جديد المقالات
جديد الأخبار

استمع إلى القرآن الكريم حفظ القرآن الكريم


تابعنا على تويتر تابعنا على فيس بوك

تغذيات RSS

المقالات
وحدة الدراسات
المحور الأول : البنك الدولي ومؤسساته المالية
المحور الأول : البنك الدولي ومؤسساته المالية
06-14-2009 04:13 PM


المحور الأول


البنك الدولي ومؤسساته المالية


أهداف معلنة ونوايا خفية


تمهيد
يطلق الخبراء على صندوق النقد والبنك الدوليين اسم (المؤسستين الأختين)، وذلك لكونهما يمثلان معا الذراع الطولي للرأسمالية العالمية للسيطرة وفرض الهيمنة على دول العالم الثالث، ففي الكثير من الحالات تعمل المؤسستان معاً بهدف التأثير على سياسات الحكومات المقترضة علاوة على أن القدرة على الحصول على القروض من إحدى المؤسستين يعتمد إلى حدٍ كبير على الالتزام بإجراء إصلاحات محددة أو اتخاذ إجراءات معينة تتطلبها المؤسسة الأخرى، وتستخدم المؤسستان في حالات كثيرة اشتراطات متبادلة، أى أن الحكومة تصبح مطالبة بالالتزام بشروط إحدى المؤسستين حتى تتمكن من الحصول على التمويل من المؤسسة الأخرى، مع مراعاة أن البنك الدولي - مثله في ذلك مثل الكثير من الجهات المانحة- يحرص على أن توفير القروض فقط للحكومات التي ليس عليها متأخرات قائمة لصندوق النقد الدولي وفى نفس الوقت تلتزم بتوصيات الصندوق من حيث السياسات، وهذا الأسلوب من شأنه منح الصندوق سلطات هائلة يتحكم بها فى إمكانية حصول الدول على التمويل الخارجي.

ونظرا لما سبق فإن سياسات البنك الدولي ومخططاته لا تتم بمعزل عن صندوق النقد الدولي أو بعيدا عنه، فكما انتهت الحرب العالمية الأولى بتقسيم تركة الدولة العثمانية بين الإمبراطوريتين - الانجليزية والفرنسية – وفقا لاتفاقية سايكس بيكو ، فقد شهدت نهاية الحرب الثانية تقسيم العالم اقتصاديا بين أوروبا والولايات المتحدة عن طريق البنك الدولي الذي اقتصرت رئاسته على الولايات المتحدة وصندوق النقد برئاسته الأوروبية وفق اتفاق غير مكتوب ولذلك سنحاول من خلال هذا المحور أن نلقي الضوء على مجموعة البنك الدولي بوجه خاص من حيث النشأة والتكوين وطريقة العمل والمؤسسات التي تتكون منها وشروط قروضها، كما سنتطرق إلى الحديث عن صندوق النقد الدولي ونادي باريس ونادي لندن وذلك كما يلي:

أولا: صندوق النقد والبنك الدوليين (النشأة والتكوين).
ثانيا: شروط الإقراض في المؤسسات المالية الدولية.
ثالثا: آليات تنفيذ شروط الصندوق والبنك الدوليين.
رابعا: آثار الأخذ بشروط الصندوق والبنك الدوليين.
خامسا: البنك الدولي والعولمة المالية.

أولا: صندوق النقد والبنك الدوليين (النشأة والتكوين)

1- البنك الدولي:

أ- النشأة: بدأ البنك أعماله في يونيوعام 1946، وقد أنشئ البنك الدولى فى الأصل بهدف دعم عملية إعادة البناء فى أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية وبعد مخطط مارشال لعام 1948 الذي حل محل البنك الدولي من أجل إعادة بناء أوروبا وترك للبنك دول العالم الثالث كمجال لتدخله، وتمت إعادة صياغة المهمة الخاصة به والتوسع فى عملياته على المستوى الجغرافى والجوهرى، وتتمثل مهمة البنك الدولى فى وقتنا الحاضر فى خفض معدلات الفقر.
هذا ويضم البنك الدولى فى عضويته 185 دولة ولكي تصبح أي دولة عضوا في البنك الدولي للإنشاء والتعمير يجب أن تنضم أولا إلى صندوق النقد الدولي ومؤسسة التنمية الدولية ومؤسسة التمويل الدولي وهيئة ضمان الاستثمار المتعدد الأطراف، وتقدم كل دولة عضو في البنك من اشتراكها المحدد في رأس مال البنك ذهبا أو دولارات أمريكية ما يعادل 18% من حصتها بالبنك، والباقي يظل في الدولة نفسها، ولكن البنك يستطيع الحصول عليه في أي وقت لمواجهة التزاماته.
ويقوم بتوفير أكثر من 20 مليار دولار سنوياً للدول النامية والدول التى تمر بمراحل انتقالية، تستخدم فى مجالات كثيرة من الأنشطة التى تشمل الزراعة وسياسات التجارة، والصحة والتعليم والطاقة والتعدين علاوة على صياغة السياسات التى يرى البنك أنها مشجعة على النمو الاقتصادى، إلا أن ما يشير إلى وجود نوايا خفية للبنك الدولي التأثير الواضح للمشروعات التى يقوم بها البنك الدولى وسياساته على حياة ومستوى معيشة مليارات البشر فى كافة أنحاء العالم، مع العلم بأن هذا التأثير يؤدى فى بعض الأحيان إلى تحسين الأوضاع، ومع ذلك ترتبط العملية بسبل ووسائل مثيرة للجدل والمشاكل، ومساعدة البنك تكون إما بإقراضه الدول من أمواله الخاصة، أو بإصدار سندات قروض للاكتتاب الدولي.

وبشكل عام يقوم البنك بإقراض الحكومات مباشرة أو بتقديم الضمانات التي تحتاجها للاقتراض من دولة أخرى أو من السوق الدولية، لكن ممارسة البنك لأعماله أظهرت أنه كان متحيزا في إقراضه بعض الدول وعدم إقراضه دولا أخرى (مشروع السد العالي في مصر).
ولا يعتبر البنك الدولى بنكاً بالمعنى الشائع لهذه الكلمة بل لا يحق لشخص ما بمفرده أن يفتح حسابا لدى البنك أو أن يتقدم بطلب قرض، ولكن يقوم البنك بتوفير القروض والمنح والمعونات الفنية للدول والقطاع الخاص بهدف خفض معدلات الفقر فى الدول النامية والتى تمر بمراحل انتقالية.

ب- مؤسسات البنك: تتكون مجموعة البنك الدولى من خمسة أذرع تعمل بشكل منفصل عن بعضها البعض، فى حين يطلق على اثنين مجتمعين من الخمسة أذرع مصطلح البنك الدولى وهما: البنك الدولى لإعادة الإعمار والتنمية (IBRD) المؤسسة الدولية للتنمية(IDA) فى حين نجد فرعين آخرين وهما مؤسسة التمويل الدولية (IFC) ووكالة ضمان الاستثمارات متعددة الأطراف (MIGA) وتختص المؤسستان بتوفير الدعم المباشر لمشروعات القطاع الخاص التى تقوم بالاستثمار فى الدول النامية، ويبقى الذراع الخامس وهو المركز الدولى لتسوية النزاعات فى مجال الاستثمار (ICSID) وهو مسئول عن التحكيم فى الخلافات التى تنشأ بين المستثمرين الأجانب والحكومات، ويعمل في مقر البنك الدولي بواشنطن ما يناهز 10 آلاف شخص يأتي ما يزيد على نصفهم من الأمريكيتين والبقية من جميع أنحاء العالم، وحوالي 3 آلاف عامل بمائة مكتب له عبر أرجاء العالم.

ويمكن إلقاء الضوء على مؤسسات البنك الدولي كما يلي:
- البنك الدولي للإنشاء والتعمير: تأسس البنك الدولي للإنشاء والتعمير ليكون المؤسسة الأصلية لمجموعة البنك الدولي، لمساعدة أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية، غير أن دوره تطور تدريجيا مع مرور الوقت بحيث أصبح يمول التنمية بدول العالم الثالث، ويشبه بنيانه الهيكلي مؤسسة تعاونية مملوكة للبلدان الأعضاء البالغ عددهم 185 بلدا يتم تشغيلها لصالحهم ويستهدف تخفيض أعداد الفقراء في البلدان المتوسطة الدخل والبلدان الأفقر المتمتعة بالأهلية الائتمانية عن طريق تشجيع التنمية المستدامة، من خلال تقديم القروض والضمانات وأدوات إدارة المخاطر، والخدمات التحليلية والاستشارية، ويحصل البنك الدولي للإنشاء والتعمير على معظم موارده المالية عن طريق الأسواق المالية العالمية.

- مؤسسة التنمية الدولية: أنشئت في عام 1960 وتمثل ذراع البنك الدولي الذي يقوم بمساعدة أشد البلدان فقرا في العالم، بهدف تخفيض أعداد الفقراء من خلال تقديم قروض بدون فائدة ومنح لبرامج تستهدف تعزيز النمو الاقتصادي, وتخفيف حده التفاوت وعدم المساواة, وتحسين الأحوال المعيشية للشعوب, وتمتد فترة السداد إلى ما بين 35 إلى 40 سنة تشمل فترة سماح مدتها 10 سنوات، وتكمل المؤسسة الدولية للتنمية عمل البنك الدولي للإنشاء والتعميرـ فرع الإقراض الآخر التابع للبنك الدولي ـ الذي يقدم للبلدان المتوسطة الدخل خدماته الاستشارية وتلك المتعلقة بالاستثمار الرأسمالي؛ والجدير بالذكر أنه يمكن ملاحظة أن موظفي البنك الدولي للإنشاء والتعمير هم أنفسهم موظفو المؤسسة الدولية للتنمية حيث إن هاتين المؤسستين لهما نفس المقر ويقومان بتقييم مشروعات بنفس الدرجة من المعايير المتشددة، وتعتبر مؤسسة التمويل الدولية ذراع مجموعة البنك الدولي المعنية بالقطاع الخاص حيث تقوم بتقديم الخدمات المالية للمؤسسات والشركات التجارية التي تقوم بالاستثمار في دول العالم النامية. ونظرا لتفضيل القطاع الخاص "سرية الأعمال التجارية" على حق الجمهور للمعرفة، فإنه غالبا ما يصعب على الجمهور قياس مستوى الأثر التنموي للأنشطة التي تنفذها مؤسسة التمويل الدولية أو التأثير عليها.

- مؤسسة التمويل الدولي: وتعتبر مؤسسة قطاع عام، بالرغم من أن عملاءها يتألفون من شركات محلية، ووطنية ودولية، أنشئت المؤسسة في عام 1956م بهدف دعم نمو القطاع الخاص في الدول النامية في العالم، وتتمثل رسالة المؤسسة المعلن عنها في "تشجيع استثمارات القطاع الخاص المستدامة في البلدان النامية، وتعد مؤسسة عالمية للاستثمار وتقديم المشورة، وتشجيع المشاريع المستدامة في البلدان النامية الأعضاء بها، والتي تتميز بفائدتها الاقتصادية، وسلامتها المالية والتجارية، واستدامتها بيئياً واجتماعياً.

- هيئة ضمان الاستثمار المتعدد الأطراف: تأسست عام 1988 لتأهيل وتشجيع الاستثمار بالدول النامية، وتقدم تأمينات (ضمانات) ضد المخاطر السياسية للمستثمرين في البلدان النامية والمقرضين لها.

- المركز الدولي لتسوية نزاعات الاستثمار: تأسس عام 1966م ويسعى إلى تسوية الخلافات المتعلقة بالاستثمار بين المستثمرين الأجانب والبلدان المستضيفة.
وتعتبر مؤسسة التمويل الدولية أسرع المؤسسات نموا في مجموعة البنك الدولي ككل، وقد تجاوزت حقيبة المؤسسة الاستثمارية 24 مليار دولا أمريكي في العام المالي 2007م، وبالرغم من أن المؤسسة قد حققت نجاحات هامة في معدلات الشفافية لديها في السنوات الأخيرة، إلا أن برامجها الخاصة بالإفصاح عن المعلومات والتشاور مع المجتمع لا يزال أمامها فراغا كبيرا من التطوير والتحسين.

‌ج- أجهزة البنك الدولي: يضم البنك الدولي جهازين اثنين هما:

- مجلس المحافظين: يمثل مجلس المحافظين البلدان الأعضاء في البنك الدولي، ويعين كل بلد عضو محافظا ومحافظا مناوبا طبقا لاتفاقية تأسيس البنك، يعين كل من المحافظ والمحافظ المناوب لمدة خمس سنوات ويجوز إعادة تعيينه، وإذا كان البلد العضو في البنك عضواً أيضاً في مؤسسة التمويل الدولية أو المؤسسة الدولية للتنمية فإن المحافظ والمحافظ المناوب المعينين يشغلان أيضا بحكم المنصب مركز المحافظ والمحافظ المناوب في مجلس محافظي كل من مؤسسة التمويل الدولية أو المؤسسة الدولية للتنمية، ويعين محافظو الوكالة الدولية لضمان الاستثمار والمحافظون المناوبون بصورة منفصلة، وبصفة عامة يكون هؤلاء المحافظون من مسئولي الحكومات مثل وزراء المالية أو التنمية.

وطبقا لاتفاقية تأسيس البنك، تخول كل سلطات البنك لمجلس المحافظين، وعملاً بلوائح البنك الداخلية التي أقرها مجلس المحافظين، يفوض المحافظون المديرين التنفيذيين جميع الصلاحيات التي لا تنص اتفاقية تأسيس البنك صراحة على أن يقوم بها المحافظون.
وتشمل صلاحيات مجلس المحافظين قبول الأعضاء وتعليق عضويتهم وزيادة أو تخفيض أسهم رأس المال المصرح به وتقرير توزيع صافي الدخل واستعراض البيانات المالية والميزانيات وممارسة أية سلطات أخرى لم يفوضوا بها المديرين التنفيذيين، ويجتمع مجلس المحافظين مرة في السنة أثناء اجتماعات البنك السنوية، تعقد هذه الاحتماعات تقليديا في واشنطن في سنتين متتاليتين من كل ثلاثة سنوات وتعقد في السنة الثالثة في بلد عضو مختلف لتعكس الصفة الدولية للمؤسسات .

- المجلس الإداري: يتكون من 24 عضوا، وهو مكلف بالتسيير اليومي للبنك الدولي، وينتخب مديرا عاما للبنك لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد، وبموجب اتفاق غير مكتوب بين الدول الأعضاء المؤسسة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تتولى رئاسة صندوق النقد شخصية أوروبية، أما رئاسة البنك الدولي فيتولاها مرشح من الولايات المتحدة، ولم تنتهك هذه القاعدة منذ إنشاء المؤسستين فور انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتعتبر رئاسة وولفويتز للبنك الدولي الذي عين في يناير 2005، واحدة من أقصر الرئاسات مع رئاسة أوجين ماير، أول رئيس للبنك الدولي، الذي لم يبق في منصبه سوى بضعة أشهر في عام 1946.

وشغل منصب رئيس البنك الدولي كل من:

- يوجين ماير 1946- 1946
- جون جاي ماكلوي 1947-1949
- يوجين آر بلاك 1949-1963
- جورج ديفيد وودز 1963-1968
- روبرت أس مكنامارا 1968-1981
- ألدين وينشيب كلاوسن 1981-1986
- باربر بي كونابل 1986-1991
- لويس تي بريستون 1991-1995
- جيمس دي وولفينسون 1995-2005
- بول وولفويتز 2005- 2007
- روبرت زوليك 2007-

هذا ويرتكز الحق في التصويت ما بين الدول الأعضاء على مبدأ "دولار واحد = صوت واحد" وقاعدة أغلبية 85 % سارية المفعول أيضا، فالولايات المتحدة الأمريكية تتمتع بسلطة الحسم في أي تغيير محتمل، بحيث تملك نسبة الحق في التصويت تصل إلى أكثر من 16 % ، ثم اليابان (حوالي 8%)، ثم مجموعة بلجيكا (10 دول) بحوالي 5 % ، فألمانيا (4.5 %) وفرنسا (4.3 %)، في حين تضم مجموعة الجزائر (7) دول على نسبة 3.35 % من حق التصويت. وأخيرا مجموعة الدول الإفريقية (24 دولة (بنسبة 2 % فقط من حق التصويت.

وإذا كان صندوق النقد الدولي يعتمد في تقديم القروض على موارده التي يعود مصدرها لمساهمات الدول الأعضاء في رأسماله، فإن البنك يحصل على الإمدادات المالية الضرورية لتقديم القروض من الأسواق المالية، فهو يحصل على الأموال من الدول الغنية بنسب فائدة مشجعة، ويمنح قروضا للدول المحتاجة بنسب مرتفعة نسبيا لمدة تتراوح ما بين 15 و 20 سنة.
د- كيف يتم تمويل البنك الدولي للإنشاء والتعمير

على الرغم من أن الدول الأعضاء تسدد رسوما إلى مجموعة البنك الدولي إلا أن معظم رأس المال الذي يستخدمه البنك الدولي للإنشاء والتعمير في تمويل المشروعات يأتي من خلال بيع السندات في الأسواق المالية الدولية والحصول على الفائدة من الدول المقترضة ومنذ عام 1947 تمكن البنك الدولي للإنشاء والتعمير من تحقيق الأرباح في كل عام.

كما تحقق مؤسسة التمويل الدولية أرباحا من خلال الاستثمارات الخاصة التي تمتلكها وحسب التقرير الصادر عن المؤسسة عام 2006 وصلت قيمة الأرباح إلى أكثر من 2.4 مليار دولار خلال السنوات 2003 ، 2004 ، 2005.

ويتم تخصيص جزء من الأرباح التي يحققها البنك الدولي للإنشاء والتعمير ومؤسسة التمويل الدولية لتمويل الميزانية الإدارية لمجموعة البنك الدولي، وكذلك توفير التمويل اللازم لمؤسسة التنمية الدولية وقد وصلت تحويلات كل من مؤسسة التمويل الدولية والبنك الدولي للإنشاء والتعمير إلى حوالي 40 % فقط من تمويل مؤسسة التنمية الدولية والتي يعتمد الجزء الأكبر من دخلها على مساهمات الحكومات المانحة، وجدير بالذكر أن أكبر الدول المانحة لمؤسسة التنمية الدولية (مجموعة الدول الصناعية الكبرى) والتي يطلق عليها نواب مؤسسة التنمية الدولية تجتمع مرة كل ثلاثة أعوام لمناقشة الأولويات الجديدة بالنسبة للمؤسسة ولتحديد قيمة مساهمات كل منهم، ويطلق على هذه العملية عملية تعبئة مؤسسة التنمية الدولية وتستخدم الدول المانحة في العادة هذه العملية للتأثير على سير العمل في البنك الدولي بأذرعه المختلفة حيث تقوم بربط المنح الصادرة عنها بسياسات واستراتيجيات وأولويات الإقراض المستقبلية المحددة.

و- إجراءات إعداد القروض في البنك الدولي:
تمر هذه الإجراءات بعدة مراحل كما يلي:
- تعريف أولي للمشروع.
- تحضير المشروع.
- تقييم المشروع.
- المفاوضات لاتفاقية القرض.
- الموافقة والتوقيع ودخول القرض حيز التنفيذ.
- الإشراف على المشروع.
- مذكرة انتهاء المشروع.

هـ - فئات التصنيف البيئي للمشروعات
يُخضع البنك الدولى كل مشروع من المشروعات المقترحة للفحص البيئي لتحديد مدى ونوع التقييم البيئي المطلوب، ويصنف البنك المشروع المقترح ضمن واحدة من أربع فئات استناداً إلى نوع المشروع وموقعه وحساسيته ونطاقه، وطبيعة وحجم الآثار البيئية التي يمكن أن تترتب عليه كما يلي:

الفئة A: يصنف المشروع المقترح ضمن الفئة أ إذا كان من المرجح أن تترتب عليه آثار بيئية سلبية هامة تكون حساسة، أو متنوعة، أو غير مسبوقة، وربما تؤثر هذه المشروعات على منطقة أوسع من المواقع أو المرافق الخاضعة للأعمال المادية الخاصة بالمشروع.
ويبحث التقييم البيئي بالنسبة للمشروع المصنف في الفئة أ آثاره الايجابية والسلبية المحتملة، ويقارنها مع آثار البدائل الممكنة (شاملة أوضاع "بدون تنفيذ المشروع)، ويوصي بأية إجراءات مطلوبة لمنع الآثار السلبية أو تقليلها أو تخفيفها أو التعويض عنها، فضلا عن تحسين الأداء البيئي؛ وبالنسبة للمشروع المصنف في الفئة أ، يكون المقترض مسؤولاً عن إعداد تقرير يكون في العادة تقرير بشأن تقييم الأثر البيئي، (أو تقييم بيئي قطاعي أو إقليمي شامل على نحو مناسب).

الفئة B: يصنف المشروع المقترح ضمن الفئة ب إذا كانت آثاره البيئية السلبية المحتملة على التجمعات السكانية أو المناطق البيئية الهامة - شاملة الأراضي الرطبة والغابات ، ومراعي الأعشاب، وغيرها - أقل شدة من تلك الآثار التي تسفر عنها المشروعات من الفئة أ.

وتكون هذه الآثار محصورة في موقع محدد؛ ويكون القليل منها، إن وجد، غير قابل للإزالة؛ وفي معظم الحالات بالإمكان تصميم إجراءات تخفيفية بسهولة أكثر لهذه المشروعات من مشروعات الفئة أ. ومن المحتمل أن يتفاوت نطاق التقييم البيئي للمشروع من الفئة ب من مشروع إلى آخر، لكنه يكون أضيق من نطاق التقييم الخاص بمشروع من الفئة أ. وكما هو الحال بالنسبة للتقييم البيئي للمشروعات المصنفة ضمن الفئة أ، يبحث تقييم مشروعات الفئة ب الآثار البيئية الايجابية والسلبية التي من المحتمل أن يسفر عنها المشروع، ويوصي بأية إجراءات لازمة لمنع الآثار البيئية السلبية أو تقليلها أو تخفيفها أو التعويض عنها، فضلا عن تحسين الأداء البيئي. ويتم وصف استنتاجات ونتائج التقييم البيئي من الفئة ب في وثائق المشروع (أي وثيقة التقييم المسبق للمشروع، ووثيقة معلومات المشروع).

الفئة C : يصنف المشروع المقترح في الفئة ج إذا كان من المرجح أن تكون آثاره البيئية السلبية المحتملة ضئيلة جدا أو معدومة. وليس من المطلوب بالنسبة للمشروع من الفئة ج إجراء مزيد من التقييم البيئي يتجاوز عملية التصنيف.

الفئةFI : صنف المشروع المقترح في الفئة وإذا كان ينطوي على استثمار أموال البنك من خلال مؤسسة وساطة مالية في مشروعات فرعية قد تسفر عن آثار بيئية سلبية.

2- صندوق النقد الدولى
أ- النشأة: برز صندوق النقد الدولي للوجود بصفة رسمية في 27 ديسمبر عام 1945 بعد توقيع 29 دولة على ميثاق الصندوق في مؤتمر بريتون وودز بالولايات المتحدة الأمريكية في الفترة من 1-22 يوليو عام 1944، وبدأ ممارسة أعماله في الأول من مارس عام 1947، ويبلغ عدد أعضائه 183 دولة.

ويتمثل الهدف الأساسي للصندوق في تحقيق التعاون الدولي فيما يتعلق بالنقود للتخلص من القيود على الصرف الأجنبي كي تستقر أسعار الصرف، وبذلك يمكن الموافقة على قبول عملات الدول الأعضاء في المدفوعات فيما بينها.

وقد اتفق على أن تلتزم كل دولة من الدول الأعضاء بسعر الصرف المحدد لعملتها ولا تسمح بتقلبات هذا السعر إلا في حدود +/- 1%، وسعر الصرف المحدد يكون على أساس الدولار الأمريكي، وهو بالتالي مرتبط بالذهب وفقا لسعر معين، وينص نظام الصندوق على أنه يجب على كل دولة عضو فيه أن تأخذ إذن الصندوق قبل خفض أو رفع قيمة عملتها، كما يجب عليها أن يكون لها حصة في أموال الصندوق تتكون من 25% ذهب و75% من عملة الدولة نفسها. ويختص الصندوق بتقديم القروض إلى الدول الأعضاء لمعالجة العجز المؤقت في موازين مدفوعاتها، وبذلك يعمل على استقرار أسعار الصرف، ويرجع تحديد إمكانية الاقتراض وحقوق التصويت إلى حصة الدولة في أموال الصندوق، فأمريكا مثلا لها حصة تصويت بنسبة 23%، والمجموعة الاقتصادية الأوروبية مجتمعة لها حصة تصويت بنسبة 19%. وعندما تحصل الدولة على قرض يجب أن تستشيره في الخطوات التي تتخذها لتحسين وضع ميزان مدفوعاتها.

ويشار فى الغالب إلى البنك وصندوق النقد الدوليين بعبارة "المؤسستين الأختين"، يرجع ذلك إلى تاريخ إنشاء كلٍ منهما فى عام 1944 وذلك بهدف أداء أدوار تكميلية، ويعمل بصندوق النقد الدولي أكثر من 2700 شخص ويضم 184 دولة أعضاء، وتتعدى ميزانية تسييره 600 مليون دولار سنويا.

ب – أجهزة صندوق النقد الدولي:
- مجلس المحافظين: أعلى هيئة بصندوق النقد الدولي، يجتمع مرة واحدة في السنة وهو مكلف باتخاذ القرارات ذات الأهمية كقبول عضوية دول جديدة، إعداد الميزانية ... وهذا المجلس مشكل من ممثلي الدول الاعضاء (وزراء المالية أو مديري البنوك المركزية).

- المجلس الإداري: ويتكون من 24 عضوا، من بينهم 8 لهم امتياز تعيين "متصرف" ممثلا لهم (الولايات المتحدة – اليابان – ألمانيا – فرنسا – المملكة المتحدة – المملكة العربية السعودية – الصين – روسيا) في حين يتم تعيين 16 عضوا المتبقين عن طريق "مجموعات الدول " (وتضم المجموعة العربية 7 بلدان)، ويجتمع المجلس الإداري ثلاث مرات في الأسبوع ، وهو الذي ينتخب المدير العام لصندوق النقد الدولي لمدة 5 سنوات.

- اللجنة النقدية والمالية الدولية: تضم الـ 24 ممثلا للدول المشكلة للمجلس الإداري وتجتمع مرتين في السنة (الدورة الربيعية والدورة الخريفية)، ويتجلى دورها في إعطاء نصائح وتوجيهات لصندوق النقد الدولي فيما يخص النظام النقدي الدولي.

وقد اعتمد صندوق النقد الدولي، منذ عام 1969، وحدة نقدية خاصة به تنظم أنشطته المالية مع الدول الأعضاء، وتسمى بـ " حقوق السحب الخاصة" وهي بمثابة عملة خاصة بالصندوق يتم تقييمها يوميا انطلاقا من عدد من العملات القوية: الدولار، الين، الأورو، الليرة ، الجنيه الإسترليني، ويدفع كل عضو حصة مساهمته في رأسمال صندوق النقد الدولي، غير أن هذه الحصة ليست حرة أو تلقائية، وإنما يتم احتسابها بحسب الأهمية الاقتصادية والجيوسياسية لأي بلد يتم دفعها بنسبة 25 % من حقوق السحب الخاصة أو أية عملة صعبة تتشكل منها، ونسبة الـ 75 % المتبقية من العملة المحلية للبلد العضو.

ج- التصويت: تتخذ القرارات في صندوق النقد الدولي عن طريق التصويت، وحصة المساهمة هي التي تحدد نسبة الحق في التصويت لكل بلد، فهي تساوي 250 صوت زائد صوت واحد لكل 100 ألف من حقوق السحب الخاصة، بتعبير آخر أنها تناسب: "دولار واحد = صوت واحد"، أي لكل بلد الحق في التصويت بقدر مساهمته في رأسمال الصندوق، وعلى هذا الأساس تمتلك الولايات المتحدة الأمريكية نسبة 17.08 % من حق التصويت، ثم اليابان (6.13 %) وألمانيا (5.99 %)، فرنسا (4.95 %) ... وأخيرا مجموعة الدول الإفريقية التي تضم 24 دولة من إفريقيا السوداء، لا تمتلك إلا نسبة 1.41 % من حق التصويت.

وقد تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية التي خرجت منتصرة من الحرب العالمية الثانية أن تمرر في مفاوضات بروتن وودز قرارا ذا أهمية يقضي بفرض أغلبية 85 % لجميع القرارات المهمة التي تهم مستقبل النقد الدولي، كالزيادة في حقوق السحب الخاصة أو إلغائها، رفع أو خفض عدد المحافظين المنتخبين في إطار المجلس الإداري، تغيير حصة المساهمة... والولايات المتحدة الأمريكية، إذ تمتلك وحدها أكثر من 15 % من حق التصويت فإن بإمكانها إيقاف أية محاولة لإجراء أي تغيير بصندوق النقد الدولي.

ثانيا: شروط الإقراض في المؤسسات المالية الدولية

تغيرت مهام المؤسسات المالية الدولية بشكل جذري وأصبحت متشابهة، فمنذ عام 1980 نهجت المؤسسات استراتيجية تهدف إلى التقليص من دور الدولة إلى أدنى حد، عن طريق خصخصة المؤسسات العمومية، وإزالة كل تدخل للحكومات في الاقتصاد، من أجل تدبير أزمة الديون يتدخل صندوق النقد الدولي بواسطة "قروض الإنقاذ"، ولكن أيضا بفرض شروطه عبر برامج التكيف الهيكلي، وأما البنك الدولي فيلعب دور "المستشار" للدول الخاضعة لـ "العلاج الطبي" لصندوق النقد الدولي حول الطريقة المثلى لخفض العجز في الميزانية عن طريق تعبئة الادخار الداخلي، وتحفيز المستثمرين الأجانب وتشجيع الاستثمارات الخارجية، وتحرير سعر الصرف، وخصخصة القطاع العام، إلخ. وبالإضافة إلى ذلك فإن البنك يساهم في برامج التكيف الهيكلي عبر تقديم قروض بشروط قاسية للدول الأعضاء.

وهكذا أصبحت المؤسستان الماليتان في موقع قوة ولا تتوانيان لحظة في فرض شروطهما على الدول في إطار برامج التكيف الهيكلي، والضغط عليها لتطبيق إجراءات من قبيل تحرير اقتصادياتها، وبخاصة التخلي عن مراقبة حركة رؤوس الأموال، وإلغاء مراقبة الصرف، وخصخصة القطاع العام، وما إلى ذلك مما أدى إلى تراجع الدولة عن القطاعات الإنتاجية التنافسية.

فحسب منطق صندوق النقد الدولي "لا مكان للدولة أينما يمكن تحقيق ربح" وعليها أن تنسحب من جميع القطاعات المدرة للربح (الماء، الكهرباء، النقل، تكنولوجيا الإعلام والاتصال، الصحة، التعليم...) وتقتصر على ضبط الاستقرار وتحقيق الأمن والعدالة.

إن مسألة الخصخصة ينظر إليها من داخل صندوق النقد والبنك الدوليين بمنظور إيديولوجي وهو الأمر الذى أدى في الكثير من الحالات إلى خصخصة بعض الخدمات حتى قبل وضع الإطار القانوني لضمان المنافسة الحرة والنزيهة، وعموما تتم الخصخصة، التي غالبا ما يستفيد منها المستثمرون الأجانب، بواسطة مراسيم بدون موافقة البرلمان ودون حد أدنى استشارة للمجتمع المدنى.

ويشترط البنك الدولي لتقديم القروض ما يلي:
- أن تكون القروض لتمويل مشروعات التعمير والتنمية في الدولة المدينة.
- أن تكون للحكومات أو للجهات التابعة لها أو لجهات تضمنها الدولة.
- ألا يكون للدولة مصدر آخر للتمويل.

ومن أغرب الشروط التي وضعها البنك الدولي عند طلب الأردن لقرض لتمويل بناء سد على نهر الأردن، اشترط البنك موافقة إسرائيل على بناء السد وتعهدها بعدم تدميره، وهو ما منع إتمام القرض أو إتمام بناء السد، وربما حدث أمر شبيه بذلك مع مصر عند طلبها تمويل بناء السد العالي من البنك الدولي في الستينيات، حيث كان هناك شرط ضمني بضرورة موافقة الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الشرط الذي لم يتوفر، وبذلك لم يمول البنك بناء السد العالي.

وتظل هذه الشروط شروطا عادية طالما التزمت الدول المدينة بها وطالما كانت هذه الدول مواظبة على سداد خدمة هذه الديون (الأقساط والفوائد) في وقتها، ولكن إذا تعثرت الدولة المدينة في السداد لأسباب داخلية أو خارجية تكون أمام خيارين كلاهما مر:
الخيار الأول: إنكار الدين والتوقف عن السداد، وهو أمر في غاية الخطورة على الجدارة الائتمانية والسمعة الاقتصادية للدولة، وقد يعرضها لعقوبات اقتصادية وسياسية وربما لتدخل عسكري ضدها.

الخيار الثاني: اللجوء إلى عملية إعادة جدولة للديون الخارجية، وتعني قيام الدولة بطرق أبواب الصندوق والبنك الدوليين للاتفاق مع الدول الدائنة على كيفية وشروط إعادة الجدولة إذ تلجأ الدول الدائنة إلى الصندوق والبنك للقيام بدور الوسيط بينها وبين الدول المدينة فتذهب إلى نادي باريس حيث تبدأ رحلتها مع شروط جديدة لإعادة جدولة ديونها تختلف تماما عن الشروط الأصلية التي تمت على أساسها هذه الديون، وقبل استعراض خطوات جدولة الديون لابد من إلقاء الضوء أولا على نادي باريس ونادي لندن الاقتصاديين.

* نادي باريس الاقتصادي: هو مجموعة غير رسمية من المموليين من 19 دولة من أغنى بلدان العالم، التي تقدم الخدمات المالية مثل إعادة جدولة الديون وتخفيف عبء الديون، وإلغاء الديون علي البلدان المدينة، ويقوم صندوق النقد الدولي بتحديد أسماء تلك الدول بعد أن تفشل معها حلول البنك. وبما أن نادي باريس عبارة عن مجموعة غير رسمية فليس هناك تاريخ تأسيس وقد عقد النادي أول اجتماع مع دولة مدينة عام 1956 عندما وافقت الأرجنتين على الاجتماع بدائنيها العموميين في باريس، أما الدول المدينة فعددها 77 دولة في أفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا الجنوبية.

ويجتمع النادي كل ستة أسابيع في مقر وزارة الاقتصاد والمالية والصناعة الفرنسية، ويرأسها أحد كبار المسؤولين في دائرة الخزانة الفرنسية، وحالياً هو المدير العام بوزارة المالية وإدارة السياسة الاقتصادية خافيير موسكا، وبصفته مجموعة غير رسمية فليس للنادي أي قوانين تشريعية، الأمر الذي يمنح الدول الدائنة الأعضاء مرونة في مواجهة المواقف الخاصة لكل دولة مدينة تواجه صعوبات في سداد ديونها. ومع ذلك فقد وضعت الدول الدائنة عددا من القواعد والمبادئ لتأمين أي اتفاق يتم إبرامه بين الدول الدائنة من ناحية والدول المدينة من ناحية أخرى، وهذه القواعد والمبادئ مقبولة من قبل كافة الأطراف وتشمل اتخاذ القرارات لكل حالة على حدة، والإجماع والظرفية والتضامن وقابلية المقارنة للمعاملة.

والأعضاء الدائمين في النادي هم : أستراليا، النمسا، بلجيكا، كندا، الدنمارك، فنلندا، فرنسا، ألمانيا، ايرلندا، إيطاليا، اليابان، هولندا، النرويج، روسيا، اسبانيا، السويد، سويسرا، المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية .

نادي لندن: تأسس عام 1945 ويضم مجموعة دول عددها (45 دولة) وعقد أول اجتماع له في العاصمة البريطانية لندن، ويختص بديون القطاع الخاص الغربي على حكومات الدول.

ونعود إلى خطوات جدولة الديون والتي يمكن استعراضها كما يلي:
* الخطوة الأولى: اتفاق الدولة المدينة على برنامج إصلاح اقتصادي وتصحيح هيكلي مع صندوق النقد الدولي، وهذا البرنامج يضم في الغالب وصفة علاجية في صورة حزمة من السياسات الاقتصادية تتعهد الدولة المدينة بالالتزام بها على مراحل، وكلما أنجزت مرحلة حصلت على تسهيل من الصندوق لاستكمال المرحلة التالية، ورغم التحفظات على مفردات هذه البرامج فإنها تعتبر من قبل الصندوق والدول الدائنة بمثابة التزكية لسلامة الإدارة الاقتصادية في الدولة المدينة، وتسعى في الأساس إلى ضمان قدرة الدولة المدينة على سداد التزاماتها تجاه الدول الدائنة، بغض النظر عن أثر الأخذ بهذه البرامج على المستقبل الاقتصادي للدولة المدينة أو على مستوى معيشة مواطنيها.

* الخطوة الثانية: الحصول على موافقة جماعية من الدول الأعضاء بنادي باريس على شروط إعادة الجدولة، وهي الشروط التي ستدور حولها المفاوضات الثنائية بعد ذلك بين المدين وكل دولة دائنة على حدة، وذلك لأن الدول الدائنة تعتبر أن إعادة جدولة الديون تضحية من جانبها لصالح المدين، وعليه فهي ترفض أن تتحمل هذه التضحية دون أن تعرف مقدار التضحية التي سيقدمها الدائنون الآخرون، وهنا يكون شرط المساواة في المعاملة من قبل المدين تجاه جميع الدائنين.

وبعد قبول واستيفاء الشروط يتم توقيع اتفاقية مع نادي باريس تحدد شروط التصرف المالي والاقتصادي في الديون من قبل الدولة المدينة، ومن هنا يبدأ التدخل في الشؤون الاقتصادية للدولة المدينة، وذلك عبر السياسات التي تعتبر آليات لتنفيذ هذه الشروط.

ثالثا: آليات تنفيذ شروط الصندوق والبنك الدوليين

توجد ثلاثة محاور أساسية في قروض برامج الإصلاح الاقتصادى والتكيف الهيكلي لإعادة جدولة المديونيات، وهذه المحاور الثلاثة تعتبر بمثابة آليات لتنفيذ شروط إعادة جدولة الديون، أو شروط الحصول على التسهيلات المرتبطة بعملية الجدولة، وهذه المحاور أو الآليات الثلاثة هي:

أ- تحرير الأسعار: ويتضمن التزام الدولة المدينة بتحرير أسعار السلع والخدمات ومستلزمات الإنتاج، والحد من تدخل الدولة في تحديد الأسعار أو التسليم الإجباري للمحاصيل، وكذلك تحرير أسعار الفائدة حتى يكون سعر الفائدة الحقيقي موجب وتحرير وتوحيد أسعار الصرف، وكذلك إلغاء وجود حد أدنى للأجور، وهذا التحرير للأسعار يؤدي في الغالب إلى ارتفاع الأسعار والإضرار ببعض فئات المجتمع وخاصة محدودي الدخل.

ب- سياسة الخصخصة: وهو المحور الذي يسعى إلى زيادة دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي على حساب تراجع دور الدولة والتخلص من الاحتكارات العامة، وذلك عن طريق تصفية المشروعات العامة الخاسرة وبيعها للقطاع الخاص لتشغيلها على أساس تجاري يهدف إلى الربح، وهو الأمر الذي يكون على حساب تسريح العمالة ورفع أسعار السلع والخدمات التي يقدمها القطاع العام.

ج- تحرير التجارة الخارجية: فالبنك الدولي يطالب الدول المدينة بتخفيض سعر الصرف للعملة المحلية، وإلغاء القيود على المدفوعات الخارجية، وإلغاء اتفاقيات التجارة، والسماح بعمل الوكالات التجارية الأجنبية في الأسواق المحلية، وخفض الرسوم الجمركية، وإلغاء القيود الكمية على الواردات، والعمل على تشجيع التصدير، وعدم اتباع سياسة تقوم على إحلال الواردات عن طريق الحماية للصناعات المحلية.

ومن هنا يمكن القول: إن هذه البرامج قامت على ما يمكن أن نطلق عليه سياسة "الامتصاص والاقتناص"، أي امتصاص فائض الطلب وزيادة الاحتياطات الرسمية من العملات الأجنبية كضمان لسداد الديون ولرفع الجدارة الائتمانية للدولة، واقتناص فرصة تعثر الدولة المدينة لإلزامها بإتباع آليات السوق وسياسات التحرير الاقتصادي في جميع المجالات، حتى يتوافق إيقاعها الاقتصادي مع إيقاع الدول الرأسمالية الدائنة ومع سياسات الصندوق والبنك الدوليين.

وبصفة عامة يمكن القول إن أخذ الدول العربية بسياسات الصندوق في مجال الإصلاح الاقتصادي أدى إلى تغيير ملامح الاقتصاديات العربية تماما من الناحية الاقتصادية والمؤسسية والتشريعية، وهو تغيير يصب باتجاه مزيد من الانفتاح الاقتصادي، وإعمال آليات السوق، وتحقيق مزيد من الاندماج في الاقتصاد الرأسمالي العالمي. وقد أثر ذلك في جميع نواحي ومفردات الاقتصاديات في تلك الدول، كما أن هذه الآثار لم تكن جميعها في صالح الدول العربية، وبالتالي لم تكن جميعها في صالح المواطن العربي الذي يعتبر هدف ووسيلة التنمية، تلك التنمية التي قامت الدول العربية بالاستدانة من أجل دفعها للأمام.

رابعا: آثار الأخذ بشروط الصندوق والبنك الدوليين

الملاحظ أن أخذ البلدان العربية بشروط إعادة جدولة الديون مع الصندوق والبنك الدوليين وخاصة ما يتعلق منها ببرامج الإصلاح الاقتصادي قد تسبب في إحداث عديد من الآثار يمكن إيجازها في الآتي:

1- الآثار السلبية
- تزايد معدلات البطالة في الدول العربية حيث وصلت هذه النسبة في بعض الدول العربية إلى حوالي 15%.
- انخفاض درجة إشباع الاحتياجات الأساسية للمواطن العربي بسبب ارتفاع الأسعار.
- تزايد تدهور أحوال الفقراء ومحدودي الدخل في البلدان العربية.
- التأثير السلبي لبرامج الصندوق في فئات الطبقة الوسطى في المجتمع العربي.
وهذه الآثار تعرف بالآثار الاجتماعية لبرامج الصندوق والبنك الدوليين والتي تحاول الدول العربية التغلب عليها عن طريق ما يعرف بشبكات الأمان الاجتماعي، خاصة عبر ما يعرف بالصندوق الاجتماعي للتنمية، وهى التجربة التي أخذت بها مصر، وهناك محاولات للاستفادة بها في اليمن وسوريا والأردن.

وإلى جانب الآثار السابقة فقد حدث تراجع في دور الدولة في البلدان العربية لصالح تزايد دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي، حيث أصبحت نسبة مساهمة القطاع الخاص العربي في النشاط الاقتصادي حوالي 76% في المتوسط، وأصبح يعول عليه بأن يقوم بالدور الرئيسي في عمليات الإنتاج والتصدير والتوظيف، وحتى أصبح يعول عليه بأن يقوم بدور رئيسي في تحقيق التكامل الاقتصادي العربي.

2- الآثار الإيجابية: رغم الآثار السلبية السابقة لا يمكن إنكار بعض الآثار الإيجابية التي صاحبت الأخذ بسياسات البنك والصندوق الدوليين كشروط لإعادة جدولة الديون العربية وأهم هذه الآثار الإيجابية:
- تراجع العجز في الموازنات العامة للدول العربية، حيث أصبحت حوالي 0.15% عام 2000 مقابل 5.47% عام 1995 (للدول العربية كمجموعة).
- تراجع العجز في موازين المدفوعات للدول العربية كمجموعة وتحولها من حالة عجز إلى فائض في عام 2000.
- تزايد الاحتياطات الرسمية في البلدان العربية لتغطي واردات حوالي 8.5 أشهر عام 2000 مقابل 5.2 أشهر عام 1995، وهو ما يعني زيادة الجدارة الائتمانية العربية ككل.
- تراجع نسبة إجمالي الدين العربي الخارجي من 73.3% من الناتج المحلي العربي الإجمالي عام 1995 إلى 49.5% عام 2000.
- تراجع نسبة خدمة الدين العام الخارجي للدول العربية إلى الصادرات من السلع والخدمات من 18.1% عام 1995 إلى 15.5% عام 2000.

وخلاصة القول في الآثار المترتبة على أخذ الدول العربية بشروط إعادة جدولة الديون التي وضعها الصندوق والبنك الدوليان أنها أدت إلى تحقيق نتائج جيدة على الصعيد المالي والنقدي (الاقتصاد الرمزي) فقط، أي انخفض معدل التضخم وانخفض عجز الموازنة العامة وانخفض عجز ميزان المدفوعات وارتفعت الاحتياطيات من العملات الأجنبية، ولكن مقابل ذلك ارتفعت معدلات البطالة وتفاقمت مشاكل أسعار الصرف وزادت مظاهر الركود وتباطؤ الأسواق وزاد عدد الفقراء وارتفعت أسعار السلع والخدمات، ويمكن عزو ذلك إلى أن معظم البلدان العربية نفذت برامج الصندوق كحزمة متكاملة من السياسات ودون النظر في مدى ملاءمتها لظروفها الاقتصادية الخاصة.

خامسا: البنك الدولي والعولمة المالية

إن شروط الاستدانة تتأثر بالدور الذي تلعبه بعض المؤسسات الاقتصادية الدولية مثل الصندوق والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية، إذ إن معظم الشروط التي تصاحب إعادة جدولة الديون تصب في صالح تحقيق أهداف وبرامج هذه المؤسسات والدول المسيطرة عليها، ولأن هذه المؤسسات تخضع لسيطرة بعض القوى الاقتصادية الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية، ولأن دور هذه المؤسسات في تطور باستمرار فإن مستقبل شروط المديونية الخارجية للدول النامية ومنها الدول العربية سيتأثر بعاملين أساسيين هما:

1- المصالح الاقتصادية للقوى الاقتصادية الدولية الفاعلة داخل هذه المؤسسات.
2- التغيير الذي سيطرأ على دور هذه المؤسسات في المستقبل وخاصة في ظل إعادة النظر التي تتم حاليا بشأن دور الصندوق والبنك الدوليين، وكذلك في ظل التعاون الجديد بين جميع المؤسسات الاقتصادية الدولية في تحقيق التنمية ومحاربة الفقر الذي تم النص عليه في فقرات متعددة من "بيان الدوحة للتنمية" الذي صدر عن المؤتمر الوزاري لمنظمة التجارة العالمية في الدوحة خلال الفترة من 9-13 نوفمبر 2001.

وقد بدأ ظهور بعض المؤشرات التي تعكس زيادة تدخل وتأثير الدول الكبرى في تشديد شروط المديونية الخارجية، خاصة مع الدول النامية التي تطلب قروضا أو تسهيلات مالية أو معونات، وذلك عن طريق تشددها في هذه الشروط بالنسبة للقروض التي تقدمها حكومات هذه الدول أو مؤسساتها المالية، أو عن طريق التدخل لدى مؤسسات التمويل الدولية مثل الصندوق والبنك الدوليين واستخدام نفوذها في هذه المؤسسات لتمارس ضغوطا وتشدد شروطها على تقديم قروضها للدول النامية.

وأبرز هذه الشروط هي: شروط لمكافحة الفساد، وتوفير مبادئ الديمقراطية أو مبادئ الحكم الرشيد، وحماية حقوق الأقليات السياسية أو الدينية. وكذلك إجراءات مكافحة الإرهاب خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، وقد جسد الرئيس الأمريكي السابق "بوش" هذه الشروط في خطابه أمام مؤتمر الأمم المتحدة لتمويل التنمية الذي عقد في المكسيك في الفترة من 18-22 مارس 2002 حيث أكد أن "تدفق رؤوس الأموال إلى الدول النامية والفقيرة سيتوقف على احترام هذه الدول لحقوق الإنسان واتخاذها إجراءات فعالة لاقتلاع جذور الإرهاب والفساد فضلا عن فتح أسواقها والاعتناء بنظام التعليم والرعاية الصحية، وإن الولايات المتحدة ستتعامل بشكل صارم مع ذلك".

كما أن الإصلاحات داخل المؤسسات الاقتصادية الدولية وخاصة الصندوق والبنك الدوليين بدأت المناقشة حولها بعد أن تسببا في إرهاق الكثير من اقتصاديات دول العالم التي لجأت إليهما للاقتراض أو لإعادة جدولة ديونها، وبعد أن تفاقمت الآثار الاجتماعية بصورة خطيرة في الدول التي تبنت برامج الصندوق للإصلاح الاقتصادي، وكذلك بعد الانتقادات العنيفة التي تتعرض لها سياسات الصندوق والبنك الدوليين.

إن أغلب الدول النامية التي لجأت إلى تطبيق برامج التثبيت والإصلاح الهيكلي تحت وطأة ارتفاع مديونيتها الخارجية وبمباركة من المؤسسات الدولية الدائنة (صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ونادي باريس ونادي لندن...), عانت من معدلات بطالة مرتفعة أصبحت تهدد استقرارها الاجتماعي والسياسي.

يضاف إلى ذلك تأثير عمليات الخصخصة وضرورة تقليص العمالة بها قبل انتقالها إلى الملكية الخاصة, وكذلك تراجع الحكومات عن خلق فرص جديدة للعمل بحجة الضغط على الإنفاق العام وتقليص عجز الموازنات العامة, إلى غير ذلك من الإجراءات المرافقة لبرامج الإصلاح الاقتصادي هذه التي أصبحت شرطا ضروريا لطلب إعادة جدولة الديون أو الحصول على قروض جديدة تفرضه الجهات المانحة.

وقد تبنى البنك الدولي في السنوات الأخيرة سياسة التصدي لمسألة الفقر وأوضح أنه يجب أن يكون من بين مكونات السياسة العامة لأي دولة ترغب في تخفيف عبء ديونها أو الحصول على قروض جديدة, إجراءات تخفف وطأة الفقر في المجتمع (ولعله يصدق).

إلا أنه وفي ظل هيمنة الدول المتقدمة على المؤسسات المالية الدولية سوف تتعرض حرية صانع القرار السياسي في الدول النامية إلى مزيد من الضغوطات والتدخل الأجنبي، ومع تنامي ظاهرة العولمة بكافة أوجهها -خاصة الوجه المالي- فإنه من المتوقع احتواء الشركات المتعددة الجنسية المحركة لهذا المال لمصير الخطط الإنمائية وتعميق المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، ويرى البعض أن هذه الأموال والشركات الكبرى المحركة لها قادرة على التأثير في سيادة الدول وتلعب دور الشرطي الذي يلزم الدول المضيفة بتوجهات معينة في سياساتها العامة حيث تخترق رؤوس الأموال الأجنبية والشركات الدافعة النظم السياسية في الدول النامية وتؤثر عليها بما يتلاءم مع مصالحها وهو ما يشكل مساسا للسيادة الوطنية واستقلال القرار السياسي.

وحتي في الدول المتقدمة حيث كشفت التحقيقات الجنائية أن هذه الشركات تمول الأحزاب المتنافسة في الانتخابات بالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وغيرهما حتى لا تأتي نتائج الانتخابات بأي أثر سلبي يمكن أن يقلص مصالحها؛ فما بالك بالدول النامية وبهذا يتحول السياسيون من رجال دولة إلى "بياعين" أو على أقل تقدير "مقدمي خدمات للدول الكبرى" بالإضافة إلى شراء ذمم الكثير من أعضاء البرلمان وحتى الحكومات.

الخلاصة:
إن هيمنة الدول المتقدمة على المؤسسات المالية العالمية وخاصة صندوق النقد والبنك الدوليين, تكرس سياسة ازدواجية المعايير كأبرز سمات العولمة المعاصرة والنظام العالمي الجديد، حيث أصبح هذا النظام يبيح لدول معينة أشياء ويحرمها ذاتها عن دول أخرى لا لشيء إلا لاختلال الموازين واختلاف المصالح الإستراتيجية مع الدول المهيمنة أو القادرة على الهيمنة.

ويمثل الصراع العربي الإسرائيلي أبرز مثال على هذه الحالة، وفي ظل هذا الظرف الدولي الراهن, تصبح الدول العربية مطالبة أكثر من أي وقت مضى ببلورة موقف لمواجهة هذه التحديات، ولابد من التأكيد على أن العامل الأهم في تجسيد محاولات التكامل الاقتصادي العربي يرتبط أساسا بالإرادة السياسية للقادة العرب وفي غياب هذه الإرادة يصعب أن تخطو الدول العربية جديا نحو طريق الوحدة الاقتصادية والتي أصبحت الخيار الأهم في مواجهة تداعيات العولمة ومخاطرها، والأمل معقود على مؤتمر الكويت الاقتصادي الذي عقد في يناير 2009 لتجسيد رؤية متكاملة حول التحولات الدولية الراهنة – خاصة في ظل الأزمة المالية العالمية - تمكنها من احتلال موقعا أفضل يخولها مواجهة تداعيات هذه التحولات.

تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1780


أرسل خبرا جديدا

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Facebook
  • أضف محتوى في twitter
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon


التعليقات
#535 Algeria [nazim]
0.00/5 (0 صوت)

04-25-2010 12:36 PM
merci


سامي محمود - أسامة بدير
تقييم
8.12/10 (114 صوت)

العاب

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.