تغذيات RSS
|
|
بين المعداوى وفدوى طوقان
06-02-2009 07:34 PM
بين المعداوى وفدوى طوقان
صفحات مجهولة في الأدب العربي
الديوان : عمر غراب
[TABLE=width:70%;][CELL=filter:;] صدرت طبعة جديدة من كتاب الناقد الراحل رجاء النقاش"بين المعداوى وفدوى طوقان : صفحات مجهولة في الأدب العربي" (دار الشروق، 2009) تتصدرها كلمة للدكتور طه حسين ـ يضم الكتاب 17 رسالة كتبها الناقد أنور المعداوى إلى الشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان وصدرت طبعته الأولى عام 1976 ثم طبعته الثانية في 1989 تكشف رسائل المعداوى إلى الشاعرة الفلسطينية جانبا من الحياة الشخصية السرية لواحدة من أهم شاعرات العرب وأهم ناقد مصري في نهاية الأربعينيات و بداية الخمسينيات من القرن العشرين وتجسد تلك الرسائل علاقة أفلاطونية أضافت إلى الأدب العربي هذا النص الجميل والممتع والنادر في نوعه ، كما تلقى الضوء على جوانب عديدة من حياة المثقفين في ذلك العصر ـ أفكارهم ومعاركهم الفكرية وعلاقاتهم ـ الأمر الذي زاد من متعة قراءة الكتاب بفضل التحليل والبحث الدءوب الذي أجراه رجاء النقاش ليقدم لنا شخصية المعداوى في دراسة صافية بأسلوبه الفريد ولغته السلسة في تناول الرسائل بالتحليل ويخلص النقاش رحمه الله إلى أن الحب في مجتمعنا لا يزال عاطفة صعبة و محاصرة .
كان المعدّاوي قد أُعجب بشعر فدوى طوقان، حيث كانت قد بدأت بنشر أولى قصائدها في مجلة الرسالة المصرية التي كان يرأس تحريرها الأديب المصري أحمد حسن الزيات، وكانت فدوى قد نشرت عددا من قصائدها في مجلة الرسالة وغيرها، تحت أسماء مستعارة، أحدها كان دنانير ، إذ إنها لم تكن تجرؤ على توقيع اسمها الصريح على قصائدها خوفا من بطش الأهل الموغلين في التمسك بالتقاليد المحافظة.
ولقد روت فدوى طوقان قصة حياتها في كتاب حمل عنوان رحلة جبلية.. رحلة صعبة ، ويرى كثير من النقاد أن هذه السيرة الذاتية واحدة من أصدق وأجمل ما كُتب باللغة العربية ضمن هذا اللون من الأدب.
أما أنور المعدّاوي، فكان أبرز ناقد عربي في الفترة التي تعرَّف فيها بفدوى، وكان بالإضافة إلى ذلك، كما يصفه الكاتب رجاء النقاش، رجلا وسيما طويل القامة، شهما لا يتردد في مساعدة الأدباء الشباب بكل الوسائل، وكان رجاء أحدهم.
إذن، بدأت العلاقة من خلال الرسالة التي كان المعدّاوي يكتب فيها أيضا زاوية أدبية، وتجلّت العلاقة من خلال المراسلة فقط، إذ إنهما لم يلتقيا قط، رغم أن العلاقة بينهما تعدّت الزمالة الأدبية إلى عاطفة قوية عميقة، هي الحب من كلا الطرفين.
في الكتاب يورد المؤلف النص الحرفي لسبع عشرة رسالة بعث بها المعدّاوي إلى فدوى خلال الفترة 1951- 1953.
السؤال الذي يمكن أن يطرحه القارئ: لكن أين رسائل فدوى إلى أنور المعدّاوي؟.
يجيب المؤلف بأن المعدّاوي لفرط حرصه على فدوى وسمعتها، كان يتلف الرسائل التي تأتيه منها، لأنه كان يخشى، وهو الذي كان مريضا جدا بعد بدء علاقته بفدوى بسنتين، أن تقع الرسائل في أيد غير أمينة، فقام بإتلافها، وأما رسائل المعدّاوي لفدوى فقد كان النقاش طلبها من فدوى التي قامت بإرسالها إليه، وذلك بعد أن نضجت وانتشر اسمها كشاعرة كبيرة، وبعد أن تلاشت قبضة رجال الأسرة المحافظين برحيل معظمهم، فلم تعد تبالي بالتقاليد الجامدة القديمة، ولذلك لم تتردد في إرسال رسائل المعدّاوي إليها إلى رجاء النقاش، الذي قام بنشرها في هذا الكتاب.
لم يكتف النقاش بنشر الرسائل، لكنه قام بالتعليق على كل رسالة بالتفصيل، مبديا ملاحظاته الدقيقة حول العديد مما يرد في كل رسالة، ولهذا فإن تعليقات النقاش ليست متعلقة بتفاصيل علاقة عاطفية بين ناقد وشاعرة، لكنها نوع من التأريخ والإضاءة لواقع الثقافة العربية ولواقع المثقفين العرب ومأساتهم في تلك الفترة.
يؤكد النقاش في أكثر من موقع في الكتاب أن العلاقة بين المعدّاوي وفدوى كانت علاقة حب عميقة، ولا شك في ذلك، لكنه كان حبا انتهى نهاية مأساوية برحيل المعدّاوي، وعزلة فدوى العميقة بعد ذلك.
يرى النقاش أنهما كانا يليقان كلٌّ بصاحبه، وكان من الممكن أن يلتقيا وأن يتزوجا وأن يعيشا حياة مثمرة سعيدة، لكن التقاليد وقفت في طريقهما، إذ كانت فدوى في ذلك الوقت (1951) فتاة شابة تشق طريقها في الشعر بعيدا عن معرفة الأهل الذين ما كانوا يسمحون لها بتوقيع اسمها الصريح في الصحف، إذ إن هذا يعدّ عورة وعارا في مفهومهم، إضافة إلى أنهم كانوا يرفضون تزويج بناتهم خارج الأسرة بأي شكل.
يقول النقاش إنه تردد طويلا قبل نشر هذه الرسائل في كتاب، ويضيف: واجهتني أكثر من مشكلة وأنا أعد هذا الكتاب، وهي كلها مسائل تتصل بهذه القضية: هل أكون صريحا في الحديث عما أراه صحيحا، أم ألتزم الكتمان والإخفاء؟ لقد ترددت كثيرا في الاختيار، إلا أنني قررت أن تكون الحقيقة هي الأساس الوحيد لكل ما يتصل بهذه الرسائل من تعليقات وشروح . ويتابع أن الرسائل تكشف بوضوح عن قصة حب بين المعدّاوي وفدوى، حب طاهر عفيف مثالي غير آثم. فما الذي يدعو للتكتم على مثل هذا الحب، خصوصا أن فدوى نفسها دفعت بالرسائل إلى رجاء النقاش.
أما في ما يتعلق بالمعداوي، فإن الأمر يبدو أكثر تعقيدا، فبسبب معرفة النقاش بالمعداوي وبمدى حساسيته البالغة، لم يكن واثقا أن المعدّاوي سيكون موافقا على نشر الرسائل لأسباب عديدة، أهمها ما يسميه النقاش السر الكبير في حياة المعدّاوي الذي كان يمنعه عمليا وفعليا من الزواج. هذا السر هو أن المعدّاوي كان مريضاً، ويرجح النقاش أن يكون المرض عضويا وليس نفسيا، وكان يلاحظ أن جميع علاقات المعدّاوي العاطفية كانت تنتهي بالفشل.
يقول رجاء النقاش في تقديمه للطبعة الثانية من الكتاب التي صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ دراسة للحياة الأدبية والاجتماعية في الخمسينيات والستينيات في مصر والمجتمع العربي كله, وهي محاولة للكشف عن محنة جيل بأكمله في تلك الفترة الحساسة من تاريخنا العربي.
وينبه رجاء النقاش ـ بوضوح ـ إلي أن النظر إلي هذا الكتاب علي أنه لا يعالج شيئا آخر غير قصة الحب بين فدوي والمعداوي هو أمر بعيد كل البعد عن الحقيقة, فهذه القصة لا تمثل في الكتاب إلا الخيط الرفيع الدقيق الذي يربط بين أجزائه المختلفة. والاقتصار في النظر إليه علي أنه قصة حب بين ناقد وشاعرة هو أمر يخرج تماما عن الهدف الواسع البعيد الذي وضعه أمامه وهو يقوم بإعداد هذا الكتاب وجمع مادته وتحليل الظواهر التي تعرض لها في فصول الكتاب المختلفة.
كذلك فهو حريص ـ حرصا محمودا ـ علي توضيح أمرين: الأول أن رسائل فدوي إلي المعداوي ـ وهي الوجه الآخر لما تضمنه الكتاب من رسائل ـ أتلفها المعداوي جميعا قبل وفاته ـ خشية أن ينتهي به المرض الذي يعانيه إلي الموت الفجائي, وهو ما حدث بالفعل. فلم يبق منها شيء: لا عند فدوي, ولا في أوراق المعداوي التي تركها بعد موته.
الأمر الثاني أن من أهم النتائج التي خرج بها من دراسته لرسائل المعداوي إلي فدوي طوقان أنه كان بينهما حب عاطفي وليس حبا قائما علي الإعجاب والصداقة الأدبية فقط, وأن هذا الحب كان عنيفا مؤثرا علي الطرفين, لكنه كان من النوع المأساوي, لأنه كان حبا رومانسيا, وكان حبا عذريا أو أفلاطونيا, فالناقد المصري والشاعرة الفلسطينية لم يلتقيا في أي يوم أكثر من اللقاء الروحي الخيالي عن طريق الرسائل, ومع ذلك فقد كان بينهما حب عفيف ولكنه عنيف, تماما كما نشأ الحب بين مي وجبران علي البعد. فقد كانت مي في مصر وجبران في أمريكا. ولم يحدث قط أن التقي الاثنان أو تبادلا النظرة والابتسامة والكلام والموعد واللقاء حسب المعادلة التي رسمها شوقي في أحد أبياته للحب الواقعي: نظرة, فابتسامة, فسلام فكلام, فموعد, فلقاء.
أنور المعداوي, كان علي المستوي الإنساني مهيبا في طلعته وشموخه وقوامه وكبريائه ورقته وتواضعه في آن, كما كان علي المستوي الأدبي في طليعة نقادنا وعيا بأسرار الإبداع الأدبي ـ خاصة في الشعر ـ ونفاذا إلي جمالياته وتجلياته, كما كان في طليعة نقادنا شرف موقف ورسالة, لا يكتب إلا ما يؤمن به, تمتلئ كتاباته بروح الموضوعية والإنصاف, لا يعرف طريقا إلي المجاملة أو يخضع للاستعداء.
وعلي طريقته ـ الهادئة العميقة التي لا تعرف التشنج أو الصخب أو الانفعال المبالغ فيه ـ يصدر رجاء النقاش لكتابه بسطور لعميد الأدب العربي الراحل الدكتور طه حسين يعيب فيها علي أدبنا العربي خلوه من مثل هذه الكتابات الشجاعة التي تثريه وتعلي من قيمته, وتجعل النظرة إليه والي مبدعيه باعتبارهم كتابا ومبدعين أحرارا, لم تخنقهم مجتمعاتهم بقيودها وتقاليدها أو تزمتها ومحافظتها وعدم انفتاحها علي قيم الحرية الحقيقية دون خروج علي المألوف بما يثير الشر أو يؤذي الأخلاق.
تصدير طه حسين
يقول طه حسين في هذه السطور التي تمثل بدورها وثيقة أدبية للتاريخ: لا أظنني أعرف أدبا مقيدا مغاليا في الاحتياط كأدبنا العربي الحديث, الذي ينشئه أصحابه وهم يفكرون في الناس أكثر مما يفكرون في أنفسهم حتي أطمعوا الناس فيهم وأصبحوا عبيدا للجماعة, وخدما للقراء. فلنتمرد علي الجماعة ولنثر بالقراء. ولننبذ الاحتياط كله إلا هذا الذي يثير الشر أو يؤذي الأخلاق. ولسنا نجد أجمل ولا أحكم من كلمات رجاء النقاش في تقدير أهمية هذه الرسائل: فهناك إلي جانب جمالها الأدبي وعمقها الموضوعي وما فيها من سخرية ذكية قيمة أخري أكثر من ذلك كله أهمية, فهذه الرسائل تحمل إلينا الخطط الرئيسية لقصة أنور المعداوي الكاملة مع الأدب والحياة. فقد بدأ هذه الرسائل سنة1951 حين كان في قمة مجده وتألقه الأدبي من خلال بابه الأسبوعي الذي كان يكتبه في مجلة الرسالة تحت عنوان تعقيبات
وفي هذه الفترة كان يشعر بالنشوة والتفاؤل والإقبال علي الحياة. وقد أنهي المعداوي هذه الرسائل سنة1954 حين كانت محنته في الأدب والحياة معا قد بدأت, وحين أخذت الدنيا تحاصره بالمتاعب والآلام, وحيث بدأ المرض العضوي والمرض النفسي يتحالفان عليه.
وقد سجلت رسائل المعداوي هذه القصة بفصولها المختلفة وأصبحت هذه الرسائل وكأنها نوع من المذكرات أو الاعترافات الصادقة الصريحة التي كتبها المعداوي عن نفسه وصراعه مع المجتمع والحياة الأدبية. لقد استطاع المعداوي في هذه الرسائل أن يكتب دون قصد أو تعمد قصة حياته في صعودها ثم فيما تعرضت له من محنة حادة قضت عليه في آخر الأمر.
في الرسالة التاسعة من أنور المعداوي الي فدوي طوقان يقول:
فدوي العزيزة
الآن فقط أستطيع أن أمسك بالقلم لأكتب إليك, أما قبل ذلك, قبل ذلك بشهر قصير جدا في حساب الزمن ولكنه طويل جدا في حساب الشعور. فلم أكن أستطيع أن أمسك بالقلم لأكتب إليك. شهر كامل وأنا طريح الفراش مشلول الحركة وحيد بلا صديق أو حبيب, وما أكثر الأصدقاء والأحباء. تعرضت لحالة مرضية قال عنها الطبيب: إنها تقتضي عملية جراحية, وقبل أن أستسلم لمبضع الجراح قلت لنفسي: لماذا تزعج أصدقاءك وأحبابك قل لهم: إنك ذاهب لتصطاف ولو كنت ذاهبا لتموت.
ألا يكفي أن الحياة تزعجهم في كل لحظة حتي تجيء أنت فتزيدهم قلقا علي قلق؟ وهكذا قررت يا فدوي ومضيت في طريقي إلي موضع الجراح. أما أنت فلم أشأ أن أقول لك شيئا لم أشأ أن أحملك فوق آلامك آلام إنسان آخر هو الذي يكتب إليك, ومع ذلك فقد كنت أحس دائما أنك إلي جانبي, وكنت أقول لطيفك الحبيب كلما مر بالخيال طيف العدم: يا صديقي أسمعني رثاءك! ويبتسم طيفك الحبيب وهو يقول لي في صوت يقطر من نبراته الأمل: أوهام. وحين تنقضي, سأكون أنا الذي أسمع رأيك في وحدي مع الأيام( الديوان الأول لفدوي طوقان الذي أشرف أنور المعداوي بنفسه علي طباعته ونشره في القاهرة). كان طيفك هو الذي يؤنسني في وحدتي ويحمل إلي الدواء ويضمد الجراح.
وحين غادرت سرير المرض إلي فضاء الله, واستروح الجسد المضني بعد عوادي السقم أنفاس العافية, كان هو ـ أقصد طيفك ـ أول صديق يصافح النفس ويعانق الروح. وكانت المصافحة في كتاب وكان العناق في رسالة, ولن أنسي له ما حييت هذا الوفاء!
تلقيت رسالتك الأخيرة إذن وتلقيت ديوانك, وارتسمت علي شفتي ابتسامة عابرة وأنا أقرأ سطورك وأقف عند تساؤلك عن سر انقطاعي عن الكتابة إليك. يا عجبا لتوارد الخواطر بينك وبين الأصدقاء الذين ظنوا كما ظننت أنني كنت أصطاف. قلت لهم ذلك ولم أقل لك, ومع هذا فقد تواردت الخواطر أو تواردت الظنون في نسق عجيب. من هنا يا فدوي ارتسمت علي شفتي ابتسامة عابرة, ودعوت الله من قلبي ألا يكتب علي أحد من عباده أن يصطاف بين جدران مستشفي وتحت رعاية طبيب.
حسبي هذا ردا علي تساؤلك لأعود إلي رسالتك وأشكر لك هديتك, لقد خرجت من كلماتك بأن طبع الديوان قد أثار إعجابك كما أثار إعجاب الكثيرين عندكم إلي حد بعيد. أنا سعيد يا فدوي بهذا النبأ الذي أشعرني بأنني قد بذلت شيئا من أجلك, هو هذا الجهد المتواضع الذي كان حديث الناس هنا كما كان حديثهم هناك. أقول هذا لأن الذين رأوا الديوان في مصر قد أخجلوا تواضعي بثنائهم علي إخراجه الفني وبخاصة علي لوحة الغلاف. حتى لقد اقترح أحد الأدباء الظرفاء أن أترك الاشتغال بفن الأدب لأشتغل بفن الطباعة! تري هل توافقينه علي هذا الرأي؟ أخشي أن يدفعني ثناؤك وثناء الناس إلي حد تنفيذ هذا الاقتراح الطريف. ومرة أخري ترتسم علي شفتي ابتسامة عابرة حين تطلبين إلي بمناسبة إعجابك بلوحة الغلاف أن أبلغ صاحب تلك الريشة المبدعة آيات تقديرك وثنائك, يؤسفني يا فدوي ألا أستطيع تلبية رغبتك لأن الفنان الذي رسم تلك اللوحة ليس من مصر ولا من الشرق أولا, ولأنه ثانيا قد انتقل إلي رحمة الله! إن لتلك اللوحة قصة, وهي أنني أملك مجموعة كاملة من لوحات متحف اللوفر بألوانها الطبيعية, وعددا من المجموعات الأخرى من المتاحف العالمية. أعني أن اللوحات التي عندي منقولة نقلا أمينا عن الأصل الموجود في تلك المتاحف ومنها اللوحة التي تخيرتها لغلاف ديوانك, هذه اللوحة التي يوجد أصلها في متحف واشنطن تحت هذا العنوان: صلاة في محراب الأمل
كنت مفتونا بهذه اللوحة, بظلالها, بألوانها, بفكرتها الرائعة. وعندما بدأت طبع ديوانك قررت بيني وبين نفسي أن تكون هي لا غيرها صورة الغلاف. ومن هناك اقترحت يوما أن تغيري اسم الديوان وأن تجعليه وحدي مع الأيام بدلا من أشواق الحياة, لأن فكرة اللوحة تتفق من الناحية الإيحائية مع العنوان الأول, ولا تتفق مع العنوان الأخير. وإن كنت قد أخفيت عنك هذه الحقيقة وقلت لك: إن التسمية المقترحة تناسب من ناحية ظلالها النفسية شعر الديوان. وقد فعلت ذلك. حتى أطالعك يوما بهذه المفاجأة الفنية التي أحدثت في نفسك أثرها الجميل.
هذه يا فدوي هي القصة, أما فكرة اللوحة فهي كما قلت تماما أشبه بقصيدة, قصيدة ملونة تستمد قيمتها الفنية مما تزخر به من قوة إيحائية. هذه الفتاة التي تشع من نظراتها كل معاني اللهفة والضراعة والابتهال تمثل لحظة من لحظات الصلاة هي لحظة السجود إنها تتطلع إلي الغد الأخضر, هذا الغد الذي تمثله الشجرة المورقة. إنها تتطلع إليه, أو قولي إنها تصلي له وتبتهل وتتضرع. أما هذه الطبقات الأربع من الضباب الكثيف فتمثل في مجموعها ظلمة الأيام أو تجهم الزمن, أو قتام الحياة. وكلها إيحاء باليأس. ومن خلال هذا اليأس وضبابه تبرز صورة من صور الأمل هي تلك الشجرة المورقة أو ذلك الغد الأخضر الذي اتجهت إليه العينان في حديث طويل وسجد في محرابه الروح والجسد.
ثم يقول أنور المعداوي ـ قرب ختام الرسالة: ولقد خرجت من رسالتيك الأخيرتين بأن كلمتي قد أحدثت في نفسك أثرها المنشود, حين أكدت لي أن تحولا ملموسا قد طرأ علي نظرتك إلي الحياة والناس أنا أقدر هذه المعركة الداخلية التي تحتدم في أعماقك نتيجة لهذا التحول الجديد إن أعظم المعارك يا فدوي وأجلها وأخطرها شأنا هي تلك التي ننتصر فيها علي أنفسنا لأن الانتصار علي النفس شيء عظيم.
ثم يقول المعداوي: أما أنا فأكتب إليك هذه الرسالة قبل أن أودع القاهرة إلي الريف, وسأمكث هناك شهرا آخر بين أهلي طلبا للراحة والاستجمام, حيث أعود إلي القاهرة مرة أخري عقب عطلة عيد الأضحى إن شاء الله. ويوم أن تقدر لي هذه العودة سأشرع في طبع كتابي الجديد لأن المرض قد حال بيني وبين هذه الأمنية, ثم أطالع القراء برأيي المتواضع في ديوانك الحبيب. ولا أدري إن كان ذلك سيتم علي صفحات الرسالة أم علي صفحات مجلتي التي سيصدرها قريبا الأستاذ أحمد الصاوي محمد الذي طلب إلي الإشراف علي تحريرها, أم علي صفحات مجلة لبنانية جديدة ستصدرها دار العلم للملايين ببيروت وقد كتب إلي أصحاب الدار عارضين علي أن أكون عضوا في الهيئة التأسيسية المشرفة عي إصدارها وتحريرها ــ يقصد أنور المعداوي مجلة الآداب البيروتية التي رأس تحريرها الدكتور سهيل إدريس وبدأ صدورها في عام1953 ــ مهما يكن من شيء أدع ذلك لتطورات الغد القريب. ولك أيتها العزيزة الغالية أعمق مشاعر الأخوة وأصدق آيات المودة من المخلص: أنور المعداوي.
كيف علق الكاتب الكبير رجاء النقاش علي هذه الرسالة؟
إنه يفصح أولا عن المرض الذي أشار إليه أنور المعداوي في رسالته وهو المرض الأول الذي تعرض له: مرض الكلي وكان المعداوي يشكو من حصوة تسبب له آلاما حادة, ولم يكن من علاج لحالة المعداوي بالذات إلا عن طريق عملية جراحية كانت في تلك الأيام ـ عام1952 ـ خطيرة.
ثم يشير رجاء النقاش, بحسه المرهف وذكائه النافذ وتحليله العميق ـ إلي أننا نتوقف في هذه الرسالة أمام اهتمام المعداوي بفن الرسم, وقد كان المعداوي في الحقيقة يحب إلي جانب الأدب فنين كبيرين: الأول هو فن الرسم والثاني هو فن الموسيقي.. كان يعشق الأدب والرسم والموسيقي. وكان يحاول دائما أن يقتني في بيته البسيط بالجيزة ثم بالدقي بعد ذلك عددا من اللوحات العالمية المنقولة نقلا جيدا عن أصولها في متاحف العالم, كما أنه كان يحرص علي الاستماع لروائع الموسيقي العالمية, كلما أتيحت له فرصة. وقد انعكس اهتمامه بالرسم والموسيقي في أدبه علي عنايته البالغة بالأسلوب من جانبين: الجانب الأول هو عنايته بأن يرسم صورا للناس والأشياء بقلمه, وما أكثر الصور واللوحات التي كان يرسمها في كتابته والتي نستطيع أن نلمسها بوضوح من خلال رسائله المنشورة في هذا الكتاب أما الجانب الثاني الذي نحسه في كتابات المعداوي.. إلي جانب التصوير والتجسيد فهو جانب الموسيقي. فقد كان يعني عناية واضحة بالإيقاع في كتابته كان يحرص علي موسيقي اللفظ وموسيقي الجملة والعبارة, وهذا ما نستطيع أيضا أن نلاحظه بسهولة ويسر في رسائله إلي فدوي طوقان. [/CELL][/TABLE]
[HR]
* أنور المعداوي :
ناقد مصري توفي عام 1965 عن 45 عاما نتيجة معاناة من مرض عضال. كان يكتب في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي زاوية أسبوعية في مجلة الرسالة التي يصدرها الزيات بعنوان (تعقيبات). ارتبط بعلاقات عاطفية مع عدد من المثقفات والفنانات في عصره مثل الشاعرة المصرية ناهد طه عبد البر والشاعرة الفلسطسنية فدوى طوقان . له رسائل موجهة لفدوى طوقان في الفترة من 1951-1954 جمعها وعلق عليها الناقد المصري رجاء النقاش في كتاب (صفحات مجهولة في الأدب العربي). صدر لأنور المعداوي في حياته كتابين هما: نماذج فنية من الأدب والنقد وكتاب علي محمود طه الشاعر والإنسان. أما كتابه الثالث كلمات في الأدب فقد صدر بعد وفاته.
[HR]

* فدوى طوقان:
ولدت في مدينة نابلس الفلسطينية سنة 1917 م لأسرة مثقفة وغنية لها حظوة كبيرة في المجتمع الفلسطيني . والدها هو عبد الفتاح أغا طوقان والدتها وتدعى فوزية أمين بك عسقلان
تلقت تعليمها حتى المرحلة الإبتدائية حيث اعتبرت عائلتها مشاركة المرأة في الحياة العامة أمرا غير مقبول فتركت مقاعد الدراسة واستمرت في تثقيف نفسها بنفسها ثم درست على يد أخيها الشاعر إبراهيم طوقان الذي نمى مواهبها ووجهها نحو كتابة الشعر ثم شجعها على نشره في العديد من الصحف العربية.
عرفت بقصة حبها مع الناقد المصري أنور المعداوي التي وثقها الناقد رجاء النقاش في كتاب ظهر في أواسط السبعينات. وكانت قصة حب أفلاطونية عفيفة عن طريق الرسائل فقط.
توالت النكبات في حياة فدوى طوقان بعد ذلك ، حيث توفي والدها ثم توفي أخوها ومعلمها إبراهيم ، أعقب ذلك احتلال فلسطين إبان نكبة 1948 ، تلك المآسي المتلاحقة تركت أثرها الواضح في نفسية فدوى طوقان كما يتبين لنا من شعرها في ديوانها الأول (وحدي مع الأيام) وفي نفس الوقت فلقد دفع ذلك فدوى طوقان إلى المشاركة في الحياة السياسية خلال الخمسينيات .
سافرت فدوى طوقان إلى لندن في بداية الستينيات من القرن الماضي, وأقامت هناك سنتين ، وفتحت لها هذه الإقامة آفاقًا معرفية وإنسانية, حيث جعلتها على تماسٍّ مع منجزات الحضارة الأوروبيّة الحديثة و بعد نكسة 1967 خرجت شاعرتنا من قوقعتها لتشارك في الحياة العامة بنابلس فبدأت في حضور المؤتمرات واللقاءات والندوات التي كان يعقدها الشعراء الفلسطينيون البارزون من أمثال محمود درويش و سميح القاسم و توفيق زياد.
وفي مساء السبت الثاني عشر من شهر ديسمبر عام 2003 ودعت فدوى طوقان الدنيا عن عمر يناهز السادسة والثمانين عاما قضتها مناضلة بكلماتها وأشعارها في سبيل حرية فلسطين ، وكُتب على قبرها قصيدتها المشهورة : كفاني أموت عليها وأدفن فيها.
[HR]

* رجاء النقاش (1934-2008 )
واحد من أهم النقاد في العالم العربي . اكتشف العديد من المواهب والأسماء التي أصبحت نجومًا في عالم الثقافة فيما بعد مثل محمود درويش والطيب صالح وغيرهما. من أهم مؤلفاته: "أبو القاسم الشابي: شاعر الحب والثورة"، "محمود درويش: شاعر الأرض المحتلة"، "عباس العقاد بين اليمين واليسار"، "نجيب محفوظ: صفحات من مذكراته وأضواء على حياته"، "في حب نجيب محفوظ".
خدمات المحتوى
|
تقييم
|
|