تغذيات RSS
|
|
بقعة زيت
05-12-2010 05:52 PM
بقعة زيت
بقلم / أميرة سعيد عزالدين
[TABLE=width:70%;][CELL=filter:;] عادت تدفع باب الدار الصامتة في صخب وحيد منزعج من طرق السنين على جدران الفؤاد، أن عودي الآن. في صحن الدار وجدت بقايا رماد.. بقايا بارود.. بقايا أُناس كانوا هنا أحياء!
أب وأم وأخوة في الغرف الدافئة- رغم بعدها البارد- أمضوا الليالي سعداء..
لم يبق هنالك حجر على آخر فقط سور عال أحاط أطلال الدار، ويا للعجب من تفتت القلب وبقاء الهيكل على هذا القيام!
في جذع الشجرة الهرمة لا يزال قلب آخر محفوراً!.. كان يوماً قلبها.. مرسوم بحرف اسمها..
هربت منها بقايا جدائلها لتتساقط ظلالاً لا تحجب عن عينيها سوى حرارة النهار، وتلقيها أكثر بين يدي الذكرى والأيام.
في جذع الشجرة وجدت قلباً، ووجدت أيضاً خبراً!..
إنه منه.. حبيبها!..
كيف تأتى أن حفظته هنا يد الدمار؟!..
أيد الدمار حانية فقط على رسالة غرامها؟!.. وبلادها؟!.. ألم تستحق الرحمة؟!
كأنه في بلاد أخرى غير التي هي، لم تنهر بوطئات الفرنجة والمستعربين.
وجدت منه مخطوطاً اصطبغت أحرفه بقطرات من دماء:
"حبيبتي..
في المساء سأجيء إليك فلا تصدقي أن قد أصابني سوء، تلك ليست دماء بل هي حنائك يا عروس الفؤاد. يا عمري أنا بكل خير وسآتي لك لنبني وطناً.. وأرضاً، فلا تتركِ الأرض بحق ما منحك الله من إيمان. أعلم كانت ليلتنا تلك موعد العرس، ولكن سرادق العزاء كبــير..
أعلم لم يبق لأحدنا من الأهل سوى الآخر فلا تذهبي، واجدلي خصلاتك أكثر حتى أعود فتحلها يدايَّ..
سأعود و انتظري يوم اللقاء."
انهارت فلم تجد معتمداً سوى على حجر، تلقى منها نفس النزف يوماً منذ سنوات بعيدة، يوم أن وجدت يد الدمار طالت دياره ورسمت منها لوحات العذاب والنحيب..
قد رحل الحبيب!!
شحذت يومها الحدين الحادين أكثر، وقبضت على ضفيرتها الغجرية بكوة يدها لتنشرها على حوافه، جديلتها الكستنائية تحممت من الفُرات وجففتها شموس المدينة، حين كانت الشمس تشرق هناك!
أسقطت خصلات شعرها شهيدة فوق قدميها ترويها عبرات دجلة في عينيها، ما كانت تعلم بخبره في جذع الشجرة الحبيبة!..
تلك العروس سقطت سبية يوم الزفاف، وفي أعراف العرب السبية لا تتحلى بالجدائل..
لا تضع العطور ولا يمسها الحلي أو الحرير..
واليوم تعلم أنه هناك في مكان ما، تراه أين أليف الروح؟!
ليس من الصعب أن تقلب المدينة الآن نابشة عنه خلف كل حجر، فالمدينة كلها أصبحت مجرد هياكل من حجر!
وفي أرض ما.. وزمن ما.. وجدتـــه..
ليس نفس من حلمت به يحل جدائلها، ولم يتبق داع لحدادها على من لم يرحل، فها هو ذا.. وليته كان رحل!..
فوق فوهة بركان كان قصره، حاكم عظيم بأمره يأتمر الكثيرون....
- أهذا أنت يا (زين)؟!
- حبيبتي، قد بنيت الدار.
- أفوق هذا الدمار؟
- أنت مليكته، فما يهمك من سواه؟
- تحولت بلادي على يديك لخزائن من ذهب أسود فقط لتشييد قصورك على أطلالها؟
- عزيزتي..
ومنحها شالاً حريرياً يسكن رجفتها، وكما لم تستسغ قصوره لم تستسغ يده الممدودة لتحل جدائلها المنتحرة منذ سنوات ولا حريره الملوث ببقعة زيت..
وهناك..
عند نفس الأطلال والحجر، غمست الحرير الملوث في مياه الفُرات..
في كل صباح كانت تنشره في عين الشمس لتنظر، فترى آثار البقعة جلياً فتعود لغمسه بالمياه الأزلية..
فيوماً ما تختفي بقعة الزيت تلك الدخيلة وتعود شيلان الحرير ناصعة نقية. [/CELL][/TABLE]
|
 |
خدمات المحتوى
|
أميرة سعيد عزالدين
تقييم
|
|
|