأعتقد أن الحكومة تستند إليها بشكل كبير في إعداد بيانها السنوي لعرضه على مجلسى الشعب والشورى، وهو الأمر الذي يفسر الانطباع السائد لدى جموع الشعب المصري أن ما يأتي في هذه البيانات ربما يتحدث عن دولة أخرى غير مصر.
ومن جهة أخرى فإن تقييم البنك الدولى للدول فيما يتعلق بممارسة الأعمال مثلا يعتمد على مقارنة إجراءات العام الحالي بالإجراءات المتبعة في العام السابق من قبل الدولة، وهذا يعني أن دولة ما نجحت في إزالة 10 معوقات من بين 20 معوقًا لممارسة الأعمال تحتل مركز متقدمًا عن دول لديها تسهيلات أكبر في ممارسة الأعمال، وكان لديها معوق أو اثنين ولم تتخذ حيالهما أي إجراء، وهو ما يفسر لنا السبب وراء قفز مرتبة مصر من المركز 160 في تقرير البنك عام 2006 إلى المركز الأول عام 2007.
إن عدم وضع قيود فيما يتعلق بعمليات الخصخصة قد يكون ساهم في وضع مصر في هذا المركز المتقدم، حيث لا تضع مصر موانع أمام تملك الأجانب للمؤسسات التي يجري خصخصتها أو قيود على عمليات تحويل الأموال من الشركات التي يجري خصخصتها للخارج.
وتدعي الحكومة أن احتلال مصر للمركز الأول في قائمة البنك الدولي جاء نتيجة جهود المجموعة الاقتصادية الوزارية التي تضم كل من رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة ووزير المالية يوسف بطرس غالي ووزير الاستثمار محمود محيي الدين، وأن تلك المجموعة الوزارية نجحت في القيام بالعديد من الإصلاحات في القطاع المالي بأنشطته المختلفة، بما فيها القطاع المصرفي والتأميني، وهو ما ساعد على جذب مزيد من الاستثمارات.
وربما يأتي في سياق الإغراءات أيضا اعتماد البنك الدولي سياسة تسعير جديدة للقروض المصرية وهي:
- إلغاء عمولة الارتباط، وهي عمولة يتقاضاها البنك مقابل تقديمه للعميل حق استخدام مبلغ معين خلال فتره معينة.
- تخفيض رسم الحصول على القرض ليصبح 0.25 % بدلا من 1% يدفع مرة واحدة بعد إعلان نفاذ القرض.
- كما أصبح صافي الهامش التعاقدي الثابت 0,05 %بدلا من 0,5%.
- زيادة فترة سداد قروض البنك الدولي الجديدة لتصل إلى 30 عاما متضمنة 5 سنوات فترة سماح.
4- الضغوط:
لا يقتصر الأمر على تقديم الإغراءات فقط بل إن هناك وجها آخر للتعامل والضغط يمسك فيها البنك ومؤسساته المالية بعصا غليظة مستندا فيها إلى تقاريره أيضا ومنها:
- أشار تقرير التنمية العالمي الصادر عن البنك الدولي لسنة 2004 أنه من الممكن أن يكون التباطؤ الاقتصادي قد تسبب في ارتفاع نسبة الفقر في مصر منذ عام 2000 بعد انخفاضها من 23% عام 1995 إلى 17% عام 2000 نظرا لنسب النمو المرتفعة التي سجلت في هذه الفترة وخصوصا في قطاع المقاولات، ويبدو الحل الأمثل بطبيعة الحال في تسريع وتيرة الاقتراض واتباع سياسات البنك.
- أكد مسئولو البنك الدولي عام 2005 أن الإصلاحات التي قامت بها مصر ليست كافية، وأن الطريق ما زال طويلا أمام الحكومة المصرية، وأنه لا بد من المزيد من الإصلاحات السياسية والاقتصادية حتى تتم تهيئة المناخ الاقتصادي المناسب لجذب المستثمرين وإقامة مشروعات، تؤدي إلى خلق فرص عمل وتقليل معدلات البطالة.
- أعلن البنك الدولي أن مسحا أجراه عام 2007، بيّن أن الإجراءات والخطوات التي اتخذتها الحكومة المصرية أخيرا لتنشيط الاستثمارات الأجنبية مهمة لكنها لا تزال غير كافية.
وكان المسح الذي أجراه البنك الدولي لتقييم مناخ الاستثمار في مصر شمل حوالي ألف منشأة في المحافظات والأقاليم المصرية وغطى مختلف الأنشطة والمجالات الاقتصادية، وهنا يبرز السؤال الهام: ماذا يمكن أن تفعل أجهزة المخابرات للتجسس أكثر مما يفعله البنك؟.
- كشف تقرير للبنك الدولي عام 2008عن حصول مصر علي صفر من 100 درجة في مؤشر صعوبة تعيين الخريجين والقضاء علي البطالة في حين أن الحد الأدني للمؤشر هو 2.25 درجة، وأوضح التقرير أن مصر من الدول ذات الدخل المنخفض (رغم أن مصر انتقلت إلى خانة الدول ذات الدخل المتوسط منذ عام 2007) وأن نصيب الفرد من الدخل القومي لا يتجاوز 1350 دولارا سنويا، وأشار التقرير إلي احتلال الاقتصاد المصري للمرتبة 126 من بين 178 دولة.
- رغم أن برنامج الخصخصة أتى ضمن حزمة من الإجراءات التزمت بها مصر للوصول إلى اتفاق مع البنك والصندوق الدوليين، للتخلص من نصف ديونها الخارجية مطلع تسعينيات القرن الماضي إلا أن البنك الدولي أصدر خلال عام 2008 توصيات للعديد من الدول النامية، ومن بينها مصر بضرورة التريث في خصخصة الوحدات المملوكة للدولة ، في ضوء ما كشفته نتائج تقييم مراحل الخصخصة منذ البدء في تنفيذها في مطلع تسعينات القرن الماضي من تراجع في معدلات النمو ومشاريع التنمية، وعدم إحداث نقلة نوعية في اقتصاديات هذه الدول.
حيث ألحق تطبيق برنامج الخصخصة في العديد من الدول النامية ضررا بالغا بالعديد من القطاعات التنموية لاسيما التعليم والزراعة، ونجم عنه أزمات غذائية وتنموية في العديد من الدول، بحسب توصيات البنك الدولي الذي انتقد بشدة التخلص من الوحدات المملوكة للدولة بأسعار أقل من قيمتها الحقيقية، وهو ما برز بوضوح في مصر من خلال عمليات تقييم الوحدات المملوكة للدولة من "كوارث" حيث تم تقييم وحداتها بأقل من أسعارها الفعلية، والمثال الأبرز على ذلك هو عملية التخلص من شركتي "عمر أفندي" و"غزل شبين" والذي يعد نموذجا فاضحا على الفساد الشديد الذي شاب برنامج الخصخصة.
البنك طالب الحكومة المصرية بضرورة الحفاظ على دورها في العملية الاقتصادية، وإبقاء العديد من القطاعات خارج نطاق الخصخصة، وإحداث نوع من التوازن بما يتيح لها التدخل لمنع حدوث أية أزمات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.
ووضع ضوابط حول تطبيق برنامج الخصخصة في المستقبل تتضمن حظر تغيير النشاط الإنتاجي في أي من الوحدات التي تم خصخصتها، وعدم بيع الوحدات المباعة كأراضي فضاء.
وقد جاءت توصيات البنك الدولي في ظل حالة من التوافق داخله حول تجاوز سلبيات برنامج الخصخصة لإيجابياته، وتدهور الأوضاع الاقتصادية في دول العالم الثالث بشكل غير متوقع نتيجة هذا البرنامج.
- بعد أن اخترع وزير التخطيط المصري عثمان محمد عثمان عام 2008 مقياسا جديدا للفقر في مصر حين صرح أن 3.75 جنيه في اليوم هو الحد بالنسبة لخط الفقر في مصر, وأنه لكي تعتبر عائلة مكونة من ستة أشخاص فقيرة فيجب أن يكون دخلها الشهري أقل من 315 جنيها, أي حوالي 55 دولارا حسب أسعار الصرف الحالي.
أكد تقرير للبنك الدولي أن معلومات وبيانات الحكومة المصرية عن معدلات الفقر في مصر عام 2008 غير دقيقة، وأضاف التقرير أن نسبة الفقر سجلت عام 2008 ضعف المعدلات المثيلة في دول الشرق الأوسط والتي بلغت أكثر من25 % من مجموع السكان الذين يصل دخلهم إلى أقل من دولارين يومياً، وأشار إلى تأكيد هيئات التمويل الدولية بارتفاع معدلات إنفاق الحكومة المصرية بشكل مبالغ فيه والتي تلتهم النسبة الأكبر من مخصصات التمويل الدولية التي تحصل عليها ولا تسمح للقاعدة العريضة من الشعب المصري بالاستفادة منها.
وفي تقديرنا أن ملامح الفساد في مصر أوضح من أن تحتاج إلى تقارير البنك الدولي لإظهارها وأن الهذف الحقيقي من وراء هذه التقارير هو الضغط على الحكومة المصري للتوجه نحو مزيد من الاقتراض وتبني سياسات البنك الفاشلة.
إن أهم أخطار سياسات البنك على مصر تتمثل في:
- السماح بالبناء علي الأرض الزراعية وشراء القمح من الخارج بدلا من زراعته.
- التوسع في الحصول علي قروض من الخارج حيث تحول نهج الاقتراض من تدعيم المشروعات الإنتاجية إلي تدعيم المشروعات الغير منظورة والتي يستحيل متابعتها.
وليس بعيدا عن هذا السياق أن زعيم الأغلبية بمجلس الشورى (السيد صفوت الشريف) يتهم الحكومة بتوجيه قروض البنك الدولي لصالح المستثمرين الكبار وتجاهل شباب الخريجين متهما الانفلات غير المبرر في الأسعار بالسوق المصرية، مؤكدًا أن الأسواق الخارجية تشهد انخفاضا حادا في الأسعار التي تظل مرتفعة بمصر، وتؤثر على حياة المواطن البسيط ومعيشته.
ومن ناحية أخرى، وجه نواب مجلس الشورى انتقادات شديدة لقروض البنك الدولي الممنوحة لمصر، مؤكدين أن غالبية هذه القروض، يتم توجيهها لصالح رجال الأعمال الكبار، بدلاً من أصحاب المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر.
رابعا: خصخصة السيادة الوطنية
لابد من سبب جوهري - غير مصلحة المصريين بطبيعة الحال – يدفع مسئولوا البنك الدولي لبذل كل هذه الجهود وتقديم كل هذه الإغراءات وممارسة كل هذه الضغوط على مصر لتظل تدور في فلكه ، وأعتقد أن البنك الدولي قد وصل إلى مبتغاه فبفعل سياساته ومؤامراته أصبحت مصر تابعا مطيعا للولايات المتحدة الأمريكية تفعل ما تؤمر به وتنتهي عما تنهي عنه ، ولم تقتصر برامج الخصخصة التي ثبت فشلها بشهادة البنك الدولي نفسه على خصخصة المؤسسات الانتاجية، بل تخطت ذلك إلى ما يمكن أن نسميه خصخصة السيادة الوطنية المصرية والتي أصبحت أشد مما كانت عليه قبل ربع قرن من الآن ويتجلى ذلك فيما يلي:
- في عام ١٩٩٠ كان مبلغ خدمة الديون المستحقة علي مصر قد ارتفع إلي ٦ مليارات دولار أي ما يمثل ٥٤% من قيمة جميع صادرات مصر من السلع والخدمات آنذاك، وضاقت بشدة فرص الاقتراض التجاري أو الرسمي المتاحة لمصر وبدأت الحكومة تواجه صعوبات شديدة في تمويل بعض الواردات الأساسية من المواد الغذائية.
كان هذا هو الوقت الملائم بالضبط لأن يقتطع "الدائن" رطل اللحم من جسم "المدين"، كان رطل اللحم المطلوب في هذه الحالة هو وقوف مصر إلي جانب الولايات المتحدة ضد صدام حسين إلي حد إرسال قوات مصرية للاشتراك في الحرب إلي جانب القوات الأمريكية، وذلك كطريقة للوفاء بديون لم يكن لدي مصر أي موارد لتسديدها، وقد حصلت مصر علي تعهدات بمساندات مالية بلغت ٤٧٢٦ مليون دولار من بعض الدول، أهمها المملكة السعودية والكويت ودولة الإمارات، وهي نفس الدول التي كانت قد خاصمت مصر وأدارت لها ظهرها منذ عشر سنوات بسبب توقيعها اتفاقية السلام مع إسرائيل.
ولكن الأهم من ذلك ما حصلت عليه مصر من إعفاءات كبيرة من ديونها، حيث أعفيت مصر أولا من جانب الولايات المتحدة ودول الخليج من ديون قدرها ١٣.٧ بليون دولار، ثم دعيت مصر إلي عقد اتفاق في مايو ١٩٩١ مع الدول المكونة لنادي باريس، أسفر عن إعفاء مصر من ٥٠% من ديون أخري علي مراحل، مع الاشتراط بأن يكون حصول مصر علي الإعفاء في المرحلتين الأخيرتين "١٩٩٢ و١٩٩٤" متوقفا علي تنفيذ مصر توصيات البنك الدولي فيما سمي "برنامج الإصلاح الاقتصادي".
ترتب علي هذا أن انخفضت ديون مصر الخارجية من ٤٧.٦ مليار دولار في يونيو ١٩٩٠ إلي ٣٤ مليار في فبراير ١٩٩١ ثم إلي ٢٤ مليار دولار في منتصف ١٩٩٤ أي نصف ما كانت عليه في منتصف عام ١٩٩٠.
- بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، مر الاقتصاد المصري بحالة من التباطؤ بدت ملامحه في انخفاض عائدات السياحة المصرية بنسبة 30 في المائة وانخفاض الناتج القومي بنسبة 4 إلى 4.5 في المائة وانخفاض فرص العمل بنحو 370 ألف فرصة عمل، وانخفاض الاحتياطي النقدي بمقدار 2.2 مليار دولار ، وانخفاض الدخل من الاستثمارات الأجنبية إلى مصر، وفي هذا السياق شهدت مدينة شرم الشيخ مؤتمرا اقتصاديا في فبراير عام 2002 مؤتمرا للمانحين قرر تقديم 10.3 مليار دولار كقروض ميسرة ومنح لمصر خلال السنوات الثلاث التالية للمؤتمر، منها 2.1 مليار دولار على وجه السرعة، منها مليار دولار من البنك الدولي.
وكان الثمن المدفوع ما لخصته دراسة أعدت في أميركا ونشرها "تقرير واشنطن" عن الخدمات العسكرية التي قدمتها القاهرة لواشنطن خلال الفترة من عام 2001 إلى 2005 بسماح مصر بعبور مئات الطائرات العسكرية الأميركية لأجواء البلاد، وأن مصر منحت تصريحات سريعة لـ 861 بارجة حربية أميركية عبرت قناة السويس في الفترة المذكورة، كما وفرت حماية أمنية لهذه البوارج.
- كانت مسألة الاعتراف بإسرائيل ةإقامة علاقات طبيعية معها السبب الأكبر في رفض البنك الدولي تمويل مشروع السد العالي عام 1956 ، واليوم قدَّر البنك الدولي في تقرير له صدر عام 2008 عن تحويلات العمالة المغتربة في العالم، أن إسرائيل تقع ضمن أهم عشرة مصادر لتحويلات العمالة المصرية في الخارج التي حوِلت إلى مصر ما يزيد على 5 مليارات دولار أمريكي عام 2007، حيث بلغت تحويلات العاملين المصريين في إسرائيل إلى مصر 48 مليون دولار.
كما أعلنت دائرة الإحصاء المركزية في إسرائيل في تقريرها السنوي عام 2008 بأن عدد العمال المصريين يمثِّل 13% من نسبة العمالة المدنية بالجيش الإسرائيلي، كما أشار التقرير إلى أن هناك أكثر من عشرة آلاف مصري يعيشون داخل "إسرائيل" تزوَّجوا من "إسرائيليات" وأنجبوا أطفالاً، ويتوزَّعون في مدينتَي بئر سبع وحيفا، ونسبة قليلة تقيم في تل أبيب، فإن كانت الحكومة المصرية على دراية بهذه الحقائق فتلك مصيبة وإن كانت لاتعلم فالمصيبة أكبر ، وتقديري أنها تعلم وهو أحد ملامح خصخصة السيادة الوطنية.
- تمثل قضية توصيل – وليس بيع – الغاز المصري لإسرائيل أهم القضايا التي تشغل الرأي العام المصري حاليا ورغم الحكم القضائي بوقف توصيل الغاز لإسرائيل ثم الطعن الحكومي عليه ونهاية بحكم المحكمة الإدارية العليا باستمرار توصيل الغاز المصري لإسرائيل، إلا أن هناك بعض الأمور الخفية التي أدت إلى تمسك الحكومة بهذا الاتفاق، وأعتقد أنها ترتبط بشكل وثيق بمبادرة مصرية جاءت فى سياق الجهود المبذولة لمواجهة تحديات أزمة الغذاء العالمى من خلال توقيع اتفاقيات تعاون دولية وإبرام شراكات مع بعض الدول التى لها مصالح مشتركة مع مصر، فقد أطلقت وزارة التعاون الدولى في مصر مبادرة "القمح مقابل الغاز الطبيعى" مع أوكرانيا.
وبالنظر إلى أن مصر تستورد أكثر من 50 % من احتياجاتها من القمح، ويأتي الجزء الأكبر من الولايات المتحدة الأمريكية يمكن فهم إصرار الحكومة المصرية على استمرار توصيل الغاز إلى إسرائيل رغم كل المعوقات والأخطار وهو وجه آخر من وجوه خصخصة السيادة الوطنية لمصر كان السبب الرئيسي فيه سياسات البنك الدولي التي أدت إلى انهيار الزراعة المصرية كما سيوضح التقرير في محوره الثالث.
الخلاصة:
هذه بعض الشواهد على ما آلت إليه الأمور في مصر جراء التعامل مع البنك الدولي وفيها كل النوايا الخفية للبنك والمؤسسات المالية الدولية الأخرى للنيل من سيادة مصر وتطويعها لخدمة المخططات الغربية في المنطقة، وهنا تثور العديد من التساؤلات حول هل يمكن إيقاف هذه الكوارث التي تسبب فيها البنك وسياساته في مصر على كافة المستويات؟ وهل هناك تجارب ناجحة لسياسات البنك في دول أخرى متقدمة أو نامية تدفع باتجاه استمرار تبني هذه السياسات في مصر؟ وللإجابة على السؤال الأخير نستعرض بعضا مما جاء في كتاب الباحث الانجليزي "جون جرايي" والذي حمل عنوان "الفجر الكاذب" حول تأثير تحرير الأسواق - والذي يمثل عصب سياسات البنك الدولي - على كل من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا.
خامسا: تحرير الأسواق (نتائج كارثية)
1- الولايات المتحدة الأمريكية:
يرصد جون جرايي معاناة الطبقة الوسطي الأمريكية من انعدام الأمان الاقتصادي واعتمادها علي وظائف يقل أمانها بدرجة مطردة فيقول: كم عدد الأسر الأمريكية التي يتناول أفرادها طعامهم معاً كما تفعل الأسر المألوفة؟ وكم عدد الأبناء الذين يعيشون فى نفس المجاورة السكنية أو المدن التي يعيش فيها أباؤهم؟ وإذا تعرض أحد الأمريكيين للتعطل عن العمل ، فهل يستطيع أن يجد مساندة من أسرة على نحو ما يجده الأسباني والإيطالي فى الدول الأوروبية؟ ويرجع جرايي ذلك إلى أسواق العمل المتحررة من الضوابط التي تفرض حتمية التنقل وربما انفصال الزوجين وذهاب كل منهم فى اتجاه بحثاً عن العمل، كما تشهد الصناعة حالات من التوسع والتقلص والاندماج وتعيد هيكلة أوضاعها بحيث أن الموظف لا يضمن إذا كان سيعود إلى عمله فى اليوم التالي أم لا ؟
كما أدي اقتصاد السوق فى الولايات المتحدة إلى زيادة الفوارق الطبقية وارتفاع معدلات الجريمة بمعدلات غير مسبوقة ووجود أحياء للفقراء يسكنها الزنوج وبعض الجنسيات الآسيوية والفقراء بينما يسكن 28 مليون أمريكي فى فيلات وقصور عليها حراسة خاصة وتحيطها الأسوار والبوابات وأنظمة الأمن (نفس الحال في مصر اليوم).
وفى نهاية عام 1994 كان هناك أكثر من خمسة ملايين أمريكي تحت قيود قانونية منهم 1.5 مليون فى السجون المحلية والفدرالية ، وكان واحد من كل 193 أمريكي بالغ مودع فى السجن وفى أواخر عام 1994 كان معدل إيداع الأمريكيين فى السجون أربعة أمثاله فى كندا ، وخمسة أمثاله فى بريطانيا ، وأربعة عشر مثله فى اليابان ، وبحلول عام 1997 كان هناك واحد من بين كل خمسين من الأمريكيين البالغين محتجز وراء القضبان ، وحوالي واحد من كل عشرين أخلي سبيله تحت شرط أو رهن الاختبار وهو عشرة أمثال نظيره فى البلدان الأوروبية.
كما جاء ضمن مقدمة جيمس ولفنسون لتقرير البنك الدولي السنوى عام 1997 المعنون "تقرير عن التنمية فى العالم ، 1997 ، التنمية فى عالم متغير " إن معجزات النمو في شرق آسيا فى فترة ما بعد الحرب لم تأخذ بنهج الدولة التي تقوم بأقل دور ممكن ، بل أثبتت أن التنمية تحتاج إلى دولة فعالة ، تقوم بدور الحافز والميسر للتطور ، وتشجع أنشطة الأفراد ودوائر الأعمال وتكملها.
ويقول الأستاذ أحمد فؤاد بلبع مترجم كتاب الفجر الكاذب: إن التنمية التي تسيطر عليها الدولة قد فشلت ، ولكن فشلت أيضاً التنمية التي تتم بغير تدخل الدولة – وهي رسالة تصل إلينا بوضوح تام من خلال معاناة سكان الدول التي انهارت مثل ليبيريا والصومال ، وقد أثبت التاريخ أن الحكومة الجيدة ليست من قبيل الترف ، فهي ضرورة حيوية فمن غير دولة فعالة يتعذر تحقيق التنمية المستدامة ، سواء فى جانبها الاقتصادي أو الاجتماعي.
2- بريطانيا:
يقول جون جرايي " لقد استعمر ـ محاسيب ـ حزب المحافظين من الرجال والنساء مؤسسات الدولة " وأصبحت الهيئات الوسيطة التي كانت ذات يوم مؤسسات مستقلة ذاتياً، ملكية طائفة منغلقة من بطانة حزب المحافظين، وانتهت علاقة الثقة بين الحكام والمحكومين (نفس الحال في مصر اليوم).
وعن النتائج التي تحققت من هذه التنمية والتحديث من خلال تحرير السوق فى بريطانيا التي كانت عظمي يقول جرايي: لقد زاد حجم العمل الجزئى ، وأخذ عمال كثيرون من ذوى المهارة المحدودة يتكسبون أقل من الحد الأدنى الضرورى لإعالة أسرة ، وعادت أمراض الفقر مثل الدرن الرئوي وشلل الأطفال وغيرها، وتحول العديد من أفراد الطبقة الوسطي إلى متعاملين فى الأوراق المالية، وتقلصت مزايا الرعاية الاجتماعية وأصبح الغرض من إعانة الباحثين عن عمل التي أقرت عام 1996 هو إجبار المستفيدين منها على قبول العمل طبقاً للأجر الذي يحدده السوق، وازدادت هشاشة الأسرة التقليدية وتدني شأنها.
كما هبطت نسبة المتزوجات اللاتي تتراوح أعمارهن بين الثامنة عشر والخامسة والأربعين من 74% إلى 61% ، على حين ارتفعت نسبة المعايشة علي طريقة الأزواج من 11% إلى 22% خلال نفس الفترة، وزادت حالات الولادة خارج الزواج إلى أكثر من الضعف خلال الثمانينات من القرن العشرين، وزادت نسبة الأسرة وحيدة الولد من 12% عام 1979 إلي 21% عام 1992، وازدادت نسبة العنوسة، وبحلول عام 1991 كان هناك حالة طلاق لكل زيجتين فى بريطانيا.
كما شهدت الطبقة الدنيا نموا كبيرا ، فقد زاد عدد الأسر البريطانية التي لاتتقاضى معاشاً تقاعدياً وكل أفرادها بلا عمل من 6.5% عام 1975 إلى 16.4% عام 1985 والي 19.1% عام 1994، وبين عامي 1992 و1997 حدث ارتفاع يقدر بحوالي 15% في عدد الوالدين الوحيدين العاطلين عن العمل، ويوجد أسرة من بين كل خمس أسر لا يعمل أى فرد من أفرادها ( 20% من الأسر ) ، كذلك ارتفع عدد نزلاء السجون بين عامي 1992 و 1995 بما يقرب من الثلث ليصل إلى أكثر من 50 ألف نزيل.
وارتفعت معدلات الجريمة التي يوجد لدى الشرطة فى إنجلترا وويلز علم بها من 1.6 مليون جريمة عام 1970 إلى 2.8 مليون جريمة عام 1980 ثم بلغ 4.3 مليون جريمة عام 1990 ووصلت إلى 5.6 مليون نسمة بحلول عام 1992، كما ازدادت حدة التفاوت الطبقى فمنذ عام 1977 زادت نسبة السكان الذين يقل دخلهم عن نصف متوسط الدخل إلي أكثر من ثلاثة أمثال ما كانت عليه، وخلال الفترة من عام 1984 ـ 1985 كانت حصة 20% الأكثر ثراء من السكان أكبر مما كانت عليه فى أي وقت بعد الحرب.
الخلاصة
إن البنك وصندوق النقد الدوليين هما سبب ما يعانيه المواطن المصري الآن من أزمات، ويرجع ذلك لما رسماه من خطوط عريضة للتنمية الاقتصادية بمصر، والتي تتبع المنهج الرأسمالي الذي يتبنَّاه البنك، وعلى الرغم من أن الهدف الأساسي للبنك الدولي هو محاربة الفقر، إلا أن الواضح أنه يؤدي إلى زيادة الفقر، حيث لا توجد دولة واحدة نستطيع أن نعتبرها نموذجًا لنجاح سياسات البنك الدولي في تخفيض نسبة الفقر بين مواطنيها منذ نشأة هذا البنك عام 1944م.
وقد نالت مصر رضا البنك الدولي وخصَّص لها مبلغ 700 مليون دولار قروضًا سنويًّا، لأنها نفَّذت الشرط المطلوب وأحدثت إصلاحًا في القطاع المالي كما يريد البنك.
إن إصلاح البنك الدولي يعتمد في الأساس على تنمية القطاع الخاص وفقًا للنظرية الرأسمالية التي لا تعرف القطاع العام ويقتصر دور الدولة فيها على الإشراف والتنسيق بين الهيئات والقطاعات ووضع القوانين لها، وهي سياسات أنتجت أوضاعا كارثية في مصر وعاد البنك نفسه وتبرأ منها وطالب بوقفها.
إن البنك الدولي كيان مريض بالشيزوفرينيا؛ حيث تمثلت قوانينه وأهدافه منذ إنشائه، في محاربة الفقر، وفي ذات الوقت نجده محاصرًا بالقروض التي يقرضها المستثمرون.
|
 |
خدمات المحتوى
|
سامي محمود - أسامة بدير
تقييم
|