قرأت قبل فترة كتابا ممتعا بالعنوان أعلاه لمؤلفته خبيرة الإعلام والاتصال ليل لاوندس،التى حظيت أعمالها بإطراء من صحيفتي نيويورك تايمز وشيكاغو تربيون ومجلة تايم وظننت وبعض الظن إثم أنني بعد إنهاء فصول الكتاب سأصبح تماما مثل المغناطيس أجذب الناس من كل صوب وحدب نحوى ، لكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه تأتي الرياح بما لا تشتهى السفن ،وقلت فى نفسي ليس دائما الفقر رأس كل بلاء ،فكم من فقير استطاع أن يؤلف قلوب كثيرين حوله، وكم من غنى فر الناس وانفضوا من حوله وتركوه وحيدا، فوق كنوزه يجافى النوم مآقيه ،ويقول جون لينون، أنا أبقي على قيد الحياة بمساعدة أصدقائي ولكن هل نستطيع أن نكسب أصدقاء ونحن فقراء ؟ الإجابة الطبيعية نجدها عند أبن الأحنف إذ يقول :
يمشى الفقير وكل شئ ضده= والناس تغلق دونه أبوابها
وتراه مبغوضا وليس بمذنب =ويرى العداوة ولا يرى أسبابها
حتى الكلاب إذا رأت ذا ثروة= خضعت وحركت أذيالها
وإذا رأت يوما فقيرا عابرا= نبحت وكشرت أنيابها
وكثيرا ما نبحت الكلاب فى وجهي،وأنا أسير هائما على وجهي فى طرقات الحياة المختلفة ولكنها ولله الحمد لم تعضني لكنى كدت أعضها من فرط ما بى من زهج وتعاسة فى بعض الأوقات ،وربما تطبيقا لمقوله درسناها فى كلية الصحافة فى تعريف الخبر الصحفي مفادها أن الإنسان إذا عض كلبا فذلك يصبح خبرا بينما لو عض كلب إنسانا فذلك ليس بخبر، حتى بعد أن تغربت عن بلدي بحثا عن ثراء وغنى متوهمين خلف البحار لم أعد أجذب الناس حولي كالمغناطيس ، .كما راحت مؤلفة الكتاب انف الذكر تبشرنا ربما لأن الاغتراب لم يزدنا وجاهة وعزا ، ذلك أن الدراهم فى الأماكن كلها تكسو الرجال مهابة وجمالا، فهى اللسان لمن أراد فصاحة وهى السلاح لمن أراد قتالا .
نعم نحن جميعا نحتاج إلى مساعدة الآخرين لنا، إن لم يكن الآن فغدا أو فى العام القادم ،وبعضنا لا يدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان، لماذا ؟لأننا نستثمر أموالنا فى شراء العقارات، ظانين أن ذلك سيمنحنا الأمان والسعادة التي ننشدها ،والسؤال الذي يطرح نفسه: هل مهم أن نكسب المزيد من الناس إلى جانبنا أم المزيد من الأموال إلى جيوبنا وخزائننا ؟،وقد يقول البعض أنه بالمال يمكن أن نشترى السعادة والأمان، وحتى الأصدقاء وعواء الكلاب ونجعلها تطأطئ رؤؤسها ولا تحرك أذنابها.
وباختصار شديد الغنى فى نظر الناس ليس غنى النفس، وإنما غنى المال ،وقال لقمان الحكيم يعظ ابنه :يا بني : أكلت الحنظل، وذقت الصبر، فلم أر شيئا أمر من الفقر، فإن افتقرت فلا تحدث الناس، كي لا ينتقصوك، ولكن اسأل الله تعالى من فضله فمن ذا الذي إذا سال الله فلم يعطه، أو دعاه فلم يجبه، أو تضرع إليه فلم يكشف ما به ،وكان العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه يقول :الناس لصاحب المال ألزم من الشعاع للشمس ، وهو عندهم أعزب من الماء وأرفع من السماء ،وأحلى من الشهد ، وأزكى من الورد ،خطؤه صواب وسيئاته حسنات،وقوله مقبول ،.يرفع مجلسه، ولا يمل حديثه ،والمفلس عندهم أكذب من لمعان السراب، وأثقل من الرصاص ، لا يسلم عليه إن قدم ،ولا يسأل عنه إذا غاب ، وإذا حضر ازدروه، وإن غاب شتموه ،وإن غضب صفعوه، مصافحته تنقض الوضوء، وقراءته تقطع الصلاة .
تقول مؤلفة كتاب كيف تجذب الناس كالمغناطيس .( لكي تكون ناجحا يجب أن تكون واثقا من نفسك بشكل صريح، فلا يمكنك فقط أن تضع قناع الثقة على وجهك من أجل المنافسة ،أو الاجتماع أو الحفل، أو اللقاء الشخصي لكي تخلعه بعد ذلك، ولكن يجب أن تشعر بالثقة ،وهى تنبض فى عروقك وتتدفق خلالها، ويجب أن يكون قلبك بمثابة الطبلة ،التي تدق بإيقاع الثقة وكل كلمة تخرج من فمك يجب أن تعزف أنغام الثقة ).
وفى مقابلة مع وورين بفت ثاني أغني رجل فى العالم مع قناة والسي إن بى سي الأمريكية ،والذي تبرع ب31 مليار دولار من ثروته، لصالح أعمال خيرية،يقول الرجل أنه اشترى أول سهم مالي، عندما كان فى الحادية عشرة من عمره، و الآن يأسف أنه بدا متأخرا جدا، .وفى سن الرابعة عشر، اشترى مزرعة صغيرة، من عائدات توزيع( الجرايد )،يعنى لا ينبغى أن نسخر من أولادنا الذين يقومون بتوزيع( الجرايد) فى الشوارع ،وقد تستغربون، لو علمتم أن ثاني أغني رجل فى العالم ،ما يزال يعيش فى منزل متواضع، اشتراه عقب زواجه قبل خمسين عاما، مكون من ثلاث غرف، وليس للرجل سائق خاص ،أو رجال أمن يحرسونه ، بينما كل أحد منا يسعى لأن يكون لديه سائق خصوصي، وخدم فى البيت، وحرس كنوع من الوجاهة الكاذبة (الفشخرة الفارغة ).
وربما يزيد اندهاشنا لو علمنا أن الرجل الثري هذا لم يسافر طوال حياته بطائرة خاصة، رغم أنه يمتلك أكبر شركة طيران خاصة بالعالم،ويمتلك 63 شركة أخرى، وكل ما يفعله هذا العجوز الثرى ،هو كتابة رسالة واحدة سنويا، لمسئولي شركاته المتعددة يحدد لهم الأهداف للسنة (قاعدتان فقط ) يعطيها لأولئك المسئولين:
الأولى :لا تفرط أبدا فى أموال المساهمين ، الثانية :لا تنسي القاعدة الأولى.
لم تنته هذه القصة الجديرة بالتأمل مع هذا الثرى الأمريكى، فعندما قابله بيل غيتس أغني رجل فى العالم ،لأول مرة قبل خمس سنوات، لم يكن يتوقع بوجود شئ مشترك بينهما ،لذلك حدد المقابلة بنصف ساعة فقط ،ولكن عندما قابله، استمرت المقابلة لعشر ساعات، ومن يومها أصبح بيل غيتس شديد التعلق بوونبفت.
بقى أن تعرف عزيزي القارئ، أن الرجل لا يحمل الهاتف النقال، ولا وجود للكمبيوتر على طاولته ، تصوروا أحد أغني الأغنياء لا يحمل هاتف جوال، وليس لديه حاسوب فى مكتبه، وكل أحد منا لديه أكثر من جوال راق (ولابتوب )وحاسوب فى البيت، وآخر فى المكتب وربما ثالث فى (.زريبة) الأغنام، ورابع فى الحمام أعزكم الله ، لزوم مواصلة (الشات ) ونظن أن ذلك من علامات الثراء، والغنى، الرجل يقول : باختصار أن المال لا يصنع الرجل، بل الرجل هو من يصنع المال ،ويدعونا إلى أن نعيش حياتنا بكل بساطة وعفوية ،وأظن أن الكثيرين منا لو وضعتهم الأقدار مكان الرجل ، لفعلوا العجب العجاب.
وينصح الرجل الشباب بالتالي :لا تفعل ما يقوله الآخرون، فقط استمع إليهم، ولكن اعمل ما تراه مناسبا ،لا تنجرف وراء الأسماء التجارية، بل البس ما تشعر معه بالارتياح،وبدلا من تضييع نقودك فى الأشياء غير الضرورية، أنفقها على من هم فى حاجة حقيقية ، إجمالا هى حياتك، فلماذا نعطى الآخرين الفرصة ليحكموا كيف نعيش؟ هكذا يتساءل الرجل.
وعلى كل حال رزق المرء مكتوب سلفا، منذ أن وضع نطفة فى رحم أمه، ولكن علينا السعي الجاد للحصول على المال، بالطرق المشروعة ، وليس بالفهلوة ، لكن دعونا نرى من هو الغنى غير غنى النفس ؟ الغنى: من مصاريفه أو نفقاته أقل من إجمالى دخله،وبالتالي في كل شهر سيكون لديه فائضا ماليا ،أما الفقير فهو من يمثل كفة الميزان عنده إلى جانب النفقات، فينتهى كل شهر، وهو مدين ووفق هذا التعريف، قد يكون العامل البسيط أغني من موظف كبير.
أما عنى فإن راتبي ينتهى بعد أسبوع واحد من تسلمه وبالتالي فأنا فقير والغني هو الله ،.
إذا قل مال المرء قل بهاؤه =وضاقت عليه أرضه وسماؤه
وأصبح لا يدرى إن كان حازما =أقدامه خير له أم وراؤه
ولم يمض فى وجه من الأرض واسع =من الناس إلا ضاق عنه فضاؤه
لكن الشاعر أحمد شوقي ينصحنا بأن نقتصد فى جمع المال، وصرفه بحكمة ،عندما يقول :
ولم أر مثل جمع المال داء =ولا مثل البخيل له مصابا
فلا تقتلك شهوته وزنها =كما تزن الطعام أو الشرابا
وخذ لبنيك والأيام ذخر=وأعط الله حصته احتسابا
نعم المال والبنون زينة الحياة الدنيا، وبالعلم والمال يبنى الناس ملكهم، لم يبن ملك على جهل وإقلال ،والمال هو ما ملكته من متاع ،أو عروض تجارة، أو عقار، أو نقود ،أو حيوان، وقد قال عليه الصلاة والسلام (انك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ) نعم ينبغى أن نسعى وراء الدرهم والدينار، والدولار والاسترلينى ،وحتى الجنيه السوداني، لا ينبغى أن نحقره، فهو الذى ينفعنا وإياكم فى اليوم الأسود ،ولن يكون الفقر عيبا عند أولئك الذين تعلقت قلوبهم بالله، لأن الله هو الذي فاضل بين عبد وآخر، من عباده فى الرزق ،لحكمة عظيمة نجهلها، حينما قال : (والله فضل بعضكم على بعض، فى الرزق )وقال فى موضع آخر (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. )
وينبغى علينا أن نتحرى الحلال فى كسبنا ،حتى يكون دعاؤنا مستجابا كما يرى يحيي بن معين :
المال يذهب حله وحرامه= يوما وتبقي غد فى آثامه
ليس التقي بمتق لإلهه =حتى يطيب شرابه وطعامه
ويطيب ما يحوى وتكسب كفه= ويكون فى حسن الحديث كلامه
نطق النبي لنا به عن ربه= فعلى النبي صلاته وسلامه
وليس عيبا أن يتغرب المرء مثلنا ،عن دياره بحثا عن رزقه المكتوب،كما يرى صفي الدين الحلي :
تغرب وابغ فى الأسفار رزقا=لتفتح بالتقرب باب نجح
فلن تجد الثراء بغير سعي =وهل يورى الزناد بغير قدح
لكن غنى النفس والقناعة بما كتبه الله لنا من أرزاق، هو الأصل والمطلوب يقول أبو فراس الحمداني فى ذلك :
غنى النفس لمن يعقل =خير من غنى المال
وفضل الناس فى الأنفس=ليس الفضل فى المال
والغنى على كل حال ليس مذموما،بينما أحد الخلفاء الراشدين أحسبه الفاروق عمر قال : إذا كان الفقر رجلا لقتلته ،أما نحن فقد تزوجنا الفقر زواجا كاثوليكيا ، وليس كلنا نريد أن نكون مثل سيدنا ابى ذر الغفاري بأن نحشر مثله فى زمرة المساكين، وكما قال سيدنا على بن أبى طالب :
إن الغنى من الرجال مكرم =وتراه يرجي ما لديه ويرهب
ويبشر بالترحيب عند قدومه =ويقام عند سلامه ويقرب
والفقر شين للرجال فإنه =يزرى به الشهم الأديب الأنسب
لكن لا ينبغى أن ننسى أننا سوف نسأل يوم القيامة، عن أموالنا من أين اكتسبناها وفيم أنفقناها ؟وقد تكون علينا حسرة وندامة، لذلك نختم بقول الإمام الشافعي عليه رضوان الله :
عليك بتقوى الله إن كنت غافلا= يأتيك بالأرزاق من حيث لا تدرى
فكيف تخاف الفقر والله رازق= فقد رزق الطير والحوت فى البحر
ومن ظن أن الرزق ياتى بقوة =ما أكل العصفور شيئا مع النسر
تزود من الدنيا فإنك لا تدرى= إذا جن عليك الليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من صحيح مات من غير علة =وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا =وأكفانه فى الغيب تنسج وهو لا يدرى
فمن عاش ألفا وألفين فلا=بد من يوم يسير إلى القبر
لذلك أيضا لا ينبغى أن نحمل هم أن يحبنا كل الناس، أو معظمهم لأن هذه غاية لا تدرك، ومهما فعلنا فلن نكون مثل المغناطيس نجذبهم، سيما أن الناس فى زماننا هذا أصبحوا يقيمون بعضهم، بما لديهم من أموال لذا فإنهم ربما يحبونك، لمالك ليس إلا، بمعنى ربما لن يكون هنالك من يحبك لله فى الله أو لوجه الله . ومهما تجرى جري الوحوش غير رزقك ما تحوش .
[HR]
كاتب وصحافي سوداني مقيم في قطر