صحيفة الديوان الالكترونية ، نبض العرب في كل مكان المعايير الموضوعية لوضع الدستور - الديوان




المعايير الموضوعية لوضع الدستور


إن الدستور باعتباره تجسيدا لإرادة الأمة في كيفية تنظيميها و تسير مؤسستها والمنظم للوفاق بين الحرية و السلطة داخل المجتمع من جهة، وبصفته القانون الأساسي في الدولة من جهة أخرى، فهو يحتل المرتبة الأولى في قوانين الدولة التي عليها الالتزام و التقيد بما ورد فيه من أحكام، وبذلك يتحقق تطبيق مبدأ الشرعية، الذي يعني خضوع الحكام و المحكومين لقواعد الدستور وهذا يعني التقيد بمبدأ تدرج القوانين، حيث يخضع التشريع الأدنى للتشريع الأعلى منه درجة، وبالتالي لا يجب أن يتعارض قانون عادي مع أحكام الدستور أي أن تكون القوانين الصادرة في الدولة منسجمة مع أحكامه.

فالدستور في صورته المبسطة هو اتفاق جماعة على تنظيم شؤونها وفق نمط معين في إطار الدولة، و القول بهذا التدرج يستتبع ضرورة التفرقة بين القانون الدستوري و القانون العادي سواء من ناحية الموضوع أو من ناحية الشكل.

فمن ناحية الموضوع نجد أن الدستور هو مصدر كل النشاطات القانونية في الدولة حيث تتحدد السلطات العمومية واختصاصاتها والتي عليها الالتزام بما هو وارد في الدستور.

أما من ناحية الشكل فإن الدستور لا يمكن تعديله إلا بإتباع إجراءات خاصة تختلف عن تلك الإجراءات المتبعة في تعديل القوانين العادية.

بالتالي فإن الدستور يسمو على جميع القوانين و التنظيمات داخل الدولة الواحدة، إذ أن المعاهدات و الاتفاقيات التي تصادق عليها الدولة يجب أن تنسجم مع أحكام الدستور و القوانين و التنظيمات التي تسنها مختلف أجهزة الدولة يجب أن لا تتعارض مع أحكام الدستور، وهذا ما يصطلح عليه بدستورية القوانين والمعاهدات فالرقابة على دستورية القوانين تعتبر إحدى الضمانات الأساسية لحماية الدستور وضمان احترام القوانين داخل نفس المجتمع.

فما هي أهم النتائج المترتبة عن سمو الدستور وماذا نعني بحماية الدستور؟ وما هي الآليات التي نراقب من خلالها دستورية القوانين أي الأدوات الضامنة لاحترام التفوق الدستوري على سائر النصوص القانونية الأخرى في الدولة. إننا من خلال هذا المحور الدراسي سنحاول أن نوضح للأستاذ أن النظام القانوني في الدولة يأخذ شكل هرم حيث يخضع التشريع الأدنى للتشريع الأعلى منه درجة، وعلى قمة الهرم نجد الدستور الذي يتميز بالسمو، إذ أن جميع القوانين يجب أن تنسجم مع أحكامه، وهذا ما يكفل شرعيتها، كما ستوضح للأستاذ أن الرقابة على دستورية القوانين من أهم الوسائل التي تكفل ضمان احترام الدستور. وقد اختلفت الدولة في تحديد وتشكيل الهيئات التي أسندت لها مهمة الرقابة على دستورية القوانين، و الصلاحيات المخولة لكل هيئة، فهناك من أنشأت أجهزة خاصة ومستقلة عن السلطات الثلاث مهمتها رقابة دستورية القوانين، وهناك من أوكلت هذه المهمة للسلطة التشريعية و البعض الآخر أوكلها للسلطة القضائية، أما الصنف الأخير فقد أو كلتها إلى مجموعة من الهيئات وليس إلى جهاز واحد فقط. وهذا ما انتهجته الجزائر حيث تتعدد الجهات التي تتولى مهمة رقابة دستورية القوانين وهي أساساً المجلس الدستوري، القضاء وقد امتنعت العديد من الدول إسناد هذه المهمة للمحاكم، إذ إن دور هذه الأخيرة هو تطبيق القوانين ولا يمتد للرقابة على أعمال الهيئات الأخرى، و الحكم على القوانين بأنها خاطئة أو صحيحة.

سنعالج هذا الموضوع في فصلين أساسين
الفصل الأول نتطرق فيه إلى مفهوم السمو الدستوري و النتائج المترتبة عنه و الفصل الثاني كيف نضمن ونحمي هذا السمو الدستوري أي ما هي الآليات المستعملة في الرقابة على دستورية القوانين.

الفصل الأول: مفهوم السمو الدستوري و النتائج المترتبة عن ذلك

المبحث الأول: أهمية توفر الدولة الحديثة على دستور

المطلب الأول: ظهور الدساتير

إن انهيار الحكم الملكي المطلق بعد الثورات الأوربية وسيطرة البرجوازية على السلطة إلى جانب ظهور فكرة القومية وانحسار الاستعمار كانت من الأسباب و الدوافع الرئيسية في دسترة أنظمة الحكم، وكان غرض شعوب تلك الأنظمة إثبات سيادتها الداخلية واستقلاليتها، وذلك بواسطة تنظيم الحياة السياسية بوضع دستور بين السلطات وعلاقاتها في الدولة الجديدة و علاقاتها بالمحكومين و الدول الأخرى.

و إن هذه الدول بوضع الدستور تؤهل نفسها لإقامة حوار بين السلطة و الحرية فكأنها تعلن للغير بأنها وصلت إلى مرحلة النضج السياسي و الذي لاشك فيه أن وضع الدستور يفيد كقاعدة عامة الرغبة في التنظيم العقلاني للدولة، لأن العملية الدستورية عندما تأخذ كامل معناها ومدها تبدو فعلاً وكأنها تجديد لتأسيس الدولة يجرى هذه المرة بمساهمة الأمة مساهمة ناشطة وواعية. فكان إعلان الاستقلال للولايات المتحدة الأمريكية لـ 1780 وتشكيل الاتحاد الفيدرالي هو أول دستور بالمفهوم الحديث الذي يعتمد على فكرة العقد الاجتماعي والفلسفة الحرة، و إقتداء بالولايات المتحدة الأمريكية توسعت الحركة الدستورية في أوروبا، وكان أولها الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان و المواطن لسنة 1789 إلى أن جاءت الثورة الروسية التي كان لها الدور في تغيير الفكرة الدستورية و القانونية إذ عكست النصوص ما هو قائم من صراع بين الطبقات في إطار علاقات الإنتاج، وإذا كان الفقه الحديث يرى أن أول دستور وضع بالمعايير الحديثة هو دستور الولايات المتحدة. إلا أن المسلمون يرون غير ذالك، فالدستور المكتوب الأول هو تلك الوثيقة التي أعدها محمد صلى الله عليه وسلم لتنظيم أحوال دولة المدينة بعد أن انتقل إليها من مكة، فقد تضمنت بنود تتحدث عن الوحدة الإسلامية، التكافل الاجتماعي وتنظيم القضاء ووضعية الأقليات الدينية، كما نصت على العديد من الحقوق والحريات ومنها حرية العقيدة والرأي وحق الملكية و الأمن والسكن، فكان بذالك أول الدساتير الذي اعترف بحقوق الإنسان.

المطلب الثاني: أهمية الدستور في الدولة الحديثة

يكفل الدستور في الدولة الحديثة كونه العقد الاجتماعي حماية حرية المواطنين وحقوقهم من اعتداءات الدولة لما تتمتع به من سلطة ونفوذ. كما يهدف الدستور إلى ضمان المساواة والعدالة بين أفراد المجتمع هذا من جهة، من جهة أخرى يعتبر الدستور بمثابة القانون الأساسي للدولة باعتبارها شخصاً معنويا من جهة. كما أن للدستور دوراً مهماً في تحديد من له الحق التصرف باسمها ولحسابها من جهة أخرى. هذا وقد جرى الفقه التقليدي، من عهد مانتسكيو، على التميز بين وظائف الدولة الثلاث، التشريعية و التنفيذية و القضائية. حيث يتكفل الدستور بتنظيم السلطات العمومية، فتسند مهمة سن القوانين إلى الوظيفة التشريعية، أما الوظيفة التنفيذية فتتحدد مهمتها في تطبيق القوانين موضحة أبعادها من خلال ما تصدر من لوائح، أما الوظيفة القضائية فدورها ينحصر في فض المنازعات معتمدة على القانون. وهكذا فالدولة الحديثة تنبني على وجود قانون يسمو على وظيفة الحكم، يحدد سلطات الدولة ويسند لها اختصاصاتها ويرسى الضمانات الضرورية للمواطنين في مواجهة تعسف الحكام لهذا اعتبر الدستور بمثابة العمود الفقري للحياة السياسية وكسمة أساسية للدولة القانونية. كما أن ممارسة وظائف في السلطة ليس امتياز و إنما يؤدون وظيفة حددها الدستور وبهذه الدستورية تنتقل آثار تصرفات الحكام إلى الدولة ولا تعتبر تلك الوظائف التي يمارسنها حقوقا شخصية، يمكن التنازل عنها أو التصرف فيها.

المبحث الثاني: أهمية سمو الدستور على باقي القوانين

المطلب الأول: السمو الموضوعي و الشكلي للدستور

كما ذكرنا في المبحث السابق أن الدستور هو الضامن لحرية المواطنين وحقوقهم من اعتداءات الدولة و لكفالة ذلك يجب اعتماد مبدأ سمو الدستور، الذي يضمن الفصل بين السلطات وشرعية الحكم. فاعتبار أن الدستور أسمى القوانين في الدولة يعني أنه لا يجوز لأية سلطة مهما كانت قوتها أن تتخطى أحكامه فهو المقيد الأعلى للسلطة السياسية وهو الضامن لمبدأ الفصل بين السلطات الذي يراد به ما أثبته الواقع من أنه كلما ركزت السلطة في يد شخص إلا واستغلها بطريقة تؤدي إلى إلغاء حريات الغير، هذا ولما كانت قواعد الدستور تتضمن كل هذه المبادئ فإنه من الطبيعي أن يسمو محتواه على كل القواعد القانونية الأخرى فممارسة السلطة في الدولة المعاصرة من طرف الهيئات و الأشخاص لابد أن تستند إلى النصوص الدستورية التي تحدد الوظائف في الدولة وحدوها وكيفية ممارستها. كما أن الدستور يتطلب إعداده وتعديله إجراءات استثنائية تختلف درجة تعقيدها بحسب مرونة أو جهاد الدستور، حيث تنتفي سيادة الدستور إذ تمكنت السلطة التشريعية أن تعدل النصوص الدستورية بنفس الإجراءات التي يعدل بها القانون العادي فتفقد قواعده الثبات والاستقرار.

المطلب الثاني: ضرورة حماية الدستور

نعني بحماية الدستور خضوع جميع النصوص و القواعد والأحكام له، والتي تقل عنه درجة، فهذه الحماية تجعل تصرفات السلطات منسجمة مع أحكام الدستور، وتدعيم المشروعية في الدولة بحيث أي تصرف مخالف للقانون صادر عن السلطات الحكومية يجب اعتباره مجرداً من القيمة القانونية.

بعبارة وجيزة يمكن القول أن حماية الدستور تتمثل في مجموعة من الوسائل القانونية الموجهة لضمان تطابق أحكام القانون العادي مع الدستور، فالواقع السياسي يبين أن أغلب دول العالم الثالث تتوفر على دساتير ديمقراطية إلى حد ما. لكن البحث في واقعها السياسي يسمح لنا بمعرفة أنها دول تقوم بسلوكيات لا تمد بصلة بالممارسة الديمقراطية من تعسف في استعمال السلطة واحتكارها، وهذا أساساً ناتج إما عن عدم تطبيق الدستور أو عن وجود تشريعات مخالفة لهذا الدستور نتيجة لغياب الآليات التي تسمح بمراقبة مدى دستوريتها، أو وجود آليات تفتقر إلى عامل الفعالية، وهذا حال الكثير من دول المعمورة أين يبقى الدستور بما يحمله من مبادئ عليا للمساواة وحقوق الأفراد عبارة عن حبر على ورق.
فلا يكفي في أي دولة صيغة دستور جيد، إنما المهم هو أن تنسجم جميع التشريعات مع أحكام الدستور وتأتي مطبقة لأحكامه مجسدة لروحه.

المبحث الثالث: المبادئ المترتبة عن سمو الدستور وعلوه

المطلب الأول: ثبات القواعد الدستورية

إن من أهم ميزات القواعد الدستورية هو ثباتها، وهذا الثبات نسبي لأن إطلاقه يتجافى و المنطق و التطور، فهو يقتصر على ضرورة مراعاة إتباع إجراءات خاصة عند تعديلها، بما يكفل استقرار الدستور وعدم جعله وسيلة في يد الحكام يفسرنه حسب مقاسهم تبعاً لأهوائهم ونزواتهم الشخصية، إذن هذه النتيجة تعني أنه لا يمكن تعديل أو إلغاء القوانين الدستورية إلا بقوانين لها ذات الدرجة و المرتبة غير أن هذه القاعدة لا تطبق إلا في السلم.

أما في حالة الحرب فالرئيس الجمهورية بصفته قائد الأمة الحق في تجميد الدستور و العمل بالأحكام العرفية. كما أن طول ثبات القواعد الدستورية تعكس مدى تحضر الدولة و قدمها في الديمقراطية. فالولايات المتحدة الأمريكية و فرنسا لم تعدل دستورهما إلا في مرات قليلة عكس العالم الثالث أين يتغير الدستور بقدوم رئيس جديد.

المطلب الثاني: تقرير مبدأ دستورية القوانين.

المتفق عليه أن المراحل التي تمر بها عملية التشريع حتى تكتسب صفة القانون يجب أن تكون متماشية مع أحكام الدستور، كما أن تطبيق هذا المبدأ يؤدي إلى تقرير مبدأ التزام السلطات العامة في الدولة و أعمالها بنصوص الدستور و السؤال الواجب طرحه: إذ حدث أن صدر قانون مخالف للدستور فكيف نكفل ضمان احترام أحكام الدستور و إلغاء هذا النص المخالف ، ومادامت السلطة التشريعية هي صاحبة الاختصاص في التشريع وفقا للدستور فلا يعقل أن تقوم بمراقبة نفسها، لذلك وجب وضع نظام مراقبة تتكفل به هيئة مستقلة إلا أن مراحل عملية التشريع يمكن أن تشوبها أما عيب شكلي أو موضوعي أو هما معا.

العيوب الشكلية: من العيوب الشكلية الأساسية عدم مراعاة مجال الاختصاص و الإجراءات التي يجب إتباعها لسن التشريع، ففيما يتعلق بعدم مراعاة قواعد الاختصاص يمكن القول بأن المؤسسة التشريعية في الدولة هي صاحبة الاختصاص في التشريع و إن إصدارها يعود إلى المؤسسة التنفيذية و رغم هذا للسلطة التنفيذية حق تشريع اللوائح الفرعية، فإن كان موضوع هذه اللوائح يمس إحدى مجالات القوانين فهذا يعتبر عيب اختصاص. أما فيما يتعلق بعدم مراعاة الإجراءات المحددة من قبل الدستور فيمكن ذكر أهمها و المتمثلة في عدم توافر النصاب المحددة لصحة اجتماع البرلمان و عدم موافقة الأغلبية المطلوبة دستوريا.
العيوب الموضوعية:و هي خروج التشريع على روح ومحتوى الدستور أو إنكار حق من الحقوق المقررة فيه.

المشرع في الحاضر والمستقبل.

وثمة أسئلة جوهرية لابد من طرحها من وجهة النظر العلمية البحتة.
السؤال الأول والمحوري هو: هل توجد مبادئ حاكمة للتشريع تكون السلطة التشريعية مقيدة بها وتضفى على عملها صفة المشروعية؟ الإجابة على هذا السؤال طبعا بالإيجاب إذ إن السلطة التشريعية تتقيد في تشريعاتها بقواعد الدستور النافذ وإلا صدرت معيبة بعيب عدم الدستورية ولكن هذه الإجابة على بساطتها لاتقدم حلا لمشكلة المشروعية في كل جوانبها إذ يبقى سؤالان جوهريان* أولهما عما إذا كانت هناك مبادئ أسمى من نصوص الدستور المكتوبة حاكمة للعملية التشريعية؟ والسؤال الثاني: هل يمكن أن يعاب على التعديل الدستوري اللاحق بعيب عدم الدستورية لمخالفته هذه المبادئ الأسمى؟

التأسيس للمبادئ العليا

من الناحية التاريخية كانت صياغة مبادئ عليا تسمو على القانون الوضعي النافذ أحد الهموم التي انشغل بها الفكر القانوني والسياسي في مختلف العصور* كان الإلحاح على صياغة هذه المعايير العليا يشتد في الأوقات التي يتوحد فيها التشريع مع إرادة السلطة السياسية على نحو لايسمح لاشواق الناس العاديين عن العدل والحرية أن تجد تعبيرا عنها بشكل كامل في التشريع الوضعي* كان البحث في القانون الطبيعي الذي يسمو على القانون الوضعي ويضفى عليه المشروعية أحد أبرز إسهامات الفكر القانوني والسياسي في الارتفاع بفكرة المشروعية عن المستوى القانوني الوضعي لتكسب طابعا فلسفيا يسهم في نزع رداء المشروعية عن القانون الظالم ولو كان صادرا وفقا لمعايير الشرعية الشكلية المعتمدة وفى هذا الإطار تندرج أفكار أرسطو عن القانون الطبيعي* وأفكار القديس توماس الأكوينى عن القانون الأزلي والإلهي والطبيعي* وأفكار جان جاك روسو وجون لوك عن العقد الاجتماعي* وأفكار فقهاء المسلمين عن المقاصد الشرعية* باعتبارها جميعا أفكارا تهدف إلى تقييد السلطة التشريعية الوضعية حتى لاتكون مطلقة اليد في أمور التشريع استنادا إلى إرادتها المطلقة.

الجهد الفقهي المعاصر

على أن ابرز المحاولات المعاصرة في تأكيد سمو العدل على التشريع تتمثل في الجهد الفقهي البارز الذي بذله العلامة الفرنسي ودجى الذي يقول في عبارة بليغة "كلما تقدمت أبى السن وزدت دراسة للقانون وتعمقا فيه ازددت اقتناعا بأن القانون لم تخلقه الدولة* بل هو شيء خارج عنها* وبأن فكرة القانون مستقلة كل الاستقلال عن فكرة الدولة* وبأن القاعدة القانونية تفرض طاعتها على الدولة كما تفرض طاعتها على الإفراد. ويخرج ودجى من ذلك بنتيجة مؤداها أن الدولة تخضع لقاعدة قانونية أعلى منها* لاتملك لها خلقا ولا تستطيع لها خرقا. يريد دوجى أن يقول لنا إن سلطة التشريع التي تمارسها الدولة الحديثة محكومة بقواعد قانونية أعلى غير مكتوبة* قواعد مستقرة في الضمير الاجتماعي أو ما يطلق عليه مبدأ التضامن الاجتماعي* ولا تستطيع الدولة أن تتحلل منها بمقولة إطلاق سلطتها التشريعية ولو كانت هذه السلطة الأخيرة سلطة الأغلبية.

الجهد الفقهي المصري

في منتصف القرن الماضي حاول فقيه مصر البارز عبد الرزاق السنهوري أن يصوغ نظرية حاكمة للسلطة التشريعية فنشر بحثا بعنوان (مخالفة التشريع للدستور والانحراف في استعمال السلطة التشريعية - مجلة مجلس الدولة 1952) نتوقف فيه عند مفهومه عن الانحراف في التشريع* والفرض هنا أن التشريع قد صدر شكلا موافقا لأحكام الدستور المكتوب ولكن السلطة التشريعية قد انحرفت به عن ضوابطه الحاكمة المتمثلة في مجموعة من المبادئ غير المكتوبة التي تنطبق على التشريع العادي والدستوري على حد سواء.

معايير تقييم التشريع

ماهى المعايير التي يقترحها السنهوري للقول بوجود انحراف في استعمال السلطة التشريعية؟

يتوجس السنهوري من تطبيق معيار استهداف المصلحة العامة على إعمال السلطة التشريعية ويفضل تبنى معايير أكثر موضوعية لتقييم التشريع:

المعيار الأول يرجع إلى طبيعة التشريع ذاته بأن يكون في جوهره عاما مجردا فإذا صدر التشريع مفتقرا في الواقع إلى صفة العمومية والتجريد حتى ولو كان في ظاهره عاما مجردا فهو تشريع باطل. يقول السنهوري "ومعيار الانحراف هنا معيار موضوعي بحت إذ لسنا في حاجه إلى الكشف عن النوايا المستترة التي اقترنت بهذا التشريع* وحسبنا إن نثبت انه لم يطبق إلا في حالات فردية بالذات وأن هذا كان واضحا كل الوضوح للبرلمان عند إصداره له".

المعيار الثاني إن يحدد الدستور للمشرع غرضا معينا فيتجاوز المشرع الغرض الذي رسمه الدستور له. مثال ذلك إذا حظر الدستور وقف الصحيفة أو إلغاؤها إلا لوقاية النظام الاجتماعي* فإذا جاء المشرع ليتوسع في مفهوم وقاية النظام الاجتماعي توصلا إلى التوسعة في وقف الصحف أو إلغائها كان منحرفا في استعمال السلطة التشريعية.

المعيار الثالث يتمثل فيما إذا خرج المشرع عن كفالة الحقوق والحريات العامة وقام بتقييدها تحت ستار التنظيم.

على أن أهم المعايير من وجهة نظرنا أن يخالف المشرع مبادئ الدستور العليا والروح التي تهيمن على نصوصه (نظرية القانون الأعلى) فإذا كان الدستور يعلى من قيمة الفردية وجاء المشرع ليبخس الفرد حقه دون مقتض* أو كان الدستور يكرس نظام التعددية الحزبية وجاء المشرع ليكرس هيمنة حزب واحد على باقي الأحزاب أو كان الدستور يضع السلطة القضائية في وضع مستقل وجاء المشرع بنصوص تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على هذا الاستقلال* في مثل هذه الحالات وغيرها يعتبر المشرع منحرفا في استعمال السلطة التشريعية لمخالفته روح الدستور ومبادئه العليا.

والملاحظ على السنهوري في بحثه هذا تردده وإحجامه عن صياغة معايير للانحراف في استعمال السلطة في نوايا المشرع المضمرة* وهذا موقف مفهوم في وقت لم يكن قد تبلور فيه فقه الرقابة الدستورية بعد* ومع ذلك فلاشك في إن نظرية السنهوري قابلة للتطوير في ضوء مستجدات الفقه الدستوري ومعطيات السياسة. لحظة الدستور هي لحظة فارقة في حياة الشعوب؛ تجتمع فيها ودون مقدمات جميع الفئات والطوائف والشرائح الاجتماعية على أمل التغيير، ورغبة في التوافق على ميثاق يضمن للجميع حقوقه وحرياته، وينظم العلاقة المشتبكة بين الحكام والمحكومين.

ولا نحتاج للحديث عن ضرورة الدستور، ليس كوثيقة مكتوبة أو متواضع عليها فقط، إنما كمعنى يجمع الشعب ويضع الحدود بين ما للفرد وما عليه، وما يجوز للحكومة وما لا يجوز لها؛ وهو ما أقر به الفكر الإسلامي المعاصر،

الختام

وما يهمنا قوله في الختام إن سلطة المشرع ليست سلطة مطلقة في التشريع* وان الأغلبية البرلمانية التي تسيطر على المجلس التشريعي ليست مطلقة اليد* بل هناك قيود وضوابط تتمثل في الالتزام بمعايير عليا سواء عند وضع التشريع العادي أو الدستوري. ومن هنا فلا مانع في نظرنا أن توصف بعض نصوص الدستور بأنها نصوص غير دستوريه إذا شابها عيب من العيوب السابقة رغم مفارقة أن يكون الدستور غير دستوري. وتبناه الفكر الإنساني أجمع.

فالدستور كتاب فريد لا يشبهه أي كتاب، فهو ليس كتاب عظة أو عبرة أو قيم أو أخلاق، إنما هو كتاب حقوق، تسعى فيه الشعوب إلى تثبيت حقوقها في مواجهة الدولة، ولذلك نظر إليه الناس باعتباره عقدا بين الحاكم والمحكوم، لأن الدول الحديثة، بما لديها من أجهزة قهر وتسلط، تميل إلى التغول على الحقوق والانتقاص من الحريات الأساسية للأفراد، فكان أن تواضع الناس على التوافق على دستور يعلن على الناس حقوقهم، ويقيد سلطات الدولة عن الاعتداء على تلك الحقوق. ومع ذلك وجدت بعض الديكتاتوريات وسائل للالتفاف على الغاية من الدستور لإفراغه من معناه وقيمته، فشغلت الناس بجدل عقيم بشأن الهويات، رغم أنها لم تكن محلا لتشكيك، بينما عندما تتناول حقوق الأفراد وحرياتهم الأساسية تقرنها بشروط تؤدى لإفراغها من مضمونها، كشرط النظام والآداب العامة، أو تفويض المشرع الذي تحكمه الأغلبية البرلمانية في تحديد مضمون تلك الحقوق، ومدى هذه الحريات، بما يسمح للأغلبية أن تعيد صياغة مدى الحقوق والحريات تبعا لأهوائها، كما حدث في تاريخنا القريب. وما نطالعه يوميا من نقاشات فضائية وصحفية حول الدستور لا يبشر أبدا بدستور يتلاقى وتطلعات المصريين في القرن الواحد والعشرين؛ بل يشى بأن مهمة وضع الدستور أضحت بين أيدي هواة لا يقدرون قدر ما يحملونه من أمانة؛ فانحصر نقاشهم حول لجنة وضع الدستور في نسبة تمثيل أعضاء البرلمان، وحصة تمثيل الآخرين، وكأن المجتمع أضحى فريقين، برلمانا وعوام الناس؛ بينما أن الأولى بهم أن يهتموا بتقرير معايير موضوعية لاختيار أعضاء الجمعية التأسيسية، لا محاولة السعي للحصول على أكبر حصة لكل فصيل برلماني؛ فكان يغنى عن ذلك الجدل النفعي وضع معيار واضح لتمثيل القوى السياسية في الجمعية التأسيسية، بغض النظر عن وجودها في البرلمان من عدمه، وبغض النظر عن أوزانها السياسية، فالدستور هو وثيقة التوافق بين الجميع وليس غنيمة يختص به المنتصرون في مباراة المقاعد البرلمانية.

ولم ينتبه هؤلاء في نقاشهم الحاد الذي تقوده الرغبة في المحاصصة، وتعظيم حصة كل فئة منهم، إلى أن أول شرط في عضو الجمعية التأسيسية أن تتوافر فيه الحيدة، وأن يتمثل ضمير المجتمع، ويتخلص من انتماءاته الحزبية والفئوية والطائفية. فإذا كان الأصل أن نائب مجلس الشعب ينفصل عن دائرته بمجرد انتخابه فيصبح نائبا لكل الأمة، وليس لقاطني دائرته فقط، فما بالنا بعضو اللجنة التأسيسية الذي يجب أن يراعى مصالح كل الشعب بكل فئاته، بغض النظر عن انتماءاتهم، بل ومصالح الأجيال القادمة، فهو يمثل مصالحهم وهم مازالوا في علم الغيب! وليتخذوا من لجنة وضع دستور 1923 قدوة، فرغم أن الزعيم سعد زغلول نعتها بأنها لجنة الأشقياء، ورغم أن ثلاثة من أعضائها كانوا يهودا، فإنها لم تكتف بوضع دستور مدني عالي المستوى، يحصن الحقوق والحريات، بل هي نفسها من وضعت أول نص في دستور مصري يقرر أن دين الدولة الإسلام، في وقت لم يكن الإسلام السياسي ممثلا في أي من مؤسسات الدولة، بل لم يكن موجودا في الشارع السياسي، بعد أن استشعرت عظم مهمتها، وأنها لجنة الوطن، وليست لجنة فصائل سياسية معينة. وكان من الواجب على اجتماع البرلمان بغرفتيه، لتأكيد مفهوم الحيدة، أن يبدأ بوضع شروط واضحة وقاطعة بشأن عضوية الجمعية التأسيسية حتى لا يصبح في عضويتها أمثال أولئك الذي يجملون وجوههم ويكذبون على شعوبهم، وربما يأتي في أول تلك الشروط أن يتنازل من سيصبح عضوا بالجمعية التأسيسية عن أي منصب سياسي، أو وظيفة تنفيذية عامة، ويلتزم بألا يشغل أيا من تلك المناصب لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات بعد إقرار الدستور، لتنتفى شبهة الأغراض النفسية والمنافع الشخصية. وقبل السعي لتأكيد عضوية برلمانيين في الجمعية، والتنازع حول حصتهم، كان من الواجب التوافق على مجموعة من المعايير التي تضمن تمثيل كل المجتمع بمكوناته المختلفة، دون النظر إلى حجمهم السكاني أو التصويتى، أو نفوذهم السياسي، فبتلك الطريقة فقط يمكن تمثيل جزء عزيز من شعب مصر، هم أهل النوبة، وجزء غالٍ من أرضها مثل سيناء، وبراري الصحراء الغربية.

الغرض مرض، كلمة دقيقة أطلقها صوفي في عصر سابق، لكنها تعبر عما نعانيه في مرحلتنا من تنازع وتزاحم حول كل شيء باعتباره من غنائم معركة فاز فيها من فاز وانكسر فيها من انكسر، وآن للفائزين أن يقرروا مصير الجميع. ولو يدرك أولئك المتزاحمون على كعكة السلطة والنفوذ، والذين يعتبرون الجمعية التأسيسية جائزة للفائز في انتخابات البرلمان، أنه لا يوجد أمامهم أي كعك، إنما فراغ حقيقي للسلطة يهدد الوطن، ويجب أن نتوافق فيما بيننا حتى نملأه بنظام سياسي ديمقراطي وعادل؛ وإلا سيملؤه آخرون بنظام سياسي ديكتاتوري عات، وعندها لن ينفعنا الندم على فرصة ذهبية وهبها الله لنا، ففرطنا فيها لمغانم قريبة، ومنافع زائلة.

كاتب المقال
دكتور في الحقوق و خبيرفي القانون العام

9.00/10 (1 صوت)

أضيف في : 03-17-2012 09:14 PM | إرسال لصديق طباعة حفظ بإسم حفظ PDF

جديد كتاب الديوان رايح اجيب الديب من ديله‎ «الديوان» خسئت يا موشي يعلون «الديوان» حكومة التوافق.. بين التسلم.. وحتي التسليم!! «الديوان» جيهان السادات.. ذاكرة صديقة للبيئة «الديوان» الطير المهاجر «الديوان» ما سر حضور الأساطير في الفلسفة؟ «الديوان» قصة العرب والجنس «الديوان» تناذر إسكتلندا «الديوان» مستغانمي لا تقرأ الا لي «الديوان» حركة فتح... أين.. وإلى اين؟؟ «الديوان»




أصدقاؤك يفضلون
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الديوان