كشفت دراسة أطلقها مركز دراسات الاقتصاد الرقمي (مدار) أن حجم الإنفاق على قطاع التعليم في دول الخليج العربي قد وصل إلى 26 مليار دولار أمريكي في العام الماضي، حيث جاءت هذه الزيادة نتيجةً لالتزام دول المنطقة بتطوير أنظمتها التعليمية ؛ كما توقعت دراسات تربوية أن حجم الإنفاق على التعليم في دول الخليج العربي سيتجاوز حد ال 35 مليار دولار بحلول عام 2010 .
ومع ذلك يواجه التعليم في دول الخليج، كما جاء في إحدى الدراسات التي أعدت من قبل مجلس التعاون الخليجي، مشكلات عديدة أبرزها: القصور في بعض مدخلاته، ولا سيما بالنسبة إلى نوعية الأساتذة والمديرين، وانخفاض مستوى مخرجاته، وخاصة في بعض المهارات والمواقف .
تشير الدراسات إلى أن واقع التعليم في الدول الأعضاء يغلب عليه الجانب النظري، حيث الاستمرار في تصميم المناهج وإعداد الكتب والمواد التعليمية بالأساليب التقليدية التي تكرس حفظ المعلومات واسترجاعها عن عمليتي التعليم والتقويم، مما يقلل الاهتمام بالمهارات التعليمية العليا والبحث العلمي، إضافة إلى أن النظم التعليمية في هذه الدول تعاني من ضعف تطابق مخرجاتها وطلب سوق العمل، وافتقارها إلى المرونة للتكيف مع احتياجاته المتغيّرة، وبطغيان الصفة الجامعية على مؤسساته، ما يجعله قاصراً عن توفير التنوع المطلوب الذي يلبي الاحتياجات المتعددة لسوق العمل، إضافة إلى سيطرة التخصصات الأدبية والنظرية على برامج التعليم الجامعي حيث تبلغ نسبته الثلثين تقريباً في اغلب هذه الدول .
ولابد من الاعتراف بأن معظم الجامعات الخليجية تفتقد إلى الفلسفة التعليمية التي تحدد أهدافها وتبلور نظمها التعليمية، لافتقارها إلى دور (المفكر الجامعي الاستراتيجي) وإلى (القائد الإداري المفكر) بما يجعلها قادرة على خلق نموذجها الخاص، ورؤيتها دون استنساخ لنظم جامعية أجنبية قد لا تتطابق مع البيئة التعليمية للمكان وخصوصية هوية التعليم، ومهارات الطلبة ومخرجات التعليم الثانوي، وهذا ما جعلها بالنتيجة جامعات تدريس فقط أيّ مدارس تعليم عام تحت مسمى مؤسسات تعليم عال .
كما تعاني الجامعات في دول الخليج من مشكلات عديدة أبرزها طبيعية أهداف الجامعة ورسالتها العلمية، وهي طبيعة تقليدية لا تحتكم للمعايير العلمية، وتفتقد إلى الرؤية والإستراتيجية في بناء نظامها الجامعي، كما يختفي دور المفكر القيادي الجامعي الذي يؤسس لها إستراتيجية واضحة لمسيرتها . فقد أضحت بعض الجامعات أداة من أدوات تكريس السلطة القائمة ونظامها التعليمي، الذي يعتمد على تخريج من يملأ الفراغ في مختلف مؤسسات المجتمع بحد أدنى من المعرفة التقليدية التي لم تراجع طيلة عقود .
ومثلما تعاني الجامعة الخليجية من هذه المشكلات، فإن كليات الإعلام تأخذ من تقاليد الجامعة التقليدية الكثير من أفكارها وأنماطها، فنحن اليوم أمام كليات إعلام خارج عصر العولمة والثورة المعلوماتية، تجتر ماضي الإعلام التقليدي ونظرياته ومناهجه التي مازالت تبحث في التقنيات التقليدية للإذاعة والتلفزيون والصحافة والطباعة، وتناقش تقاليد العمل الإعلامي في فترة خمسينات القرن الماضي، رغم أننا نعيش ثورة الرقميات، ومغادرة معظم المؤسسات الإعلامية الخليجية التقنيات القديمة التي لم تعد صالحة في عصر الأقمار الصناعية وشرائح السيلكون.
ولعل أبرز التحديات التي تواجه دول الخليج العربي على الصعيد الدولي في المرحلة المقبلة تتمثل بشكل عام في استمرار تزايد الاندماج والترابط بين الدول في ظل تحرير نظام التجارة العالمية واستمرار إنشاء التكتلات الاقتصادية ومناطق التجارة الحرة وازدياد أهمية العلوم والتقنية وازدياد أهمية المكون المعرفي والتقني . وهذه المظاهر العالمية لا يمكن لهذه الدول أن تنافس فيها وتكون فاعلة ومتفاعلة إلا بوجود إعلامي مدرب وقوي يستطيع أن يعبر عن مجمل القضايا الوطنية بموضوعية وعالمية .
التحديات
وهنا لابد من تحديد الإشكاليات والتحديات التي تواجه كليات أو أقسام الإعلام في الدول الخليجية وأبرزها:
1- غياب المنهجية التي تحدد فلسفتها وأهدافها بحيث تضع لها خارطة طريق توضح لها رؤيتها الإستراتيجية وفكرها وتميزها، فنحن اليوم نعاني من غياب واضح في الرؤية المحددة للعمل الأكاديمي والتعليمي، وللخطط التكتيكية والإستراتيجية، والاهم غياب (المفكر الإداري)، وسيطرة (الإداري التقليدي) الذي تختفي في توجهاته روح الإبداع، وفكرة التحديث والتطوير . وبمعنى أدق، عندما تغيب الفلسفة التعليمية والرؤية الشاملة للجامعة كمؤسسة تعليمية، فإننا نتوقع أيضا ضعف الوحدات والكيانات المرتبطة بها، وهذا ما يحدث لكليات الإعلام العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص، حيث سيادة الفوضى بدلاً من التخطيط، والنمطية بدلاً من التجديد، والفردية بدلاً من الجماعية، والضعف بدلاً من الجودة .
2- المناهج النائمة التي تفتقد إلى روح العصر الرقمي وخصوصية المكان والزمان، فنحن اليوم نشهد استنساخاً للمناهج بين كليات الإعلام، وهو استنساخ بليد وآلي فيه قدر كبير من الاستسهال الجامد بعيداً عن الإبداع ومفهوم التلاقح الإيجابي، وهو يعكس الصورة النمطية للفكر الجامعي التقليدي، مثلما يعكس أيضا غياب التفكير المبدع في البحث عن الأفكار الخلاقة .
إن أزمة تحديث وتطوير المناهج، هي أزمة فكر قبل أن تكون مجرد منهج دراسي، وهي ترتبط بطريقة أسلوب تفكير ومنهج، لأن معظم كليات الإعلام تميل إلى صنع وجودها من الآخرين بطريقة ميكانيكية، وتستسلم لها تحت حجة خبرتها الطويلة والعريقة، مع أن هذا الكلام يفتقد إلى الكثير من المنطق والواقعية، فنحن نرى الكثير منها لا تزال مناهجها تعيش خارج العصر رغم مرور نصف قرن على تأسيسها . وهذا لا يعني أيضاً عدم الاستفادة من تجاربها الناجحة .
والملاحظ أن هذه الكليات تبتعد أحياناً عن السوق الإعلامي، وتختار الأسهل من البرامج، لأن التنوع مطلوب في التخصصات، فليست الكتابة الإخبارية هي فقط التي يمكن أن تؤدي إلى فرص عمل للخريجين، إنما هناك تخصصات أخرى تحتاجها الصناعة الإعلامية بشدة مثل الإضاءة، المونتاج على الحاسوب، والصوت، والجرافيك، والأبحاث الهادفة التي تخدم العمل الإعلامي، وكتّاب ومصممي الأفكار الإعلانية والترويج الإعلاني، ولذلك نقول إن الحاجة دائمة إلى دراسة واقعية وموضوعية للسوق الإعلامي .
إن دور الكليات غير التقليدية مسايرة العصر لتخريج (الإعلامي الشامل) القادر على أداء ولعب أكثر من دور في العمل الإعلامي، بحيث تكون لديه القدرة على الصياغة والتصوير وإرسال رسالة قصيرة بمضمون الخبر وتسجيل حوار مع المصادر، وهو ما يطلق عليه ثقافة One Man Unit (الرجل الوحدة) .
3-التدريب: تعاني كليات الإعلام من غياب فلسفة للتدريب والتأهيل، وعدم وجود خطة واضحة لها، تأخذ بنظر الاعتبار حقائق الميدان الإعلامي ومتطلباته، وخصوصية كليات الإعلام التي تعتمد في الأساس على التطبيقات العملية، ومن دونها لا يمكن أن تصنع الإعلامي المطلوب، وهذا يعني اهمية ايلاء التطبيقات العملية في المناهج الدراسية، فبالقدر الذي نلمس فيه أن كافة الجامعات العالمية والدولية الكبرى تسعى إلى تعديل برامجها الدراسية (خصوصاً في المراحل الدراسية لمرحلة البكالوريوس) إلى تقليص الدور التنظيري الأكاديمي في البحث وإلى مزجه مع الدور التطبيقي الممارس، نجد جامعاتنا العربية بما فيها الجامعات الخليجية لا تزال خطواتها محدودة في هذا الجانب . والمطلوب تخصيص حصة أكبر في البرنامج الجامعي لتخصصات تطبيقية ومهارية .
ولابد من الاعتراف بأن هناك محاولات جيدة في مجال التدريب لكنها ما زالت عاجزة عن تحقيق اهدافها الحقيقية، وهي أهداف صناعة الإعلامي الرقمي المرتبط بالعصر، والأزمة تكمن في غياب الفلسفة والرؤية للجامعات .
ومن دون شك فإن هناك إشكاليات في التدريب، داخلياً وخارجياً، فمعظم الكليات تعاني من نقص واضح في إمكاناتها التكنولوجية والفنية على صعيد توفير المعدات والأجهزة المتطورة، وبعضها لا يزال يعمل في استديوهات ومختبرات تقليدية، بحيث يجد الطالب نفسه في مأزق أثبات الوجود عندما يعمل في المؤسسات الإعلامية بعد التخرج . أما خارجياً، فهناك أكثر من إشكالية في العلاقة بين كليات الإعلام والمؤسسات الإعلامية، تتلخص بأن هناك عدم فهم مشترك للشراكة الحقيقية، والتباس في معنى فلسفة التدريب وهدفه، وعدم وجود خطة لتدريب الطلبة سواء كانت داخل المؤسسة الأكاديمية أو الإعلامية، ولهذا يرى بعض خبراء الإعلام ضرورة أن تعيد أقسام الإعلام في دول الخليج إعادة هيكلة أقسامها الإعلامية بهدف تخريج الإعلامي المهني الكفء، وذلك لمواجهة الاتهامات التي يتقول بها الإداريون في المؤسسات الصحافية، ويزعمون بأن هذه الجامعات تخرج صحافيين مدججين بالجهل والافتقار إلى الحرفية في تخصصهم الإعلامي . وهذا لايتم إلاّ عبر وضع برامج تدريبية وتعليمية عالية المستوى تدحض اتهامات المؤسسات الصحافية . وتبادر الجامعات بالرد على هذا التقصير بمخرجات على درجة عالية من المهارة والأداء الجيد الذي يرتفع بالعملية الصحافية والإعلامية إلى مستوى التحديات التي يواجهها الإعلام الخليجي في عصر العولمة والكونية .
يضاف إلى ذلك، الدعم المباشر من المؤسسات الإعلامية للمؤسسات الأكاديمية في مجال التجهيزات التقنية والفنية وإقامة مختبرات وغرف أخبار في الجامعات وتوفير مدربين من أصحاب الخبرة، لتلعب دور (الحاضنات) التي تسبق مرحلة انطلاقهم في سوق العمل . مع ضرورة تبادل الخبرات وتحقيق التواصل بين طلاب أقسام الإعلام بجامعات دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وإيجاد جسور التواصل بين أقسام الإعلام في الجامعات المختلفة في مجال التدريب وسوق العمل .
باختصار هناك إشكالية غياب ثقافة الهدف من التدريب في المؤسسة الاكاديمية والإعلامية، فالتدريب الإعلامي يجب أن يقوم على أسس معلومة يتم فيها جمع المعلومات لا عن المناخ الذي يعمل به الإعلامي فقط، لكن عن احتياجاته التدريبية ونقاط ضعفه التي يجب معالجتها، إلى جانب انتقاء العناصر التي ستحقق أعلى استفادة من التدريب وليست عناصر عشوائية، وأعتقد أن غياب المفهوم الإعلامي الصحيح للتدريب سيؤدي إلى وجود مخرجات إعلامية ضعيفة وسوق عمل غير معياري وصحافي تنقصه الوسائل التي تمكنه من أداء عمله بحرفية عالية .
ولابد من الاعتراف أيضا بوجود خلل في المؤسسات الأكاديمية والإعلامية، فالأولى تفتقر إلى الربط بينها وبين سوق العمل والاستمرارية (المحدثة للتراكم) وقائمة على التلقين والنقل والاقتباس والمحاكاة للدراسات الغربية، ولا تقوم بأية دراسات جادة تجيب عن الأسئلة الجوهرية التي يطرحها الواقع العربي، وفيها تهميش وغياب للرؤية النقدية، وتهميش للأفراد المبدعين والجادين إضافة إلى قلة المدربين المحليين . أما المؤسسات الإعلامية فإنها تعاني أزمة مركَّبة على ثلاثة مستويات: أكاديمي ومهني وعلى مستوى الجمهور، كما تفتقر إلى المؤسسية، ما يصعب التواصل العلمي بينهما بشكل طبيعي .
4- الأستاذ الجامعي، هو الأبرز في العملية التعليمية، وربما يكون أكثر أهمية وحضوراً من زملائه في الكليات الأخرى، وله ادوار كثيرة في العملية التعليمية بجوانبها النظرية والتطبيقية . ويبدو أن هناك معايير علمية ضعيفة في اختيار الأستاذ في كليات الإعلام الخليجية ترتكز عادة على الشكل أكثر من المضمون، تأخذ صيغة المباهاة، فخريجو الولايات المتحدة والغرب هم الأوفر حظاً في الاختيار من دون اعتبارات لشروط الخبرة العملية، بمعنى أن المعايير تأخذ صفة أحادية الجانب وتغفل عوامل كثيرة أهمها: البحث والتدريب والخبرة والممارسة، وهي معايير دقيقة وذات صبغة علمية رصينة تحتاجها كليات الإعلام أكثر من غيرها .
إن كليات الإعلام لا تحتاج إلى شهادات نظرية في الإعلام، إنما تحتاج الأستاذ الممارس الذي عاش داخل المؤسسات الإعلامية، ومارس العمل الإعلامي بكل تفاصيله، والقادر على توصيل خبراته النظرية والعملية معاً إلى طلبته . ومن المؤسف أن نجد الكثير من حاملي الشهادات العليا، ومن خريجي جامعات عالمية لم يمارس طيلة حياته الكتابة الصحافية والإذاعية، وأحياناً لا يجيد كتابة خبر صحافي من عدة أسطر بشكل علمي، ويفتقد الحضور الإعلامي كمساهم أو خبير أو كاتب . مثلما تختفي معايير أخرى للأستاذ كباحث علمي ومدرب وصاحب خبرة، وهي إشكالية كبيرة ساهمت بشكل واضح في تدني المستوى العلمي لهذه الكليات، وأضعفت جودة مخرجات التعليم، وصناعة الإعلامي المتميز .
5- الطالب، هو الركن الآخر من العملية التعليمية، حيث مخرجات التعليم الثانوي ساهمت في بناء طلبة يتمتعون بثقافة ضعيفة لا تلبي انتقالهم إلى الجامعة، وبالذات إلى كليات الإعلام، ولكن الظروف العامة ساعدتهم على أن يكونوا في هذه الكليات لأسباب عديدة منها موضوعية وغير موضوعية .
والملاحظ أن كليات الإعلام الخليجية تقبل الطلبة بمعدلات أقل بكثير من الكليات الأخرى، رغم أن هناك بعض الجامعات العربية والعالمية لا تقبل إلا أصحاب المواهب العلمية والثقافية، وأصحاب الدرجات العليا التي قد تصل أحيانا إلى أكثر من (90%) .
لا شك أن إعداد وتأهيل الطلبة ضعيفي الثقافة والموهبة والاستعداد عملية عسيرة للكليات بسبب خصوصية تدريس الإعلام بشقيه النظري والعملي، وحاجته إلى قدرات مهيأة لدخول هذا التخصص، ومدارك معرفية مقبولة، والاهم الرغبة والاستعداد للعمل الإعلامي، لأن الكثير منهم يختار هذا التخصص باعتباره تخصصاً سهلاً أو بسبب ضعف معدله في الثانوية، وبالتالي فإن الصورة تبدو مؤلمة، حيث جيش من الطلبة الخريجين العاطلين عن العمل ترفضهم المؤسسات الإعلاميّة .
6- لغة التدريس، وهي مشكلة خليجية بامتياز، حيث أصبحت كليات الإعلام تتسابق في جعل الدراسة باللغة الانجليزية، تحت حجج العولمة وريادية وانتشار هذه اللغة رغم أن سوق العمل الإعلامي يتعارض مع هذا الاتجاه، ومع أن بلداناً كثيرة متطورة تحرص على أن تكون الدراسة بلغتها الاصلية كاليابان و”إسرائيل” والصين وغيرها، إلاّ أننا نصر على قتل لغتنا العربية في أوطاننا، وقتل شبابنا بطريقة جلد الذات، دون مراعاة خصوصية هويتنا وثقافتنا، وبالتالي فإن هذه الكليات تخرج طلبة لا يجيدون أحيانا اللغتين الانجليزية والعربية، ولا حتى كتابة خبر صحافي أو تقرير صغير .
ول اندري هل أن خريج هذه الكليات سيعمل في صحيفة (الواشنطن بوست) و(نيويورك تايمز) و(التايمز اللندية) أم في صحف الخليج التي تفتقر بشكل واضح إلى مواطنيها!
إن الدفاع عن اللغة العربية لا يلغي الحقيقة بأن طلبة الإعلام لابد أن يمتلكوا مهارات اللغة الانجليزية للتعامل مع التكنولوجيا الرقمية ومع مصادر الأخبار الدولية، أو حتى العمل في وسائل الإعلام باللغة الانجليزية، ولكن ينبغي أن تكون العربية هي لغة الدراسة الأساسية وأن تكون اللغة الانجليزية هي اللغة الثانية وليس العكس!
ويجب أن يلتفت القائمون على شؤون التعليم لقضية اللغة في ما يتعلق بالدراسات الإنسانية والاجتماعية، فمن الخطأ الشنيع أن يتم تحويل الدراسة في هذا المجال من اللغة العربية إلى اللغة الانجليزية، فاللغة أولاً وثانياً وأخيراً هي هوية وحضارة ووجود .
من الإنصاف بالقول وجود تطور واضح في بعض كليات الإعلام الخليجية، من ناحية تحديث المناهج، أو من ناحية امتلاك المعدات والأجهزة المتطورة قياسأً بالكثير من الدول العربية، مثلما للبعض الآخر فلسفة تعليمية ورؤية شاملة تمكن هذه الكليات من عملية التحديث المستمر، وترسيخ التقاليد العلمية لها من خلال المعايير التي تضعها في اختيار المنهج و الأستاذ والطالب، وبدون شك وأن بعض هذه الكليات استطاعت أن ترفد المؤسسات الإعلامية الخليجية بطاقات شبابية إعلامية متميزة، بعضهم أصبح له حضور قوي في وسائل الإعلام، مثلما أصبح البعض الأخر نجوما في الفضائيات من خلال نشرات الأخبار وتقديم البرامج وإعدادها أو من خلال المراسلين، وبعضهم أصبح أيضا يعمل في المجال الفني والتقني كالتصوير والإخراج والمونتاج الرقمي . . الخ .
ومن الإنصاف القول إن بعض كليات الإعلام في دولة الإمارات استطاعت أن ترسخ لنفسها تقاليد جديدة قريبة من العصر وملبية لسوق العمل، من خلال برامج جديدة تحتاجها المؤسسات الإعلامية، حيث الأساليب المبتكرة في التدريب، واستحداث مساقات دراسية رقمية يحتاجها رجل الإعلام العصري .
ولعل كلية الإعلام في جامعة عجمان، ووفق فلسفتها ورؤيتها التعليمية، ونظام التحديث والتطوير، قامت بتقويم مناهجها ونظامها الدراسي وفق منطق العصر وحاجات السوق الإعلامي، وهي في برنامجها الجديد الذي اعتمد في بداية عام 2009 من قبل وزارة التعليم العالي، تطرح رؤية عصرية لكلية الإعلام، وفق فلسفة شبكة الجامعة وهي:
1- استحداث فروع جديدة للإعلام الذي يعتمد على فلسفة العصر الرقمي ومتطلباته، وحاجة السوق الإعلامي كالتصميم الجرافيكي والصحافة الإلكترونية .
2- إدخال عشرات المساقات الدراسية الجديدة، منها مساقات في الإعلام الرقمي كالمونتاج والإعلان والتصوير والإنارة، إضافة إلى مساقات إعلامية جديدة في مجال الإعلام والعلاقات العامة .
3- زيادة عدد الوحدات التدريبية، وعقد شراكات مع المؤسسات الإعلامية التي من شأنها تأهيل الطلبة للدخول إلى سوق العمل الإعلامي باقتدار .
4- إعادة النظر بالخطة الدراسية بما يحقق تطوراً في العملية التعليمية ومخرجاتها، وتقترب من حاجات المؤسسات الإعلامية وتطلعاتها المستقبلية .
5- التأكيد على اللغة العربية باعتبارها لغة الدراسة الرئيسية في الكلية، وهي تعكس فلسفة الجامعة وقيمها العلمية التي تستند على أهمية المحافظة على الهوية وخصوصية المجتمع وحاجة السوق الإعلامي، باعتبارها الأداة الضرورية للإعلامي الناجح، ومن دون اجادة هذه اللغة تنتفي قدرته على الابداع . وقد قوبل هذا التوجه من قبل وزارة التعليم العالي بالرضا والاستحسان باعتباره يعكس توجهات القيادة في دولة الإمارات بخصوص الحفاظ على الهوية الوطنية .
6- التأكيد على مهارات اللغة الانجليزية كلغة ثانية كونها ضرورية للإعلامي وهو يتعامل مع التقنيات الإعلامية الرقمية ومصادر الاخبار العالمية، أو العمل في وسائل الإعلام المحلية والأجنبية الناطقة باللغة الانجليزية . ومع ذلك فقد تم استحداث قسم (الترجمة للإعلام) في كلية المعلومات والإعلام والعلوم الإنسانية لكي يلبي رغبة من يريد العمل في هذه الوسائل الإعلامية .
وباختصار شديد، فإن تنشيط كليات الإعلام في الجامعات الخليجية وتطويره لا يتم الا بوجود نظام تعليم جامعي متفاعل مع العصر ويحمل خصوصيات الواقع، ويبرز هوية التعليم دون استنساخ، من خلال فلسفة تعليمية تقوم على مبدأ التعليم والمعلومات والاستثمار، ووجود القائد الجامعي المفكر، مع الحاجة إلى وجود بيئة مزدهرة في هذه الجامعات تجعلها قادرة على تنفيذ فلسفتها التعليمية وبرامجها الاكاديميّة والبحثيّة، من منطلق أن الجامعة هي حاضنة الإبداع العلمي، وتطوير الاختراعات، ومركز الإبداع والتعلم، وتوليد الأفكار الجديدة، ومختبر لصناعة الإعلامي الجديد .