د . عاصم الدسوقي: "يوليو" باقية ما بقي الاحتلال والظلم الاجتماعي - مكتبة الأخبار مجلة الديوان
خريطة الموقع الإثنين 6 سبتمبر 2010م

تقرير: السعودية والبحرين تدفعان أعلى الأجور في العالم للعمالة الوافدة  «^»  جمعية أهلية في مصر لرعاية حقوق الكومبارس  «^»  لأسباب مادية وإدارية: موريتانيا تتخلى عن لقب "عاصمة الثقافة الإسلامية"   «^»  السعودية: سما للطيران توقف جميع رحلاتها و تُسرّح موظفيها   «^»  جوازات السفر الليبية الجديدة ستحمل صورة القذافي وبرلسكوني  «^»  واشنطن تغري إسرائيل كي لا تهاجم إيران  «^»  دراسة علمية : التكييف يسبب أمراض العيون والمفاصل  «^»  الحكم غيابياً بالأشغال الشاقة المؤبدة على رئيس مدغشقر السابق   «^»  السفير السعودي بكندا يقيم مأدبة إفطار للطلبة المبتعثين   «^»  مفيد شهاب (عضو الشورى) يترشح لمجلس الشعب تمهيدا لرئاسته جديد الأخبار

مكتبة الأخبار
حوار
د . عاصم الدسوقي: "يوليو" باقية ما بقي الاحتلال والظلم الاجتماعي













د . عاصم الدسوقي: "يوليو" باقية ما بقي الاحتلال والظلم الاجتماعي

د . عاصم الدسوقي

"يوليو" باقية ما بقي الاحتلال والظلم الاجتماعي


ينظر الدكتور عاصم الدسوقي المؤرخ المعروف وأستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة حلوان إلى ثورة يوليو باعتبارها كانت تتويجاً لأحلام المصريين في الحرية والاستقلال والتنمية والعدالة الاجتماعية . لكنه يعتبر كل ما حققته الثورة من إنجازات قد انتهى أو قضي عليها برحيل قائدها جمال عبدالناصر في سبتمبر من العام 1970 .

وفي حواره مع الخليج الاماراتية يدلل الدسوقي على ذلك بالقضية الفلسطينية التي كانت طوال حياة الزعيم الراحل هي شغله الشاغل، مشيراً إلى المعركة الطويلة التي خاضتها الثورة من أجل دولة فلسطينية حرة ومستقلة تسع جميع الفلسطينيين، انتهت برحيل عبدالناصر إلى مجرد “وطن افتراضي” في الخيال .



حوار: غريب الدماطي

رغم مرور 58 عاماً على قيام الثورة، إلا أن آثارها لا تزال واضحة وتأثيراتها تمتد إلى العديد من مناطق العالم، كيف تنظر إلى هذه الظاهرة وبم تفسرها؟

إنه صدق المبادئ التي دعا إليها جمال عبدالناصر وتحرك من أجلها وهي قضايا محددة وواضحة ولا تقبل اللبس، ولعل أبرز تلك القضايا قضية العدل الاجتماعي التي عمل من أجل تحقيقها ليس من منطلق فئوي، وإنما لأن عبدالناصر نفسه كان واحداً من أبناء الطبقة الوسطى، التي عانت كثيراً من التهميش السياسي والفقر الاجتماعي والاقتصادي، بل مقابل قلة يحكمون ويملكون .

وأعتقد أن الأهداف الستة التي رفعتها الثورة منذ قيامها قد أنجزت تماماً بما فيها مبدأ الديموقراطية السليمة التي يقول عنها الخصوم إن الثورة لم تحققها، ودعني هنا أؤكد أن قطاعات واسعة من الشعب المصري قبل الثورة حرمت حتى من حق الترشيح للمجالس النيابية وذلك بموجب دستور العام ،1923 واقتصر الترشيح على كبار القوم من الإقطاعيين والرأسماليين، لذا فإنه عندما ينجز عبدالناصر حق ترشيح كافة فئات الشعب فهو بذلك يمضي في تطبيق “الديموقراطية السليمة”، أضف إلى ذلك العديد من الإجراءات التي اتخذتها الثورة بشأن مشاركة العمال في الإدارة والأرباح، وتخصص نسبة 50% من أعضاء مجلس الأمة (مجلس الشعب حالياً) للعمال والفلاحين الحقيقيين، أليس كل ذلك مضياً في طريق تطبيق الديمقراطية السليمة؟

أعتقد أن ما نراه في هذه الأيام برفع صور الرئيس جمال عبدالناصر في كثير من البلدان العربية ودول العالم الثالث في كل الأزمات، وما قاله حفيد الرئيس فرنجيه إبان حرب تموز 2006 من أن لبنان تعلم القومية العربية من جمال عبدالناصر، وما قاله في وقت سابق هوجو شافيز رئيس فنزويلا الذي كان يبلغ من العمر (16) عاماً عند رحيل عبدالناصر، من أنه ناصري وأمم قطاع النفط على طريقة عبدالناصر في أول اجتماعات منتدى دافوس عندما رفع محتجون صور عبدالناصر، أليس كل ذلك يؤكد أن آثار ثورة 23 يوليو/تموز 1952 امتدت إلى مناطق عديدة في العالم .

لقد كانت قضية التحرر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي التي عمل من أجلها عبدالناصر دافعاً قوياً لالتفاف جماهير عريضة من العالم الثالث خلف مبادئ الثورة التي دعت إلى التحرر من الاستقلال والاحتلال والرأسمالية المتوحشة المستغلة .

قامت ثورة يوليو من أجل الاستقلال الوطني والتنمية وعملت طوال فترة حكم الرئيس عبدالناصر على إرساء هذه المبادئ والوصول إلى تلك الأهداف، كيف تنظر كمؤرخ إلى هذا الأمر وهل تغيرت مفاهيم الاستقلال الوطني في ظل المتغيرات الدولية الحديثة؟

الذين يقولون إن الأوضاع السياسية في العالم تغيرت وأن المفاهيم تبدلت، هؤلاء يبررون الانهزامية، وأعتقد أن مقولة الرئيس جمال عبدالناصر: “ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة” التي تم استبدالها بالمفاوضات والمباحثات وغيرها من المسميات لا تزال تصلح في هذا الزمن الذي نرى فيه الهوان العربي والتراجع الشديد في الدور والفعل والتأثير .

إن أي مفاوضات لابد أن يصاحبها قوة تقف خلفها وتدعمها، وأعتقد أن قبول فكرة المفاوضات في حد ذاتها تعني ضمنياً القبول بالتنازل أو المساومة، ومن المعروف أن الذي يقبل التفاوض ينحي أي شروط جانباً .

وهنا لابد أن أذكر أنه في الحرب العالمية الأولى لم يلجأ الذين انتصروا إلى المفاوضات مع الذين انهزموا، وهنا أيضاً دعني أقل إن عبدالناصر لم يكن يوماً يساوم وأثناء التفاوض مع الإنجليز منذ أبري/نيسان عام 1953 حتى يوليو/تموز ،1954 وهي فترة مفاوضات طويلة تعرضت فيها إنجلترا إلى ضغوط من “إسرائيل” والولايات المتحدة الأمريكية اللتين كانتا ترغبان في عدم خروج الإنجليز من مصر إلا إذا اعترفت بدولة الكيان الصهيوني حتى ينتهي الصراع، وعندما عرضت إنجلترا هذا الأمر على عبدالناصر، قال حينها كلاماً قاطعاً: “نحن نتفاوض على الجلاء من مصر ولسنا بصدد حديث عن “إسرائيل”” .

كل ما يقال اليوم حول أن زمن الحرب الباردة قد مضى وأن هناك قطباً واحداً يحكم العالم، الذين يرددون مثل هذا الكلام إنما يعملون على “تسويق” أوهام الاستسلام، ودعني أسأل سؤالاً: هل هذا القطب الواحد استطاع منع حزب الله من محاربة “إسرائيل” أو استطاع أن يحجم دور إيران أو تركيا؟

هل يعني ذلك أن شعار عبدالناصر “ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة” لا يزال حاضراً في المشهد العالمي؟

عبدالناصر عندما أطلق شعاره كان يعنيه، لكنه في الوقت ذاته قبل بالتفاوض حين قال عقب حرب 1967: “نحن طلاب سلام، لكن سلاماً قائماً على العدل”، وليس معنى ذلك أنه قد قبل الانهزام أو استسلم، لكنه كان يهدف إلى إقرار حق شعب فلسطين في إقامة دولته وتقرير مصيره .

لقد كانت قضية فلسطين قضية عبدالناصر، والدليل أنها كانت تعالج دولياً في الماضي باعتبارها قضية لاجئين، لكن حين تولى عبدالناصر مجلس قيادة الثورة وبدأ تحركاً قوياً نحو تعزيز القضية، حوّلها إلى قضية “ناس أصحاب حق أراضيهم مغتصبة ولابد لهم من أن يستردوا وطنهم” .

وقد كان ذلك واضحاً منذ عام 1953 عندما عرض عليه “دلاس” وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية مشروع انضمام مصر إلى منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط، فسأله عبدالناصر: “الدفاع عن الشرق الأوسط ضد من؟”، فقال دلاس: “ضد الشيوعية”، فرد عبدالناصر: “لا يوجد خطر على الشرق الأوسط من الشيوعية وإذا كان هناك خطر حقيقي فهو وجود “إسرائيل”” .

حتى الذين قالوا إن عبدالناصر نحى شعار: “ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا القوة” بعد حرب ،1967 لم يفهموا قيمة حديثه عن السلام العالمي، ولم يفهموا معنى حديثه عقب حرب يونيو 1967 وقوله: “إننا خسرنا معركة ولم نخسر الحرب” .

وأعتقد أن هذه المقولة تؤكد استراتيجية التفكير الحديث لدى عبدالناصر، وقصة قبوله لقرار 242 فهو لم يكن قد خضع لضغوط تفاوضية بشأنه لكنه التزم بالقرار باعتباره قراراً دولياً، وشن حرب الاستنزاف وهي حرب حققت أغراضها، وهي الحرب التي قال عنها عيزرا وايزمان في مذكراته: “الحرب الوحيدة التي لم تكسبها “إسرائيل””، ولاحظ هنا أنه قال كلمة حرب وليست معركة .

كما أن قبول عبدالناصر لمبادرة روجرز كان قبولاً تكتيكياً لالتقاط الأنفاس من جهة ولإقامة منظومة دفاع جوي من جهة أخرى .

كيف كانت طبيعة الأحزاب والقوى السياسية في مصر قبل الثورة، ولماذا حدث الصدام بينهما وبين الثورة لاحقاً؟

الأحزاب قبل الثورة تأسست على مرحلتين . . الأولى بدأت قبل عام 1918 وبدأت في عام 1907 الذي عرف بعام الأحزاب الذي تشكلت فيه ثلاثة أحزاب رئيسية هي حزب الأمة الذي يمثل كبار الملاك ومن زعامته أحمد لطفي السيد، وحزب الإصلاح القائم على المبادئ الدستورية، وكان رئيسه الشيخ علي يوسف وكان من رجال الأزهر ورئيساً لتحرير صحيفة “المؤيد”، وكان يتبع الخديوي عباس حلمي الثاني، والحزب الثالث هو الحزب الوطني الذي أسسه مصطفى كامل، وأعتقد أن فكرة تأسيس هذه الأحزاب لم تخرج من رحم الحاجة المصرية، وإنما جاءت تأثراً بالمجتمع الغربي، حيث انحاز لها المثقفون المصريون الذين أطلوا على أوروبا بدءاً من رفاعة الطهطاوي في القرن ،14 وتعايشوا مع الغرب في مصر من خلال التعليم والمدارس الأجنبية .

هؤلاء المثقفون اعتقدوا أن الأحزاب والبرلمان في أوروبا أحد أشكال التقدم ومن هنا جاءت فكرة الانتقاء، التي أعتقد أنها فكرة لم تؤد إلى نتيجة إيجابية تخدم مصر، كما أن فكرة الأحزاب جاءت أيضاً نتيجة للصراع بين البرجوازية المصرية من جهة والإقطاع من جهة أخرى وهو النموذج الذي قامت عليه الثورة الفرنسية .

المرحلة الثانية جاءت الحرب العالمية الأولى حيث تأسس حزب الوفد على خلفية سفر وفد إلى مؤتمر الصلح وحق تقرير المصير، الذي عقد في باريس، وهي فكرة جاءت من الأمير عمر طوسون حفيد إسماعيل باشا في عام ،1918 فقد تم ترشيح سعد زغلول بصفته وكيلاً للجمعية التشريعية في ذلك الحين، وتم جمع توقيعات لصالح سعد زغلول للمطالبة بحق مصر في تقرير المصير، وبعد أن عاد سعد زغلول أسس حزب الوفد ثم قامت ثورة 1919 التي رفعت شعار “الاستقلال التام أو الموت الزؤام”، وأعتقد أن تلك الثورة رغم أنها كانت شعبية إلا أنها فشلت في تحقيق أهدافها من الاستقلال، حيث قبلت إنجلترا حق مصر في استقلال منقوص، الذي كان تحت الحماية البريطانية، وفي ضوء ذلك تم تأسيس دستور 1923 الذي صاغه أصحاب الملاك والمتاجر والمصانع، ثم حدثت انشقاقات داخل حزب الوفد وخرج من رحمه أكثر من حزبين وقد امتد الفساد إلى تلك الأحزاب ولم تعد لها جدوى حقيقية في تحقيق الجلاء والاستقلال .

وهل كان للضباط الأحرار علاقة تنظيمية بهذه الأحزاب؟

كانت الأحزاب برغم صراعها على المصالح الذاتية ترفع شعار تحقيق الجلاء، وقد أنشئ تنظيم الضباط الأحرار وبدأ يبلور أفكاراً وطنية من بينها تحقيق الجلاء والاستقلال، وعندما قامت الثورة كان النحاس باشا وفؤاد سراج الدين في إجازة مصيف خارج البلاد، والنحاس طلب مقابلة عبدالناصر وأبلغه تحيات الوفد لقادة الثورة، وكان عبدالناصر مدركاً تماماً أن هذه الأحزاب باتت تمثل عنواناً لفساد الحياة السياسية، وأنها فقط تقف عند حد رفع الشعارات، بينما في الحقيقية هي السبب في حالة عدم الاستقرار السياسي، وقد طالب عبدالناصر من الأحزاب تطهير صفوفها من الفاسدين كما فعل تنظيم الضباط الأحرار مع الجيش، وقد عاود النحاس الجلوس مع عبدالناصر بعدما قررت الثورة تطبيق قانون الإصلاح الزراعي وتحديد الملكية الزراعية لحثه على التراجع، ورفض عبدالناصر ذلك ثم أجرى فؤاد سراج الدين اتصالاً بعبدالناصر وطالب منه فرض ضرائب تصاعدية على الأراضي وإلغاء تحديد الملكية، فأبلغه عبدالناصر أن قادة الثورة عازمون على تنفيذ القرار، وكتب سراج الدين مقالا في صحيفة “المصري” يؤيد القانون، ثم جرت مياه قليلة وأصدرت الثورة قراراً بحل الأحزاب بعدما علم قادتها أن كبار الملاك يريدون فرض الوصاية على الثورة، وطالبوا بإلغاء هيئة التحرير التي كانت تعد التنظيم السياسي الأول للثورة على أن يكون عبدالناصر سكرتيراً عاماً للوفد، فرفض عبدالناصر كل ذلك وقرر حل الأحزاب في 17 يناير/كانون الثاني 1954 .

برأيك لماذا حدث الصدام مبكراً بين الثورة والأحزاب القائمة آنذاك في مصر؟

أنا أعتقد أن الصدام جاء نتيجة عدم استيعاب الأحزاب للثورة والوقوف بجانبها خاصة أنها كانت تحمل أفكاراً وتسعى لتحقيق أهداف نادت بها تلك الأحزاب مثل الجلاء والاستقلال والعدل الاجتماعي الذي كانت تنادي به بعض الأحزاب الاشتراكية مثل مصر الفتاة .

كما أن عبدالناصر قد وصل إلى قناعة أنه لابد من إلغاء الأحزاب لأنها أفلست ولم تعد تستطيع أن تقدم أي شيء للوطن .

يتهم البعض الثورة بالانقلاب على جماعة الإخوان المسلمين والصدام مع الشيوعيين . . فما حقيقة ما جرى؟

عبدالناصر في رحلة تكوين تنظيم الضباط الأحرار أراد اختبار القوى السياسية فارتبط بعدد من تلك القوى خصوصاً الشيوعيين ومصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين، وهذه الرحلة كانت بمثابة رحلة الاستطلاع، لأنه من الصعوبة بمكان أن يدرك عبدالناصر حقيقة أفكار هؤلاء من دون أن يرتبط بهم، وتلك القوى الثلاث عندما فوجئت أن عبدالناصر هو قائد الثورة سارعت كل منها لتؤكد أن قائدها كان عضواً في تنظيمها، ومن ثم فإن تلك القوى هي صاحبة الثورة، لكن الحقيقية المؤكدة أن الإخوان والشيوعيين أرادوا فرض الوصايا على الثورة منذ اندلاعها، فكانت البداية لجماعة الإخوان المسلمين التي أبلغها عبدالناصر عبر صالح أبو رقيق عضو مكتب الإرشاد بالقيام بالثورة ليلتها، وبعد أن نجحت الثورة كان أول صدام للجماعة معها بشأن قانون الإصلاح الزراعي حيث اتصل حسن الهضيبي المرشد العام للإخوان بجمال عبدالناصر وأبلغه بعدم موافقة الإخوان على تحديد الملكية ب200 فدان وطالبه برفعها إلى 500 فدان، وهو موقف لا يختلف كثيرا عن موقف الوفد، وكان الصدام الثاني عندما أرادت الثورة تشكيل وزارة بعد وزارة علي ماهر، حيث أرسل عبدالناصر طلباً لجماعة الإخوان بترشيح 3 من قيادات الجماعة لاختيار اثنين من بينهم في الحكومة الجديدة، فأرسل مكتب الإرشاد أسماء ثلاثة وأرسل “الهضيبي” اثنين، وهؤلاء الخمسة لم يلقوا موافقة قادة الثورة، التي بادرت بتعيين أحمد حسن الباقوري عضو مكتب الإرشاد، وقبل تعيين الباقوري اقترحت الجماعة على عبدالناصر عدم الانضمام إلى الوزارة وطالبته بإرسال أي مشروعات قوانين أو أي قرارات إلى مكتب الإرشاد قبل إصدارها، وهو ما اعتبره عبدالناصر وصاية على الثورة، وقد أبقى على جماعة الإخوان ولم يشملهم بقرار حل الأحزاب باعتبارهم “جمعية”، حتى جاءت أزمة مارس حيث احتمى محمد نجيب بجماعة الإخوان للوقوف في مواجهة منهج مجلس قيادة الثورة واستغل نجيب الإخوان في مظاهرات تدعو إلى عودة الأحزاب بهدف إثارة القلاقل حول الثورة وقد دفع ذلك عبدالناصر إلى القيام بحل جماعة الإخوان في 14 يناير/كانون الثاني ،1954 وقد كان قراراً ضرورياً لأن كل ذلك كان يحدث أثناء التفاوض مع بريطانيا التي كانت تسعى لإطالة أمد المفاوضات أملاً في أن تسفر تلك القلاقل عن شيء يضمن بقاءها في مصر وهو ما أكده “انطون إيدن” في مذكراته .

في ما يتعلق بالشيوعيين فقد غلّب الضباط الأحرار وأعضاء مجلس قيادة الثورة من الذين كانوا في تنظيم “حدتو” الشيوعي، البعد الأيديولوجي في صراعهم مع جمال عبدالناصر الذي أصر في وقت سابق على ضرورة تنحي أي ضابط على أيديولوجيته السياسية، وأن يعتبر تنظيم الضباط الأحرار هو تنظيمه الأساسي، إلا أن الشيوعيين غلّبوا أيديولوجيتهم على كل شيء واستغلوا حادث إعدام خميس والبقري للهجوم على الثورة التي لم يكن مر عليها سوى أسابيع قليلة .

بالإضافة إلى موقف الشيوعيين من أي محاولات تقارب عربي والتي تصاعدت حدتها مع الوحدة السورية المصرية وهو ما اعتبره عبدالناصر أنهم في سبيلهم لإعاقة أهداف الثورة .

وأعتقد أن الدكتور محمود أمين العالم الذي اعتقله عبدالناصر مع عدد من الشيوعيين قد أرسل رسالة إلى عبدالناصر من داخل السجن مثمناً فيها ما أصدره من قرارات اشتراكية، وللعلم “العالم” كان عضواً بارزاً في حركة “حدتو” .

بعد الصدام حدثت المصالحة في عام 1964 وأسفرت عن انخراط الشيوعيين في تنظيم الاتحاد الاشتراكي الذي كان معبراً عن التنظيم السياسي للثورة، وتمت تصفية الحزب الشيوعي، وقد استفاد عبدالناصر من بعض الشيوعيين في معاهد الدراسات الاشتراكية وغيرها من مؤسسات الدولة . وأستطيع القول إن الإخوان والشيوعيين كانت مشكلتهم مع عبدالناصر تتمثل في محاولات عدم التزامهم بقيمة وقدرة عبدالناصر باعتباره صانع الثورة .

المشروع الوطني لثورة يوليو، كيف تنظر إليه بعد مرور أكثر من نصف قرن،حجم الإنجازات والإخفاقات؟

في فترة حكم عبدالناصر تحقق المشروع الوطني وتحققت الأهداف التي دعت إليها الثورة من عدالة واستقلال وأصبح لمصر دور رائد ليس في المنطقة العربية فحسب بل وصل إلى العالمية من خلال تبنيها لسياسات الحياد الإيجابي وعدم الانحياز .

قلت من قبل إن ثورة يوليو ماتت بموت جمال عبد الناصر . . فماذا كنت تقصد من ذلك؟

كل السياسات التي كان ينادي بها عبدالناصر سواء كانت على الصعيد الداخلي أو الخارجي من التنمية الشاملة وإقامة العدل ومحاربة الاستعمار والوقوف في مواجهة الأحلاف الاستعمارية، كل ذلك تمت تصفيته مع قدوم الرئيس السادات للحكم، ولك أن تتصور أنه في يونيو عام 1974 أثناء لقاء الرئيس نيكسون بالسادات جرى لقاء على هامشه بين عبد العزيز حجازي رئيس الوزراء المصري ووزير المالية الأمريكي آنذاك، وكان حجازي قد أخبر الجانب الأمريكي أن مصر تتطلع إلى أن تقدم الولايات المتحدة على مساعدة الاقتصاد المصري، فما كان من الوزير الأمريكي إلا أن قال: “لا يمكن أن نقدم لكم مساعدات والاقتصاد المصري يعتمد على القطاع العام” .

من هنا بدأت مصر “السادات” في تحرير الاقتصاد المصري وأصدرت سلسلة من قوانين الانفتاح، ثم تلى ذلك تفريط في القضية الفلسطينية إلى أن جاءت اتفاقية كامب ديفيد التي أخرجت مصر عن دائرة الصراع وأصبح حلم الفلسطينيين بموجبها مجرد الحصول على حكم الذاتي تحت وطأة الاحتلال الصهيوني .
تم إضافته يوم الجمعة 23/07/2010 م - الموافق 12-8-1431 هـ الساعة 11:06 صباحاً

شوهد 80 مرة - تم إرسالة 0 مرة

اضف تقييمك

التقييم: 0.00/10 (0 صوت)
















^أعلى الصفحه^

Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 aldiwan.org - All rights reserved
تصميم هوستك لتقنية المعلومات (شبكة الصقر)