حوار الروائي محمد العشري: كتابة على حافة الصخر وفي أحضان الرمال
الروائي محمد العشري: كتابة على حافة الصخر وفي أحضان الرمال
01-11-2010 05:46 PM
الروائي محمد العشري
كتابة على حافة الصخر وفي أحضان الرمال
أسعى في كتاباتي إلى أنسنة الأشياء والأماكن
وأجمع بين الواقع والأسطورة
الصحراء بيئة قاسية تجمع كل المتناقضات
في متاهات طبيعية مفتوحة
[TABLE=width:70%;][CELL=filter:;]
تردد اسمه في فضاءات ذاكرتي وسمعت عن تميزه في كتابة الرواية ومن ثم قرأت له أكثر من رواية وقصة قصيرة و بعض ما وصلني من كتابات نقدية عنها في مختلف الصحف العربية .
إنه الروائي المصري" محمد العشري" الذي يسلك طريقا مغايرا في أسلوب كتابة الرواية وفي مضامينها وموضوعاتها حيث يجعل من البيئة الصحراوية عالما ساحرا يعج بالأساطير والمتخيل والغريب من الأفكار والأحداث والمشاهد من خلال مزجها بوقائع تاريخية أو بأحداث تعيش في الذاكرة أو في الواقع ويعيد صياغتها بأسلوب أقرب إلى الخيال العلمي لتدهش وتترك تأثيرها في مخيلة القارئ وتفكيره.
يسانده في أسلوبه المميز دراسته العلمية في الجيولوجيا "أو علم طبقات الأرض " وموهبة أدبية تشكلت ملامحها في سنوات الطفولة عبر الرسم وكتابة القصص القصيرة والخواطر واستمدت مخزونها الحكائي من حكايا الآباء والجدات.
أصدر أولى رواياته عام 1999 ومنذ ذلك التاريخ حصل الروائي على جوائز عدة من مؤسسات ثقافية مصرية أبرزها جائزة إحسان عبد القدوس في الرواية لعام 2008 إلى جانب استقبال القراء لرواياته الخمس بكثير من التقدير والإعجاب.
أما الروايات فهي " غادة الأساطير الحالمة و"نبع الذهب "و"تفاحة الصحراء "هالة النور "و"خيال ساخن".
في هذا الحوار مع محمد العشري نتعرف إلى عالمه الروائي ونبحث في رمال صحرائه الجديدة عن أسرار قد تكون مدفونة وفي حاجة إلى من يكتشفها ويعيد إليها الحياة عبر خيال واسع ومدرك لأهمية التخيل حين يوضع في خدمة الواقع . ..
أجرت الحوار عواطف الزين
كان سؤالي الأول له:
من أين لك كل هذا الخيال وكيف تشكلت لديك طقوسه؟
فقال:
- البدايات والنشأة الريفية والإطلال على مشارف بحيرة "المنزلة"، بكل ما يكتنف حياة الصيادين في الماء وأحراشه من غموض تسبح فيه الأساطير، ويشكل ملمحاً رئيساً في حياة الناس البسطاء، والعيش في بيئة تحيا بالموروث الشعبي، وتتغذى على الحكايات، كوسيلة تسلية في زمن مضى تأثير كبير في ذلك، ربما من إيماني. الحياة، محاولة جادة أو عبثية لخلق عالم موازٍ يليق بالإنسان.
مع الخيال يجد الإنسان نفسه في حقل تتفتح فيه الحواس، لتلقي المعرفة، وذلك يجعله ينطلق في طرق شتى، من أجل الوصول إلى طريقه الخاص بالمثابرة، لأن الكتابة فعل ترسيب مستمر، يحتاج إلى وقت حتى تكتمل الطبقة، ويصبح لها ملامحها الواضحة.
الخيال الذي يقود إلى اكتشاف لذة الحب، ويضيء دهاليز العشق، وفنونه، من أجل الوصول إلى جوهر السلوك الإنساني، في تلقيه وتشكيله لماهية الإحساس، والشعور بالآخر، هو بالتأكيد "خيال ساخن".
ربما ينصرف الذهن عند غالب المتلقين أن هذه الكلمة حتماً ستحوي دلالات "إيروتيكية" أي جسدية أو جنسية، بما تحمله هذه الدلالات من انطباعات معيبة في ثقافتنا العربية، لكن المعنى هنا قائم على سخونة من نوع مختلف، هو عنوان من المراوغة لجذب انتباه القارئ المعني بالبحث عن الإثارة "الجنسية" ربما، آملاً في أن يقوده ذلك الخيال إلى أنه ما زالت هناك كتابات وروايات تخاطب الإحساس، وتتعامل مع الروح والجسد بشكل راق، في ظل ما يُطرح الآن كتابة تلعب بالجسد وتضعه في المقدمة بشكل مبتذل وصارخ
الصحراء - الأسطورة
أما طقوس الخيال فتعود إلى مرحلة الطفولة، نافذتي الأولى، والإصغاء والتفاعل مع أفواه الناس، والجدّة، والأب- الحكاء الشفاهي- الذي لو قُدّر له أن يكتب الرواية، لأبدع عالماً فريداً، له خصوصية شديدة، ومن اهتمامي المبكر بالأساطير بشكل عام، العربية مثل "ألف ليلة وليلة"، و"الأميرة ذات الهمة"، والهندية مثل: "أسطورة الإله كريشنا"، واليونانية والإغريقية والآسيوية والفارسية، بالإضافة إلي تاريخ مصر القديمة وفراعينها، كل ذلك ملأ مخزن الخيال الخصب الذي لا ينضب، ويلون اللحظات ويكسبها طعماً لا يُنسى، ربما كان هذا هو السبب إلى عودة الكثير من الكتّاب إلى مراحل طفولتهم، والاستفادة منها سردياً. سيبقى الإنسان في حنين دائم إلى تلك اللحظات الرومانسية، التي تعطي لإنسانيته هدوءها، وتأملها، وسكونها المريح، في ظل ما يعيشه من صراع يومي من أجل أشياء كثيرة، يبدو معها الإنسان أشبه بالمحارب، من أجل إثبات ذاته، والمحافظة على توازنها.
أعتقد أنه لا مفر من العودة إلى تلك الحياة الرومانسية بما تتركه من أثر عميق، يُشعر الإنسان بآدميته في تلك الحياة الحديثة، التي تسعى إلى طحنه في تروسها المتسارعة، مهما قال النقاد من كلام يعتمد على النظرية في قراءة الواقع، دون لمس ما يحتاجه، ويشعر به الإنسان. من خلال الأسطورة وسحرها يُفعّل الروائي الواقع في روايته ويجعلها قابلة للطيران، فما بالك لو لديه القدرة على خلق أسطورة جديدة، بالتأكيد ستكون كتابة فاتنة، تُمسك بالقارئ وتغويه بمفاتنها الأسطورية، هكذا أحاول أن أكتب، وأظن أن هذا فيه ثراء للكتابة غير محدود.
* قد لا تكون لغة رواياتك أو على الأقل ما قرأته منها "تفاحة الصحراء" و"خيال ساخن" هي اللغة الروائية السائدة إنها لغة خاصة بمفرداتها ومعانيها هل تعتقد أن مضمون الرواية قد أنتج لغتها؟
** فضاء الصحراء والموروث الأسطوري، يشكلان البعدين الرئيسين لكتابتي الروائية، وبما لهما من لغة خاصة، فاهتمامي المبكر يبحث عن الأساطير، يدخل من أبوابها إلى دهاليزها الشاسعة، ويتريض في أزمنتها البعيدة، حتى شكلت بناءاً راسخاً في تكويني. وهو ما دفعني للسير في صفحاتها المظلمة، ومحاولة الإمساك بأصولها محفوفاً بالسعي إلى تشكيل أسطورة ما يكون لها ملامحي. أيضأً للدراسة العلمية، والتخصص في علم طبقات الأرض، والبحث في أسباب نشأتها، وأزمنة تشكيلها، وطريقة تكوّنها. ثم مرحلة العمل في صحراوات مصر الشاسعة، والبحث عن مكامن وأماكن تجمع البترول، ذلك السائل الخرافي، الذي غيّر شكل الحياة على كوكب الأرض، ويكاد يكون السبب في كل ما نعيشه من أزمات في وقتنا الراهن، نتيجة للصراع على الحصول على أكبر حصص منه تأثير آخر، تسرب في وجداني، ورسب فيه ما أقنعني أن التفكير العلمي مهم جداً حتى بالنسبة لكتابة الأدب. والاثنان متشابهان في السبب والنتيجة، ويكملان بعضهما، أحدهما يمثل البعد الروحي، والآخر يمثل البعد المادي. فالأسطورة تنشأ نتيجة لأزمة روحية يعاني منها البشر، والاهتمام بالبترول والصراع عليه نشأ نتيجة لأزمة في الطاقة، وسيظل كذلك إلى أن ينتهي عصره، ويُكتشف بديل عنه، يكون هو محور الأزمة والصراع مرة أخرى.. هكذا هو التاريخ، يعيد تشكيل نفسه بصور مختلفة.. وربما يفصح ذلك عن سر توجهي. أعتقد أن التجربة الحية المعاشة في الصحراء، ولمس نبض الرمال، وسخونتها، والجرى وراء السراب ومحاولة الإمساك به، وإدخاله إلى حيز الوجود، ساهم إلى حد كبير في إنتاج لغة خاصة بتلك الهزات النافذة في الأعماق، كما يفعل الزلال حين يأتي من الأعماق وتظل موجاته في تصاعد حتى تصل إلى سطح الأرض.
البداية - الطفولة
* كتبت أول رواياتك قبل عشر سنوات (عام 1999) فقط، ألا تعتقد أنك بدأت متأخراً بعض الشيء خصوصاً وأن الموهبة الأدبية تبدأ عادة في التفتح في سن الطفولة؟
** بدأت حياتي الإبداعية مبكراً بممارسة الرسم، في المراحل الدراسية الأولى كانت لي قصصاً وحكايات يتناول الأصدقاء والزملاء حتى الآن، أذكر في المرحلة الإعدادية كنت شغوفاً بالقراءة في الفن التشكيلي، وبدأت طريقي بالتعرف على الكتاب من خلال ذلك الاهتمام. وفي حصة الرسم كان الزملاء والزميلات يهيلون عليَّ كراساتهم "بعد أن يخرج المدرس بالطبع"، لأرسم لهم، والمدهش أنني كنت أحب ذلك، وأرسم لكل زميل أو زميلة نفس الموضوع بطريقة مختلفة.
وهناك موقف لا زال محفوراً في الذاكرة من بدايات المرحلة الثانوية، حين طلب مدرس الرسم في إحدى الحصص أن نرسم لوحة عن الثورة، ورسمت الموضوع بسهولة في دقائق، وإذا بالمدرس يمرّ عليَّ، ويأخذ ما رسمت من أمامي، ويحدق فيه طويلاً، ثم أخذني من ذراعي وذهبنا إلى مكتبه "مرسم المدرسة"، ووجدته يعلق رسمي على الحائط، وسألني: هل تعرف "غويا"، لم أعلق، لأنني لم أكن أعرف ذلك الإسم في ذلك الوقت، ووجدته يخرج كتاباً ويفتحه على صفحة بها لوحة تنطبق تماماً على ما رسمته، وقرأت أسفل اللوحة "إعدام الثوار" للفنان الإسباني فرانسيس غويا. من يومها صارت صداقة بيني وبين مدرسي الفنان كمال أحمد، الذي أمدني بالكثير في مجال الفن التشكيلي.
واستمرت ممارستي للرسم خلال المرحلة الجامعية وحتى نهايتها، من خلال الاشتراك في النشاط الفني الجامعي، والمشاركة في المسابقات الفنية، وحصلت في تلك السنوات على عدد كبير من الشهادات (16 شهادة تقدير) والميداليات، قبل أن أتحول إلى كتابة الشعر، ومنه إلى القصة والرواية، التي انتهيت إليها كمشروع إبداعي أعكف عليه، وأستفيد كثيراً في رواياتي بالرؤية التشكيلية التي تكونت لديَّ، ولا زالت تظهر ملامحها في كتاباتي، بوعي أو بدون وعي، ففي روايتي الأولى "غادة الأساطير الحالمة"، رسمت فصولها "36 فاصلة روائية" كل فاصلة في مشهد يعبر عما أود كتابته، قبل أن أكتبها، ولا زال تأثير الفن التشكيلي يظهر في رواياتي، حتى أن أحد أبطال روايتي الجديدة "خيال ساخن" هو فنان تشكيلي. وفي أحداث الرواية يعكف في مرسمه الخاص على رسم بعض اللوحات الفانتازية، من خلال رسم حيوانات خرافية، وفي لحظات اندماج كامل، تخرج تلك الكائنات من اللوحات المرسومة، وتتحرك بحرية داخل السرد، لتنطلق وتشكل عوالمها الخاصة، المتشابكة مع عالم الإنسان في البناء السردي للرواية.
تصالح مع الذات
* إلى أي مدى أسهم عملك في الصحراء في ولادة ما يمكن أن يسمى بأدب الصحراء خصوصاً وأنها "أي الصحراء"منسية إلى حد بعيد في ميدان الرواية إذا استثنينا عبد الرحمن منيف وما كتبه عنها؟
** لأنني بدأت حياتي الأدبية، قبل بداية عملي الجيولوجي في مجال البحث والتنقيب عن البترول، فقد وقفت وقفة مع نفسي، وتصالحت معها، على ألا يعوق أحد الاتجاهين الآخر، وبالفعل كان لهذا التصالح ثماره، وفوائده، لأن الصحراء امرأة آسرة كلما أمعنت في محبتها وعشقها، كلما دلتك على بعض مفاتيحها، وأضاءت لك دهاليز غوايتها وما تخبئه في طيات جسدها وطبقات روحها. إضافة إلى أنني على قناعة أن التفكير العلمي، مهم جداً حتى بالنسبة لكتابة الأدب. واعتبر نفسي أحد الكتاب المحظوظين، لأن العمل في الصحراء وفي تلك الأجواء الجديدة، المتغيرة، والمغايرة، وسّع آفاقي، وأضاء لي دهاليز كثيرة، كلما دخلت في أحدها يقودني إلى طريق جديد، ذلك الفضاء الثري أتاح لي مجالاً جديداً، لم يتطرق إليه كثيرون في مجال الرواية. إضافة إلى أن علم الجيولوجيا، والتنقيب في طبقات الأرض يحتاج إلى مهارة، وبناء حكائي محكم، جزء منه قائم على العلم، وجزء أكبر قائم على التخيل، والمهارة في نسج بناء حكائي وتاريخ، للتوصل إلى تفسيرات محتملة وقابلة للتحقق، للوصول إلى الطبقات المنتجة للبترول. وهذا معناه أن ذلك العمل معني بتشريح الطبقات وتحليلها لفهم أشمل، كما هو الأدب تحليل وتشريح في الذات الإنسانية لسبر أغوارها، وفهم سلوكها. لذلك أرى أن العلاقة بين الجيولوجيا والأدب علاقة وثيقة جداً. لا زلت أجمع بينهما في الحياة حيث أعمل جيولوجياً في شركة للبحث والتنقيب عن البترول، وفي الرواية، بما كتبته عن الصحراء من روايات، وبما يتفاعل في داخلي من تلك البيئة، ويحركني لكتابة جديدة كل لحظة.
الواقع والخيال
* تتكىء في رواياتك على أحداث تاريخية البعض منها معروف والبعض الآخر مرتبط مباشرة بالأمكنة حيث تنسج من خلالها رؤيتك الخاصة المغرقة في الخيال كيف توازي هنا بين الواقع والخيال؟
** دائماً ما أسعى في كتاباتي إلى أنسنة الأشياء، والأماكن، والتعامل معها بحضورها الذاتي، وتأثيرها فيما حولها من كائنات، أي أتعامل معها كأشخاص وأناس، ذوات أرواح وحيوات، وهذا جزء من رؤيتي الكونية، ومعادل لمفهومي عن الحياة، وتشعبها. في رواياتي هناك أماكن عديدة يتحرك ويعيش فيها أبطال الروايات، وهناك أماكن جديدة، يمرون عليها أو يقيمون فيها، لذا سيجد القارىء أن بيئة كل رواية طاغية على الحكي في مناطق كثيرة، وتشد إليها الأشخاص ليذوبوا في تفاصيلها، حتى لو كانت بيئة الرواية مستقلة عن الراوي، إلا أن رائحتها تُشكل لديه مجسات وآثار أقدام تدله على الطريق. وهذا معناه أنني أكتب وفق منطق البيئة التي أتصدى لها، وليس وفق تصور مسبق منفصل عن العالم الذي أتناوله بالكتابة، مع إنتباهي إلى تاريخ المكان والأحداث الدائرة فيه، بحضورها الصحيح، ويأتي دور الخيال ليتفاعل مع الواقع، ويشكل عجينة لبناء المتن الروائي. مثلاً، في رواية "تفاحة الصحراء" تدور أحداث السرد في منطقة "العلمين" بالصحراء الغربية المصرية، بما تحمله تلك المنطقة من حضور في الحرب العالمية الثانية، ويأتي الخيال لاستحضار ذلك العالم النائم تحت الرمال ليحييه من جديد. وهناك دراسة هامة عن الرواية للناقد والمبدع يوسف الشاروني في كتابه "قراءات في روايات"، أشار فيها إلى أن: "أولي ميزات هذه الرواية أن أحداثها تدور في بيئة غير تقليدية للرواية المصرية أي خارج المدينة والقرية، حيث إنها تدور في شمال الصحراء الغربية علي الحدود الليبية، وتطل علي ساحل البحر الأبيض المتوسط، مما يمكن اعتبارها الوجه المقابل لرواية فساد الأمكنة لصبري موسي، التي تدور أحداثها في جنوب الصحراء الشرقية، قرب الحدود السودانية، وتطل علي ساحل البحر الأحمر. واستطاع المؤلف الموهوب محمد العشري أن يقدم لنا معايشته الحية لهذه البيئة، التي يفترض فيها ـ من يجهلها ـ السكون، بينما هي تمور بما جسمه أمامنا بحيث حفرها في ذاكرتنا فلا ننساها كأنما عشناها. فهي بيئة يتعانق فيها الموت والحياة.. هذا الجدل بين الثنائيات هو الذي يهب العمل الإبداعي مضمونه وحيويته, وما تتميز به من مفاجآت متتالية تشكل عنصر تشويق بالغ الطرافة
الطبيعة المفتوحة
* لديك دعوة في إحدى رواياتك للعودة إلى الصحراء أو بالأحرى لإعادة اكتشاف الصحراء وآفاقها اللامتناهية هل يعني ذلك العودة إلى الجذور العميقة للشعوب العربية؟ وماذا تعني تحديداً بذلك؟
** الصحراء بيئة قاسية، تجمع كل المتناقضات في متاهتها الطبيعية المفتوحة، إن لم يتوه المرء في رمالها عن عمّد، أو يُقبل عليها كما يُقبل على شربة ماء تحييه وتبلل جفاف روحه، فلن يكون قادراً على المضي فيها. ليس كافياً أن يتجول في متحفها ويقرأ تاريخها ويرصد حالات الصراع بين القبائل المتناحرة على امتلاك الفراغ، لأن ما انكشف واكتشف منها حتى الآن ضئيل جداً، ولا يقارن بحجم ما تملكه تلك الصحراوات من ثراء نائم تحت طبقاتها المتراكمة من ملايين السنين. ما يشغلني في صحرائي أن ألمس ذلك الذهب التاريخي المخبأ في باطنها، بأصابع العصر الحديث، وأن أنبش في الأسطوري والتراثي بروح جديدة، تتناسب مع ما نعيشه الآن من تكنولوجيا، وثورات علمية خارقة فاقت كل التوقعات، وتأثير كل ذلك على الحياة البدائية في الصحراء، ونظرة البدو إلى المجتمعات الصناعية الوافدة إليها، تلك الوفود المتعددة الانتماء، والتي تتعامل مع البيئة الصحراوية باعتبارها الكنز، الذي يجب الاستحواذ عليه ونقله إلى مجتمعاتها المدنية أو بلادها، الأحق في الانتفاء به، لأنها ابتكرت من العلم ما سهل لها العثور على تلك الكنوز المخبوءة، وسحبها من تحت أقدام لا تعرف كيف تهتدي إليها. ربما تكون النظرة العلمية مسيطرة على توجهي في رؤية الصحراء، لكنها الباب السحري لاكتشاف ذلك المجهول، الذي يطمر آلاف من الروايات والأساطير، التي تحتاج إلى جيش من الروائيين لكشف طبقة واحدة من طبقات لا حصر لها، مثل عبد الرحمن منيف، وإبراهيم الكوني وغيرهما، وهو ما أشار إليه الناقد فاروق عبد القادر في كتابه "في الرواية العربية المعاصرة" الصادر في "كتاب الهلال"، حين تناول روايتي "تفاحة الصحراء" بالنقد والتحليل، واعتبرها إضافة جديدة إلى روايات الصحراء. وما كتبه الدكتور صلاح فضل في كتابه "لذة التجريب الروائي" الصادر عن "دار أطلس" عن رواية "هالة النور"، وطرق التجريب الجديدة في الكتابة الروائية.
فانتازيا
* على الرغم من جدية الأهداف التي ترسم ملامحها في رواياتك إلا أن أسلوب الفنتازيا في الكتابة قد يفقدها بعضاً من جديتها؟
** روايتي الأولى "غادة الأساطير الحالمة" والتي نشرت في عام 1999 تعتمد الأحداث السردية على بطلين أساسيين "الفتى وغادة الأحلام"، ينطلقان في الكون كله، تبدأ غادة الأحلام في بداية الرواية إلى دفع الفتى المتردد، الخائف، إلى الطيران، تلمس يديه فينبت فيهما الريش، وتتحول يداه إلى جناحين، وتقول له: "طِرّ"، فيطير، وفي رفقتها يتعلم الغوص والسباحة، ويكتسب قوة سحرية هائلة ويتجاوز قدرة الإنسان، ومن ثم يواجه صعوبات يتغلب عليها، وكأنما يُدرب على مسرح الكون كله، مسرح الإرادة الإنسانية، أي أنك تحلم وتوجه إرادتك فتكون الأشياء كما حلمت، وكما توجهت. هي رواية تنتمي في غرائبيتها إلى أدب الخيال المتجاوز، وتنطلق من منطلق فلسفي وهو وحدة الكون، فالحيوانات والطيور والطبيعة والنجوم المطلة من خلف الوادي، والكوخ بسعف النخيل، والعجوز التي تنصح، ولحاء الشجر الذي يطهر المكان، والفيل في خدمة الجميع، هذه المنظومة، وهذه الجوقة الإنسانية وإن كان بعض أفرادها من حيوان وجماد ونبات تعطي جواً غرائبياً مشبعاً بالود والألفة، وتتجاوز أننا نصنف الأشياء في أدمغتنا بالموروث أن الحيوان رديء وأننا أعداء له، وأن الطبيعة في حالة عداء للإنسان، وأن دوره أن يقهر هذه الطبيعة، وهنا نجد غادة الأحلام رمزاً لقوة الحب في الكون، وأن هذه القوة – قوة الضمير – أو قوة الحب قادرة على تغيير الأشياء وقادرة على ضمان السلامة للمصير البشري، وللكينونة البشرية. تلك ملامح عامة في الرواية أشار وأشاد بها الناقد الدكتور محمد حسن عبد الله، أول من تلقى الرواية وتعامل معها نقدياً.
مصر" ضحية" النيل
* تقول في روايتك خيال ساخن أن مصر ضحية النيل وليست هبة النيل كما كان يقال دائما.. هل تعتقد أن آبار الصحراء (إن وجدت) وواحاتها كافية لإنتاج مجتمع حضاري يتمتع بخصوصية إنسانية؟ّ! أو منتجة ولماذا تحمل النيل مسؤولية ركون الناس إلى البلادة أو الكسل؟
** هذا بالفعل واقع الكثير من البلاد العربية، التي ليس لديها أنهاراً في تكوينها الجغرافي، واعتمدت على ماء الآبار في حياتها، وخلق مجتمعات حضارية مميزة، كان لها آثراً كبيراً وفعالاً على مرّ التاريخ، والأمثلة كثيرة في هذا المضمار، تدل على حضارات قامت وانتشرت في أماكنها وبيئاتها الصحراوية. أتيح لي أن أرى شريط نهر النيل الضيق من الطائرة، والخط الأخضر المرسوم بقلم خفيف على ضفتيه، كشارب على فم رجل، والتكدس العمراني، والإنساني على ذلك الخط الرفيع، وهالني منظر الصحراء والفضاء المجاور، وكانت لي رحلات كثيرة في داخلها، آلاف من الكيلومترات، متروكة للخواء، يصفر فيها الريح، وتلهو فيها أصوات الصحراء بموسيقاها الكثيرة النغمات، باحثة عن أذن تسكنها، وتريحها من الطيران. ذلك ما دفعني إلى إعادة النظر في مقولة "هيرودوت" بأن: "مصر هبة النيل"، تلك الجملة التي إعتبرها المصريون شعاراً يرددونه. ورأيت أن عكسها هو الأصوب، أو المُعبر عن حال مصر، أي أن: "مصر ضحية النيل"، لأن وجوده فيها جعل المصريين نائمين في حضن مياهه، تاركين الصحراء بكل ما فيها من ثروات ينهشها الجفاف والخلاء. وهو ما دفعني للتساؤل في رواية "خيال ساخن"، التي تتشابك بعض أحداثها مع نهر النيل: "ماذا لو لم يكن النيل موجوداً؟ هل كان الناس سيموتون عطشاً؟ كانوا سيبحثون حتماً عن مصدر للماء وربما انتشروا في الصحراء الواسعة وجعلوها مكاناً مناسباً للحياة أفضل مما هي عليه الآن؟". لولا النيل لتغير الناس وربما انتشروا في الصحراء الواسعة وربما تغيرت طبائعهم إلى غير ماهي عليه الآن.
ألغام الصحراء
* سنظل في الصحراء ونتحدث عن رواية "تفاحة الصحراء "كيف لتلك الأمكنة المزروعة بالألغام والوحوش والحشرات والمخلوقات الغريبة أن تكون بديلاً عن وادي النيل؟
** قبل كتابة رواية "تفاحة الصحراء" عكفت على قراءة تاريخ منطقة العلمين، خاصة فترة الحرب العالمية الثانية، وما دار منها في الصحراء الغربية على امتدادها في إفريقيا، وخلصت إلى أنها لُغمت بشكل خطير، لم يسبق له مثيل، والمدهش أنني اكتشفت أنه لا توجد خرائط لحقول الألغام المنتشرة في الصحراء الغربية، لسبب بسيط، وهو أن "منتجمري" زرعها، أو بدرها وراءه وهو في حال فرار من "روميل"، فكيف يتأنى لقائد مهزوم، يفرّ أمام قائد منتصر أن يهندس ويرسم ويضع خرائطاً لحواجز يضعها وراءه لتسد الطريق على مهاجمه.
أردت من خلال هذه الخلاصة أن نكف عن المطالبة بتلك الخرائط من أناس ودول تماطل في الرد، لأنها لا تملكها، ولا تعلن ذلك صراحة، ونعمل على نزع تلك الألغام بشركات خاصة، كالتي تستأجرها شركات البترول، لتنظيف مناطق البحث عن البترول. لأن تلك التفاحات القاتلة النائمة تحت الرمل متأهبة للانفجار بمجرد لمسها تمنع خيراً وفيراً، وثروة طائلة من الممكن جنيها من تلك الصحراء، في مجال التعدين والزراعة أيضاً.
المشكلة أننا ملأنا وادي النيل والمنطقة المزروعة بالمنشآت الصناعية، التي لوثت ماء النيل، وجرّفنا الأرض الزراعية من أجل بناء المساكن، وننادي باستصلاح الصحراء، وذلك أمر بالغ الصعوبة، الأجدر والأنسب، أن نترك وادي النيل للزراعة، ونفرّغه من المصانع والمنشآت الصناعية بعمالها وننشيء مجتمعا صناعيا في الصحراء، قائم على استغلال الطاقة (البترول والغاز) في توليد الكهرباء والحصول على الماء وتيسير الحياة على الإنسان المصري، الذي يعاني كثيراً، ويفقد ما تبقى من إنسانيته في الزحام للوصول إلى مقر عمل أو بيت، إن توفرا.
زمن الرواية
* "نعيش زمن الرواية الآن" ألا تعتقد أن هذا العنوان أنتج الكثير من الروايات وأصبحت الرواية مهنة من لا مهنة له؟
** الكتابة -والفضفضة في الجنس- أصبحت ظاهرة مؤرقة في الرواية العربية الآن، خاصة لدى بعض الكاتبات، ويبدو أن هذا هو التوجه العام في الرواية الآن، خاصة أنه يحقق للكاتب ويجذ إليه الكثير من القراء، وذلك لأن نقد القيمة أصبح غائباً الآن، أزمة الرواية العربية في الوقت الحالي أنها تحولت إلى سلعة لدى بعض الكتّاب، مما حمّلها مسئولية أن تخضع لآلية السوق، وهو ما عرّاها من الفن والعمق، وجعلها مبتذلة تستعرض جسدها على الملأ، لتثير حواس القارىء بقشورها الخارجية، كما تفعل مغنيات القنوات الفضائية. الغريب أنها تجد من يصفق لها بحماس باعتبارها النموذج الأمثل للرواية، وهو ما دفع الكثير من الكتاب الجدد إلى الاستسهال، وملأ كتاباتهم الروائية والقصصية بالفضفضة في الجنس، والسياسة، والتعدي على الدين، على حساب القيمة والمضمون، ودون توظيف جيد، أو أن يتم ذلك بشكل فني راقٍ يدغدغ الحواس ويغذيها. وقليلة جداً الروايات التي استطاعت أن تنجو من فخ الاستسهال، وأن توظف الجنس توظيفاً جيداً يخدم العمل الروائي. أظن أن هذا أحد الأسباب القوية في كثرة الروايات الآن. إضافة إلى الكثير من دور النشر التي تسعى لتحقيق الربح على حساب القيمة، وصنع أساطير وهالات كاذبة، ليس لها أساس.
الجوائز
* لديك خمس روايات: "غادة الأساطير الحالمة"، "نبع لذهب"، "تفاحة الصحراء"، "هالة النور"، و"خيال ساخن"، وحصلت على عدد من الجوائز ماذا تعني لك الرواية، وماذا تعني لك الجائزة؟
** البدايات تنوعت بين الفن التشكيلي، والشعر، والقصة القصيرة، واتجهت في النهاية إلى الرواية، كنت أبحث من خلال تلك التجارب عن باب أدلف منه لأجد نفسي، ما أطمح أن يمثلني ويحمل رؤيتي تجاه نفسي أولاً، وتجاه الحياة والناس ثانياً، وانتهيت إلى الرواية، مارستها عن شغف وحب شديدين، ذقت متعتها ولذتها، وهو ما أقنعني في النهاية أن كتابة الرواية هو ما أطمح إليه، لِمَا للرواية الحديثة من جاذبية فائقة لاستيعاب كل الأجناس الأدبية في آتونها المستعر، رغم ما تحتاجه من احتشاد، وتفرّغ كامل، وما يصاحب كتابتها من انقطاع عن أشياء كثيرة من أجلها. بنظرة متأملة فيما نعيشه، ستجد أن الحياة روايات تكتبنا على هواها، ونحن الروائيون نعيد تشكيلها وكتابتها بدهشة لا حدود لها، كأننا لم نعشها من قبل. في رأيي أن هذا هو سحر الرواية وعالمها الآخاذ. ما أفادني بحق في كتابة وتخطيط رواياتي أنني جربت الفن التشكيلي، والشعر، والقصة، ووجدت أن كل ذلك متسرب بوضوح في متن ما أكتبه من روايات.
الجوائز بالتأكيد تضع علامة على العمل، وتدفع إلى مزيد من الزخم، والرغبة في التجويد، ومزيد من النور مما يوسع دائرة القراءة، أو المفروض أن يكون كذلك. الجائزة حين تأتي في وقت مبكر مع البدايات، تكون مشجعة، ومحفزة لمزيد من الكتابة، لكنها تستلزم الكثير من الوعي للنجاة من تأثيرها، لأنه أخطر ما فيها أن توجه الكتابة إلى اتجاه يُرضي ذائقة المحكّمين، وهو فخّ يقضي على الكثير من المواهب، ويبعدها عن الصدق الفني، ويجعلها تدور في نفس الحلقة، وربما يدفعها بعيداً عن معايشة ذاتها الحقيقية. ما أنجاني منها تجربتي الذاتية، والخروج إلى فضاء الصحراء الشاسع، فمهما كتبت عنه يمكنني أن ألتقط أشياء جديدة في كل مرة.
سمو عاطفي
* لديك موهبة في التعبير عن مشاعر الحب في رواياتك من دون أن يخدش وصفك الحميم لتلك العلاقات حياء القارىء؟ كيف وصلت إلى هذا السمو العاطفي إذا صح التعبير وسط كم هائل من الروايات التي تتكىء على الجنس كمضمون ووسيلة؟
** لا أنكر دور الجنس في تشكيل الحياة، وإشعارنا بلذتها ومتعتها، لكنه ليس هدفي، لأنني أسعى إلى مخاطبة الروح، في رقيها، حتى في تعاملها الجنسي بشكل مرهف، أنا معني بالجوهر الإنساني، في سعيه إلى تحقيق الذات، والرغبة في الاكتمال، الإنسان هو محور كتاباتي، وتفاعله مع المكان، ومع الآخرين، الحياة ومحاولة فهمها من كل جوانبها هي هاجسي وحلمي في الكتابة، أن ألمس روحي، وأفهم طبيعة تكوينها، ما يدخل في تشكيلها لتكون نواة حرة، تستخلص كيانها وذاتها من تجاربها في الحياة. لتكون شجرة مثمرة في الفضاء الكوني الفسيح. هذا ليس كلاماً مرسلاً لكنه وعي بما يمكن أن تحققه الذات الإنسانية في سعيها المحموم نحو الحرية، والخلاص من أثر الواقع وجموده. وتأقلمها مع المتغيرات التي تمر بها.
سيبقى الإنسان في حنين دائم لتلك اللحظات الرومانسية، التي تعيد لإنسانيته هدوءها، وتأملها، وسكونها المريح، في ظل ما يعيشه الإنسان من صراع يومي من أجل أشياء كثيرة، يبدو معها أشبه بالمحارب، من أجل إثبات ذاته، والمحافظة على توازنها. أعتقد أنه لا مفر من العودة إلى تلك الحياة الرومانسية بما تتركه من أثر عميق، يُشعر الإنسان بآدميته في تلك الحياة الحديثة، التي تسعى إلى طحنه في تروسها المتسارعة، مهما قال النقاد من كلام يعتمد على النظرية في قراءة الواقع، دون لمس ما يحتاجه، ويشعر به الإنسان.
* كيف يصف محمد العشري نفسه ؟
** روائي يسعى إلى الاكتشاف، والتوصل إلى أساليب ومخترعات تخدم وتحقق إنسانية الإنسان في رحلته القصيرة في الحياة، اكتشاف الصحراء روائياً، صحراؤنا نحن، من خلال خبرتي الحياتية فيها، ورحلاتي المستمرة إليها، وما يصيبني من دهشة في كل مرة أجول في رحابها. أيضاً أوظف خلفيتي العلمية في الجيولوجيا في بناء أعمدة أتكيء عليها في مسيرتي الإبداعية، صحيح أنني في روايتي الأولى "غادة الأساطير الحالمة" اتجهت إلى كتابة الأسطورة بالاتكاء على مخزون الذات الحياتي، الحب ودوره في تخليص الروح من أثر الواقع الجامد، وفي الروايات الثلاث اللاحقة، شردت وغبّت في الصحراء، لأعود ببعض الاكتشافات، اصطدت الصقور الجارحة في رواية "نبع الذهب"، رسمت مسالك الطرق الملغّمة بتفاحات الصحراء القاتلة، في منطقة العلمين بالصحراء الغربية، التقطت بعض المهن الجديدة، التي خلفتها الحرب العالمية الثانية، وأثرت في حياة البدو مثل مهنة "جامعي الجثث" من الصحراء لدفنها في قابر "الكومنولث" الشهيرة في رواية "تفاحة الصحراء"، اكتشفت كوكباً جديداً، يسعى سكانه إلى نقل رمال الصحراء إليه، لأنه المصدر الجديد للطاقة بعد انتهاء زمن البترول، من خلال تفاعلها البسيط مع نيتروجين الهواء الجوي. وهي نظرية جديدة في العلم، لا ننتبه إليها مع الأسف وذلك في رواية "هالة النور". وفي روايتي الأخيرة "خيال ساخن"، عدت إلى كتابة الأسطورة، بالسباحة في نهر النيل، رحلة في مركب صغير، تدخل بأبطال الرواية إلى الحياة الفرعونية البعيدة، والصحراء المتاخمة لضفتي النيل وأثره في تشكيل حياة المصريين، ومنطقة الفيوم، وتنتهي بهم الرحلة في الزمن الحاضر، بحثاً عما يفتقده الإنسان الآن من دفء وحب وأمان، ذلك ما يمثل تجربتي وقناعاتي في كتابة الرواية.
تشكيل الوعي
*ما هي الأهداف الإبداعية التي تود تحقيقها من خلال رواياتك؟
** قناعة ما أسعى لتحقيقها، أو على الأقل لمسها، وتقديم كل السبل المتاحة للإمساك بها على أرض الواقع. يتبادر إلى ذهني الآن كتاب قرأته في مرحلة مبكرة، عن تأثير إلقاء القنبلتين الذريتين على مدينتيّ "هيروشيما" و"ناجزاكي" في اليابان، وترك ذلك الكتاب أثراً واضحاً في أشياء كثيرة شكلت الوعي، ولازمتني لفترة، ولا زالت. أذكر أنني وقعت تحت سيطرة تامة لهول ما حدث للإنسان، حين تتحول الحياة فجأة إلى جحيم، وغدوت أتخيل نفسي في ذلك المكان مما سبب لي كوابيساً ليلية حفرت أخيلتها في الذاكرة وتركت كرات نار ملتهبة، بمرور الوقت رحت أفكر في الأمر بشكل علمي للبحث عن حل أو مُخترَع مضاد للانشطار المستمر الذي يحدثه الاندماج النووي، ربما كان ذلك أحد الأسباب التي دفعتني إلى الاتجاه إلى الدراسة العلمية، والتخصص في العلوم "بوعي أو دون وعي واضح"، مع الوقت اكتشفت أن الرواية، ذات التوجه العلمي، يمكنها أن توفر مخترعات يمكن للعلماء الاستناد إليها في خدمة وتطوير الحياة، كما حدث مع روايات الفرنسي "جول فيرن". ذلك المنحى والأثر العلمي ظهر روايتي "هالة النور" المنشورة في طبعتها الأولى عام 2002. وكان الدافع وراء كتابة الرواية سؤال تولد في مخيلتي، وبات يؤرق العالم: ماذا بعد انتهاء زمن البترول؟!
* هل يمكن اعتبار خيالك خيالاً علمياً خصوصاً وأن هناك مشاهد في بعض رواياتك يمكن تسميتها بالخيال المستحيل؟
** أحاول أن أدمج الخيال والتشكيل الأسطوري مع العلم في السرد، ربما يعود إلى إهتمامي المبكر بالأساطير، والخيال، وأيضاً إلى دراستي العلمية، وعملي الجيولوجي في مجال البحث والتنقيب عن البترول، ذلك ما حاولت أن أستفيد منه في روايتي "هالة النور" بالكتابة السردية التي تستند على خلفيتين علميتين، الأولى: استشراف المستقبل، نظرية علمية جديدة لا ننتبه لها، تعني بالبحث عن مصدر بديل للطاقة، بعد انتهاء زمن البترول، لأن قيام وانهيار الحضارات الكبري كان في الأساس مصدره أزمة في موارد الطاقة، وجدت أن الحل بسيط جداً، وهو الرمل النقي، بتفاعله مع هيدروجين الهواء الجوي، ينتج عنه طاقة كهربائية عالية، تحتاج إلى محركات بسيطة من نوع خاص، لتحويلها إلى طاقة حركة. بعيداً عن المصطلحات والتسميات العلمية، اكتشفت أن النظرية صحيحة لكنها تحتاج إلى من يساندها ويدعمها ويدفعها للتحقق. الخلفية الثانية تقوم على استكشاف الفضاء، كتبت عن كوكب جديد "عاشر" يضاف للمجموعة الشمسية المعروفة، أسميته كوكب "العاشر" (ما اكتشفته الرواية المنشورة في عام 2002، تحقق علمياً بعد ذلك في عام 2005 وأعلن العلماء وجود كوكب (SEDNA يقوم سكانه – في الرواية - بنقل الرمال الموجودة على الأرض إلى كوكبهم للحصول منه على الطاقة. الرواية ليست خالصة لروايات الخيال العلمي لكنها كما وصفها أحد النقاد "خلطة" روائية تنهل أيضاً من الواقع، وتنبه إلى خطر أزمة البطالة بين الشباب، وعمل مندوبي المبيعات، والفساد الإداري، وترصد ممارسات جنسية تتم في الخفاء، وتصريحات المسئولين المضللة لحل أزمة العمل.
* وهل هناك عودة إلى القصة القصيرة؟
** حتى الآن لي خمس روايات منشورة، ذلك يجعلني أطمئن إلى النوع الحكائي الذي أردت أن أقدم نفسي به، واستمر فيه كمشروع ينمو يوماً بعد يوم، ولا أنسى أنني كتبت الكثير من القصص القصيرة، ونشرت بعضها في جرائد ودوريات مختلفة، وعندي رصيداً كافياً لعمل مجموعتين قصصيتين، لكنني لا أفكر في نشر مجموعات قصصية في الوقت الراهن، لأمر بسيط وهو أنني وقعت في غواية الرواية، وسحرها، وانتشيت بذلك الغرق العميق في شكل إبداعي يتيح لي أن أقدم تجربة لها أعين كثيرة، أطلّ منها على براح الكون، وعلى التفاصيل الإنسانية بكل ما يحركها من انفعالات. الرواية امرأة فاتنة، نداهة، إن أغوتك وطارت روحك في فلكها، فلن يغويك عشق غيرها.
* ماذا يعني لك الفوز بجائزة العشق مؤخرا؟
** بالتأكيد مبهج جداً، خاصة أنها جائزة عن قصة قصيرة بعنوان "البحث عن ملكة"، وتتناول العشق بمعناه الإنساني الواسع، وما يحمله من دلالات ومضامين تجسد أشواق النفس البشرية، وأحلامها المفتوحة على آفاق الحب والعدل والحرية، وتتكيء على روح الحكي العربي. مما جعلني أعيد الاهتمام والتفكير في نشر القصص القصيرة التي لديَّ. وأود أن أنوه إلى أن جائزة "أدب العشق"، ليست جائزة فريدة في الأساس، هي جائزة أدبية فريدة في نوعها، دشنتها وكالة "سفنكس" للنشر والترجمة بالقاهرة حول "أدب العشق". وتتيح الجائزة النشر والترجمة للأعمال الفائزة، وتقوم الوكالة بالتنسيق مع العديد من الجهات الدولية بترجمة الأعمال الفائزة كل عدد من اللغات الأجنبية، خصصت الجائزة محورها الأول في عام 2009 في مجال القصة القصيرة، وتم إختيار (12) قصة قصيرة، لإثنى عشر كاتباً وكاتبة من دول عربية مختلفة، نشرت في كتاب بعنوان: "مختارات في العشق".
رائحة منسية
* وما هو مشروعك الإبداعي المقبل؟
** أعمل حالياً على إتمام رواية جديدة، وضعت لها عنواناً مؤقتاً: "رائحة منسية"، وهي جزء أول من مشروع روائي أخطط له منذ فترة، لرصد التغييرات التي طرأت علي الريف المصري من خلال قرية تقع علي ساحل بحيرة "المنزلة" في شمال مصر، هجر معظم أهلها حرفة صيد الأسماك، وانتشروا في البلدان العربية، مخلفين وراءهم بيوتاً، ونساءً، وأطفالاً في حاجة إلي من يرعاهم، تاركين الأسماك لتتوحش في مياه البحيرة وتأكل بعضها البعض.
وهي تجربة تعيش في الذاكرة منذ الطفولة، لأنني نشأت في قرية "البصراط"، وهي إحدي قري الدلتا الواقعة علي شاطيء بحيرة المنزلة في زمن مضي، فقد جففت مساحات شاسعة من البحيرة، وانحسر الماء عنها بكائناته بلا رجعة، وكان لهذا الملمح في بداية تكويني بصمة شديدة، فقدت أحببت الماء والصيادين بمراكبهم الشراعية وهي تلوح في الأفق البعيد، رغم صخب ما بعد هزيمة 1967، التي أكسبت القرية طباعاً غير طباع القري، حين امتلأت بيوتها بآلاف المهجرين من مدينة بورسعيد، وفي حرب 1973 كنا صغاراً نصعد فوق أسطح البيوت ونري الطائرات وهي تمر مسرعة من فوق رؤوسنا، فنتقافز في الهواء محاولين الإمساك بأذيالها، مرات تتبعناها وهي تسقط في الماء بعنف تاركة وراءها مساحات من الدخان، مازلت أشم رائحته في صدري، ومازلت أراها أمامي تدفعني إلي الكتابة بعد أن قبضت علي العديد من الرؤي، وبعد أن استوعبت بعضاً مما كان، وبعضاً مما تعيشه القرية حالياً من تغييرات في كل شيء، زلزلت كيان الحياة الريفية البسيطة.
سيرة ذاتية مختصرة:
محمد العشري
روائي وكاتب مصري
من مواليد نوفمبر – 1967.
يعمل جيولوجياً فى مجال البحث والتنقيب عن البترول.
صدر له:
غادة الأساطير الحالمة – رواية – الهيئة العامة لقصور الثقافة- 1999. طبعة أولى.
الدار العربية للعلوم- ناشرون- بيروت 2009 طبعة ثانية.
نبع الذهب – رواية – الهيئة العامة للكتاب – 2000.
تفاحة الصحراء – رواية – مركز الحضارة العربية – 2001 طبعة أولى.
الدار العربية للعلوم- ناشرون– بيروت 2007 طبعة ثانية.
هالة النور – رواية – مركز الحضارة العربية – 2002.
خيال ساخن – رواية- الدار العربية للعلوم- ناشرون- بيروت، مكتبة "مدبولي"-
مصر، و"منشورات الاختلاف" – الجزائر- 2008.
حـــاز :
جائزة نادي القصة في الرواية عام 1999.
جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة في الرواية عام 2000 / 2001.
جائزة إحسان عبد القدوس في الرواية عام 2008.
جائزة وكالة سفنكس في أدب العشق (في دورتها الأولى) 2009.
البريد الالكتروني: moashry@hotmail.com
الموقع الإلكتروني: http://ashrynovels.blogspot.com
على فكرة انا و ليد ابن اخوك انا بهنيك بالمستوى الرفيع لكتابة روايتك وفخر لية ولعائلة العشرى ان يخرخ من احشائها رجل مثلك وادعو من اللة عز وجل ان يوفقك فى مشوارك المهنى والادبى والعائلى وسلامى للعائلة الكريمة وسلامى للاستاز عمر