جديد المقالات
جديد الأخبار

استمع إلى القرآن الكريم حفظ القرآن الكريم


تابعنا على تويتر تابعنا على فيس بوك

تغذيات RSS

الأخبار
عربي
الجامعة العربية
خلل التركيبة السكانية في دول الخليج العربية
خلل التركيبة السكانية في دول الخليج العربية
06-20-2010 10:44 PM

خلل التركيبة السكانية في دول الخليج العربية



د . أحمد عبد الرحمن حمودة*

الخليج الإماراتية


[TABLE=width:70%;][CELL=filter:;]
بات ما يعرف بموضوع “التركيبة السكانية” في دول الخليج العربية يحظى باهتمام متزايد من وسائل الإعلام المختلفة ومن المؤسسات المعنية بالموضوع من حيث علاقته بمهامها ومسؤولياتها، وقد حرص المسؤولون والسياسيون والباحثون وغيرهم من المواطنين على إثارة هذه القضية بدافع لفت الأنظار اليها وإلى مخاطرها وآثارها المهددة اجتماعياً وثقافياً وأمنياً كاسهام منهم في توعية المجتمع الخليجي بأبعاد هذه القضية، ونشرت مقالات وألقيت محاضرات تنذر بأن المنطقة في خطر داهم نتيجة الخلل في التركيبة السكانية المتمثل في ارتفاع أعداد غير المواطنين بوتيرة متصاعدة أدت إلى انخفاض نسبة المواطنين إلى الوافدين بصورة لافتة جداً .

تعددت وتنوعت المواقف بشأن “التركيبة السكانية” . ومعظمها اتسم بالتشاؤم الشديد والخوف على مستقبل الإنسان والمجتمع الخليجي من الانعزال والتقلص إلى درجة أن البعض توقع وحذّر من ذوبان شبه كلي، بحيث تصبح نسبة المواطنين من جملة السكان أقل من خمسة في المائة في بعض دول الخليج العربية .

أما البعض الآخر، وهم قلة، فاتخذ موقفاً أكثر موضوعية وواقعية حيث يدعو أصحابه إلى دراسة الموضوع من خلال عمل جماعي يضطلع به المختصون والخبراء يتلخص في صياغة علمية لطبيعة وأبعاد القضية وآثارها واقتراح المقاربة والمنهج والسياسة الواقعية لعلاجها . إلا أن معظم المواقف المعلنة حتى الآن، وإن اختلفت في حدتها وفي درجة ما تعلنه من احتجاج أو نقد تستند إلى أدلة وظواهر آنية وتبقى في معظمها تعميمات تشوبها المبالغة والتهويل . وهكذا يظل الحديث عن “التركيبة السكانية” مستمراً، ولكنه يشتد حيناً ويخبو في معظم الأحيان، ويبقى محصوراً في التعليق العام على الأرقام الخاصة بالمواطنين ونسبتهم إلى جملة المقيمين من غير المواطنين، وفي المحصلة النهائية لا يترجم ذلك في صورة أفعال وسياسات وإجراءات عملية على أرض الواقع شاملة لأبعاد وآثار هذه المسألة .

التوصيف بمفاهيم ديموغرافية سليمة
من المؤكد أن هناك أبعاداً وجوانب أخرى للموضوع السكاني يجدر ذكرها، بحيث لا تغيب عن الذهن العام وعن التمحيص العلمي لهذه الظاهرة المتعددة الأبعاد . فكما هو معروف، ان العلاقة بين المتغيرات التنموية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإدارية والثقافية من جهة والمتغيرات السكانية من جهة أخرى، لها تأثير وتأثر متبادلة .

فكل ما ينشر أو يتم الحديث عنه حول “التركيبة السكانية” يقع في إطار تأثير التغير الرقمي في نسبة جزء من السكان إلى المجموع الكلي لهم . بمعنى تناقص نسبة المواطنين من جملة السكان وأثر ذلك في أحوالهم الاجتماعية، وتغير ملامح الواقع البيئي والثقافي المحيط بهم . أما آثار وتداعيات القرارات والسياسات والبرامج الاقتصادية والاجتماعية والمشاريع الإنمائية المختلفة التي تنفذها الدول الخليجية على الواقع السكاني (التركيبة السكانية وغيرها من المتغيرات السكانية)، فلا تحظى بأي تحليل أو دراسة علمية لجهة اختيار واتخاذ أنسب الإجراءات والقرارات التنموية من حيث التأثير إيجابياً في الوضع الديموغرافي في هذه الدول .

وفي هذا الصدد تجدر الإشارة إلى أننا نحن معشر الديموغرافين نرى أن الشخصية الديموغرافية لأي دولة تتشكل من ثلاثة مكونات تتفاعل وتتكامل لينتج عنها المتغيرات السكانية التي بدورها تؤثر وتتأثر بالمتغيرات التنموية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية وغيرها . فمسألة الخلل أو التوازن هي وصف للعلاقة بين عناصر طرفي معادلة (السكان والتنمية) وحركة هذه العناصر عبر الزمن . بمعنى أنه من وجهة النظر التنموية الاجتماعية والاقتصادية، والاستراتيجية والأمنية، هناك حجم أمثل للسكان (وهو أحد المكونات الديموغرافية لشخصية الدولة) وهناك تركيب سكاني مناسب (وهو ثاني المكونات) وتوزيع جغرافي متوازن للسكان (وهو ثالث المكونات) والذي يمثل علاقة انتشار السكان جغرافياً في المكان وعلى مساحة الدولة . ويمثل نمو السكان (بمعنى تغير عددهم عبر الزمن) الضابط الأساسي للعلاقة بين المكونات الثلاثة المذكورة . فيكون معدل نمو السكان ووتيرة تغير عددهم بمثابة رد فعل وتعبير عن سعي الدولة إلى تحقيق مستوى معين يكون عنده إجمالي عدد السكان (حجم السكان) ونوعيتهم وخصائصهم، وديناميكية نموهم وتركيبهم (التعليمي والمهني والنوعي والاقتصادي . . . الخ) وتوزيعهم المكاني من جهة متوازناً مع الموارد المتاحة وتوزيعها ومع المستوى الاقتصادي والمعيشي والبيئي من جهة أخرى .

فحينما يستخدم مصطلح “التركيبة السكانية” يتبادر إلى الذهن ما استقر عليه الديموغرافيون والمختصون بالقضايا السكانية بأن المقصود تركيب السكان حسب النوع الاجتماعي (نسبة الذكور إلى الإناث) أو التركيب التعليمي (نسب ومستويات التعليم والتأهيل لدى السكان) أو التركيب حسب النشاط الاقتصادي (نسب السكان العاملين في القطاعات الزراعية والصناعية والخدماتية (الاقتصادية) أو تركيب السكان المهني (أي نسب توزيع السكان على المهن المختلفة) . . . الخ .

بمعنى أن تركيب السكان (أي التركيبة السكانية) هو عبارة عن خصائص السكان وتوزيع عددهم الإجمالي على تلك الخصائص . وحينما يكون هناك تنوع وأصول مختلفة، أثنية أو دينية مثلاً فإن ذلك يكون مجرد أحد أبعاد التركيب السكاني .

بناء على ذلك يتضح بأن استخدام مصطلح “خلل التركيبة السكانية” من وجهة النظر الديموغرافية لا يقصد به خللاً عاماً في تركيب السكان بالمعنى العلمي للمصطلح . بل انه مجرد خلل في واحد من أبعاد التركيب السكاني . علماً بأن هناك أنواعاً أخرى من الخلل في تركيب السكان، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر في دول الخليج العربية، الخلل في التركيب النوعي الاجتماعي (نسبة الذكور إلى الإناث) وهذه صفة لها آثارها السلبية الاجتماعية .

ولكن إذا نظرنا إلى المؤشرات الديموغرافية بصفة عامه لأي من دول الخليج العربية نلاحظ أنها في مجملها مؤشرات عادية مقبولة شأنها شأن المؤشرات الخاصة بالعديد من دول العالم .فهي ليست شاذة أو مختلة أو تدعو للخوف، وهذه النتيجة تستند إلى دراسات علمية .

وهي نتيجة صحيحة إذا كنا نستخدم المصطلحات بدقة علمية وبمعانيها وتعريفها الصحيح، وليس مجرد كلمات عامة غير محددة المحتوى والدلالة . ونعني بذلك أن هنالك فارقاً وتبايناً كبيراً بين مصطلح (سكان الإمارات Population of Emirates) مثلاً و(السكان في الإمارات Population In Emirates ) . فالمصطلح الأول يعني مجموع الأشخاص المنتمين إلى دولة الامارات ويملكون الوثيقة أو الوثائق التي تثبت هذا الانتماء وتمتعهم بجنسية الدولة . بغض النظر عن مكان إقامتهم في الدولة أو خارجها .

أما المصطلح الثاني فيعني مجموع الأشخاص المقيمين أو الذين يعيشون على أرض الدولة بغض النظر عن الجنسية التي يحملونها سواء أكانت جنسية إماراتية أم غيرها .

والفرق شاسع بين دلاله المصطلحين سواء من حيث العدد الإجمالي للسكان أو من حيث تركيبهم وتوزيعهم . . . الخ . إن عبارة (السكان في الإمارات) تتضمن كتلة بشرية دخلت الدولة وأقامت على أرضها لفترات زمنية متفاوتة (الوافدون المقيمون في الدولة) . فأي خلل في أي مؤشر ديموغرافي هو نتيجة مباشرة لدخول هذه الكتلة البشرية إلى الدولة (من خلال متغير الهجرة) وتأثيرها في حجم السكان وتركيبهم وتوزيعهم وعلى معدل نموهم أيضاً .

معادلة السكان والتنمية
استناداً إلى ما تقدم يمكن توصيف المسألة الديموغرافية في أي من دول الخليج العربية بأنها ليست خللاً في تركيب “سكان الدولة” وإنما خلل في أحد أبعاد تركيبة “السكان في الدولة” وغياب سياسة سكانية تفصيلية تنظم الأعداد والخصائص المختلفة للأشخاص الوافدين إلى الدولة والمقيمين فيها والذين يعتبرون جزءاً من “السكان في الدولة” .

فالخلل، إن وجد، يكمن في السياسة السكانية التفصيلية المنشودة (للسكان في الدولة) . فهذه السياسة يجب أن تكون متوازنة من حيث الخصائص التعليمية والمهنية والاثنية وغيرها، وأن تكون متسقة في مجملها مع السياسة التنموية القطاعية والثقافية ومع الأهداف والرؤية للشخصية الوطنية حاضراً ومستقبلاً .

وعليه فان القول بأن هناك تناقصاً في عدد سكان أي دولة من دول الخليج العربية ليس صحيحاً، لأن معدل التزايد الطبيعي السنوي مرتفع في جميع هذه الدول . بمعنى أن معدلات الخصوبة فيها مرتفعة، وفي الآن ذاته معدلات الوفيات فيها منخفضة جداً وتماثل المعدلات السائدة في الدول المتقدمة . ولكن نسبة السكان (المواطنين) من جملة (السكان في الدولة المعينه) تتناقص نتيجة لعدم توفر سياسة سكانية تحدد أعداد الوافدين ونوعيتهم أو خصائصهم . وذلك لأن عملية استقدام الوافدين إلى دول الخليج العربية لا تتم في ضوء سياسة سكانية محددة بل هي مجرد آلية لتلبية احتياجات سوق العمل التي تخضع بصفة أساسية لمتطلبات وقرارات أفراد وشركات القطاع الخاص ومن دون أي تنسيق أو سياسة موحدة لجميع الفاعلين في مجال استقدام العمالة بمن فيهم المؤسسات والوزارات المعنية .

وخلاصة القول أن ما يدعى “خلل التركيبة السكانية” ليس خللاً في تركيب “سكان الدولة” بل هو كما ذكر آنفاً خلل في أحد أبعاد تركيب “السكان في الدولة” ومظهر من مظاهر عدم التوازن بين عناصر طرفي معادلة “السكان والتنمية” وعدم تبني سياسة سكانية ذات عناصر ديموغرافيه محددة لها آثار اقتصادية واجتماعية وثقافية وأمنية . . . الخ . وفي الآن ذاته متسقة مع عناصر الطرف الثاني من المعادلة (أي عناصر التنمية الوطنية الشاملة) والتي لها آثار مهمة في معالم الشخصية الديموغرافية للدولة .

فعلى أي أساس نحكم بأن عدد السكان الحالي لأي دولة خليجية كثير أو قليل! وأن حجمها السكاني الحالي مناسب أو غير مناسب اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وأمنياً . إذا كنا لا نعرف الأهداف الكلية والتفصيلية التي تبتغيها هذه الدولة من خلال سياستها السكانية والتنموية المعلنة خاصة ونحن نعلم أن لكل دولة حجماً أمثل للسكان وأن لدى المختصين أسلوباً أو طريقة علمية لتحديده، وكذلك الحال بالنسبة لتحديد مجموعة من الأهداف والتصورات المستقبلية المرغوب فيها على صعيد تركيب السكان وتوزيعهم جغرافياً في الدولة المعنية . كما اننا يمكن أن نصوغ مجموعة متناسقة من البرامج والقوانين والتشريعات الهادفة إلى تحقيق هذه الأهداف والتصورات الديموغرافية المستقبلية . فمن حصيلة هذه المعرفة والنتائج العلمية السكانية تتشكل “السياسة السكانية” .

تبني سياسة سكانية واضحة
لصياغة سياسة سكانية لا بد أن نحدد علميا مجموعة من الأهداف والتصورات المستقبلية المرغوب فيها كملامح للشخصية الديموغرافية للدولة المعينة . كما يجب أن نصوغ مجموعة متناسقة من البرامج والقوانين والتشريعات الهادفة إلى تحقيق هذه الغايات والتصورات الديموغرافية المستقبلية . فمن حصيلة هذه المعرفة والنتائج العلمية السكانية تتشكل السياسة السكانية . وعليه فإن “السياسة السكانية” سواء أكانت صريحة ومعلنة أم ضمنيه غير معلنة عبارة عن وثيقة تتضمن سرداً لنية أو خطة الدولة بمؤسساتها وهيئاتها المختلفة للتأثير في حجم ونمو السكان وتركيبهم وتوزيعهم فيها . وكذلك تبني برامج وآليات محدده كالقوانين واللوائح والتشريعات والأنظمة والبرامج والأنشطة الإنمائية (المدمجة بخطة التنمية الوطنية) والتي لها تأثير ايجابي مباشر أو غير مباشر في المتغيرات السكانية .

الجهة صاحبة القرار
تقوم الدول عادة بإنشاء وزارة أو مجلس أو لجنة وطنية أو هيئة خاصة بالمسائل السكانية . وبات هذا الإجراء ضرورة ملحة للدول العربية الخليجية . واستجابة لذلك خطت دولة الإمارات العربية المتحدة الخطوة الأهم على طريق مواجهة الخلل في معادلة السكان التنمية (المعروف محلياً بخلل التركيبة السكانية) . وذلك بإصدار القيادة السياسية وعلى أعلى مستوى قراراً بإنشاء المجلس الاتحادي للتركيبة السكانية . وهذا يعني التأكيد من الدولة على أهمية الموضوع وموقعه بين أولوياتها، وأنها باتت تفكر وتتعامل مع القضايا السكانية بصورة مؤسسية وبمنهج علمي تحليلي شامل يتجاوز النظرة الضيقة للتركيبة السكانية في حدودها الرقمية كنسبة مئوية محدودة الدلالة . لذلك لا بد من تعزيز مناقشات وحوارات أعضاء المجلس المستندة إلى معرفتهم وخبرتهم ووجهات نظرهم بدراسات علمية معمقة وموجهة ومصممة خصيصا لبحث الأبعاد والعلاقات وحركة المتغيرات المكونة للعناصر العديدة لمعادلة “السكان والتنمية” . وبذلك تكون القرارات التي سيصدرها المجلس موضوعية ومستندة إلى رؤية شمولية متعددة الأبعاد والاعتبارات وطنياً وقومياً وإنسانياً، وفي الآن ذاته تمثل العلاج المرجح علمياً والمفضل اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وأمنياً للمشكلة أو ألخلل أياً كان نعته ديموغرافياً أو تنموياً .

إن مسؤولية المجلس ضخمة ومهماته عديدة ولكن أهمها على الإطلاق اتخاذ القرار باختيار النمط السكاني الأنسب للدولة . ونعني به إجمالي عدد السكان وتركيبهم وتوزيعهم ومعدلات واتجاهات تغيرهم ديموغرافيا في المكان والزمان المحددين لتحقيق الأهداف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والأمنية وغيرها . فالنمط السكاني السائد واتجاهاته المستقبلية يجب أن يكون متسقاً ومتوازناً مع واقع الصورة والشخصية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية المرضي عنه حالياً والمنشودة مستقبلاً كمحصلة ونتيجة للتنمية الشاملة التي تضطلع بها الدولة .

إن عملية اختيار النمط السكاني الأنسب واتخاذ القرار من خلال مقارنة الأنماط السكانية الممكنة باعتبارها بدائل متباينة من حيث قدرتها وإمكان تنفيذها وتقبلها اجتماعياً وثقافياً وسياسياً، تتطلب بحوثاً ودراسات تحضيرية عديدة واستقصاءات لاتجاهات التغير والسلوك الديموغرافي والمواقف ذات العلاقة .

فتبعاً لاختيار وتحديد العناصر والمستويات للمتغيرات الديموغرافية المرغوب فيها اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً ستنشأ تغيرات نتيجة لذلك على الصعد المرتبطة بها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية وغيرها . فمثلاً ترتبط بتغير الحجم السكاني وبمعدل النمو السكاني تغيرات اجتماعية واقتصادية مباشرة أكثرها وضوحاً التغير في حجم القوى البشرية المتوافرة في الدولة (أي السكان في سن العمل 15 - 64 سنة) وفي حجم قوة العمل التي ينجم عنها بطبيعة الحال تغيراً في الدخل القومي، وفي نصيب الفرد من الناتج الإجمالي والتي ترتبط بدورها بمستويات الادخار وبالاستثمار وذلك بافتراض أن توافر القوى العاملة يشكل عنصراً مهماً في دفع عجلة التنمية واستثمار الموارد، ولكن وبالمقابل فإن نمو حجم السكان يعني زيادة عدد الأفواه المستهلكة (حجم الاستهلاك) الذي يمكن أن يكون تياراً جارفاً يبتلع كل الادخار أو معظم ما تحققه التنمية من زيادة في الإنتاج .

وعلاوة على ذلك فإن زيادة حجم القوى العاملة يلقي بأعباء ومسؤوليات إضافية على كاهل الدولة كتوفير فرص العمل الكافية وتوفير التعليم والتدريب والسكن والتطبيب وغيرها . كما ويرتبط بتغير حجم السكان ونموهم متغيرات تنموية مثل حجم الاستيراد ومستوى التوظيف أو الاستخدام وتغيرات أخرى اجتماعية وثقافية واقتصادية وأمنية عديدة . هذا علاوة على أن تغير حجم السكان ونموهم يعكس تغيراً في تركيب السكان العمري والنوعي والاثني وتوزيعهم الجغرافي، وهذا كله يؤدي بدوره إلى تغير في تركيب الاستهلاك والادخار . فكما نعلم أن مطالب الإنسان واحتياجاته ونمط استهلاكه يختلف باختلاف عمره ونوعه وحسب خصائصه الأخرى . وهكذا بالنسبة للمتغيرات الديموغرافية الأخرى فالوفيات والإنجاب والهجرة الداخلية والخارجية والتركيب العمري والنوعي وغيرها من أنواع التركيب،كل منها يؤثر في متغيرات اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية معينة . والعكس صحيح .

وهكذا إذا استقر الرأي لدى صاحب القرار باختيار نمط سكاني محدد، يعتقد بأنه الأنسب للمجتمع اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وأمنياً، وذلك استناداً إلى دراسات وتحليل علمي شامل لجميع أبعاد ومتغيرات (معادلة السكان والتنمية) عليه أن ينتقل إلى المرحلة التالية المتمثلة في اتخاذ القرارات المستنيرة بشأن تحديد الآليات التنفيذية للأنشطة والبرامج والتشريعات الهادفة لتحقيق غايات منشودة اجتماعية واقتصادية وثقافية أو تنموية شاملة تعبر في مجملها عن سياسة سكانية وطنية مدروسة ومتسقة ومتكاملة ومتوازنة مع التنمية الوطنية المستدامة .

الهجرة الوافدة
يبدو جلياً أن مظاهر الخلل في التركيب السكاني لدول الخليج العربي بأشكالها وأبعادها وتداعياتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية المختلفة، قد نجمت عن تدفق تيار من الهجرة الوافدة للعمل في هذه الدول عشية اكتشاف وإنتاج النفط بكميات ضخمة منذ عدة عقود، وتصاعد حجم هذا التيار وتنوع مصادره بصورة دراماتيكية نتيجة للطفرة الاقتصادية العمرانية والإنشائية للبنية التحتية والمشاريع الإنتاجية المختلفة في القطاعات الأخرى .

وتأسيساً على ذلك فإن حجر الزاوية في أي سياسة سكانية خليجية لإصلاح معظم الخلل الراهن هو “مسألة الهجرة الوافدة” متمثلة في مصادرها وحجمها وخصائصها وآثارها وتداعياتها الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية . . . الخ، والأسس والأساليب والآليات العملية والإجرائية لإيجاد التوازن المطلوب بينها وبين التنمية حجماً ووتيرة وتنوعاً وعدالة من حيث التوزيع للعوائد جغرافياً وقطاعياً واجتماعياً وأن تكون هذه الهجرة متسقة ومتوازنة مع المعطيات والقيم الوطنية الاجتماعية والثقافية والاعتبارات السياسية والأهداف والسياسات الوطنية والقومية، وذلك من خلال التأثير الموجه لمصادر تيار الهجرة الوافدة والخصائص الذاتية والعلمية والمهنية للمهاجرين الوافدين .

إن إعداد سياسة سكانية شاملة لجميع الأبعاد والمتغيرات بتأثيراتها المتبادلة وتداعياتها المتعددة يتطلب توافر دراسات علمية تحليلية كمية ونوعية ومقارنة بين الواقع الراهن والوضع المنشود، فعلى سبيل المثال لا الحصر يجب أن يتوفر لدينا وصف شامل للمشاريع والأعمال الإنتاجية في جميع القطاعات وبيان لنوعية التنمية وخصائصها والاستثمارات البشرية والمالية القائمة ولسوق العمل وحجم وخصائص العمالة الموجودة . . . الخ، وفي المقابل يجب أن تتوفر لنا تقديرات أو توقعات علمية لاحتياجات سوق العمل من العمالة المؤهلة والمدربة لسنوات قادمة وحسب التخصصات والمصدر سواء أكان مصدرها وطنياً يتم توفيره عبر مخرجات مؤسسات التعليم والتدريب الوطنية بمستوياتها المختلفة، أو يتم استقدامها من مصادر خارجية مدروسة من حيث كلفتها الاقتصادية المعقولة وخصائصها وقيمها الاجتماعية والثقافية المتسقة مع الهوية والقيم والتقاليد العربية الإسلامية والمتفقة مبدئياً مع النظام السياسي والثوابت الوطنية .
[HR]
* أستاذ جامعي ومستشار بالأمم المتحدة سابقاً ومنظمة الأسرة العربية حالياً
aahammouda@hotmail .com
[/CELL][/TABLE]

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1413


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Facebook
  • أضف محتوى في twitter
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon


أرسل خبرا جديدا

تقييم
4.60/10 (8 صوت)

العاب

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.