صحيفة الديوان الالكترونية ، رئيس التحرير .. سامي محمود ظاهرة الهجرة غير الشرعية (التعريف والحجم ـ المواثيق الدولية ـ الدوافع والأسباب) - الديوان

سوق الديوان
الخميس 23 أكتوبر 2014 ابحث في الديوان خريطة الموقع القائمة البريدية سجل الزوار



ظاهرة الهجرة غير الشرعية (التعريف والحجم ـ المواثيق الدولية ـ الدوافع والأسباب)

ظاهرة الهجرة غير الشرعية (التعريف والحجم ـ المواثيق الدولية ـ الدوافع والأسباب)

الديوان : د. أسامة بدير /
أدت الهجرة إلى تدمير حضارات قديمة مثل ما حدث فيما سمى بعد ذلك بأمريكا الشمالية وما صاحبها من جلب العبيد من أفريقيا وتهجيرهم بالقوة والخطف، ومروراً بالهجرة التي كانت مصاحبة للاحتلال العسكري والاستعمار أوائل القرن الماضي، ووصولاً لموجات الهجرة الحالية لدول أوروبا وأمريكا.
وقد أشار تقرير صدر مؤخراً عن الأمم المتحدة عن دوافع الشباب لهذه الهجرة أن أسباب الهجرة الجماعية غير المنظمة يعود إلى ازدياد أعداد الشباب في دول العالم الثالث، وتناقص وتدهور فرص وأوضاع العمل، إضافة إلى زيادة حدة الفوارق بين الدول الغنية والفقيرة، كما ازداد الوعي بهذه الفوارق وأصبح السفر متاحا للجميع بسبب التقدم الذي حدث في الاتصالات الدولية ووسائل السفر، في الوقت الذي تقلصت فيه منافذ الهجرة المنظمة.
ونحاول من خلال هذا المحور أن نلقي الضوء على ظاهرة الهجرة غير المنظمة من حيث تعريف وحجم الظاهرة، والهجرة غير المنظمة في المواثيق الدولية، وأخيرا الدوافع والأسباب وراء سعى الشباب تجاه الهجرة غير المنظمة.

أولا: تعريف وحجم الظاهرة

تعرف الهجرة في علم السكان (الديموغرافيا) بأنها الانتقال - فرديا كان أم جماعيا- من موقع إلى آخر بحثا عن وضع أفضل اجتماعيا أم اقتصاديا أم دينيا أم سياسيا. أما في علم الاجتماع فتدل على تبدل الحالة الاجتماعية كتغيير الحرفة أو الطبقة الاجتماعية وغيرها.
وتعد الهجرة السرية أو غير القانونية أو غير الشرعية أو غير النظامية ظاهرة عالمية موجودة في الدول المتقدمة كالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أو في الدول النامية بآسيا كدول الخليج ودول المشرق العربي، وفي أمريكا اللاتينية حيث أصبحت بعض الدول كالأرجنتين وفنزويلا والمكسيك تشكل قبلة لمهاجرين قادمين من دول مجاورة، وفي أفريقيا حيث الحدود الموروثة عن الاستعمار لا تشكل بالنسبة للقبائل المجاورة حواجز عازلة وخاصة في بعض الدول مثل ساحل العاج وأفريقيا الجنوبية ونيجيريا.

ويصعب تحديد حجم الهجرة غير المنظمة نظراً لطبيعتها، ولكون وضع المهاجر السري يشمل أصنافا متباينة من المهاجرين فمنهم:
1ـ الأشخاص الذين يدخلون بطريقة غير قانونية دول الاستقبال ولا يسوون وضعهم القانوني.
2ـ الأشخاص الذين يدخلون دول الاستقبال بطريقة قانونية ويمكثون هناك بعد انقضاء مدة الإقامة القانونية.
3ـ الأشخاص الذين يشتغلون بطريقة غير قانونية خلال إقامة مسموح بها.

وتتضارب التقديرات بشأن الهجرة غير المنظمة، فمنظمة العمل الدولية تقدر حجم الهجرة السرية ما بين 10- 15% من عدد المهاجرين في العالم البالغ حسب التقديرات الأخيرة للأمم المتحدة حوالي 180 مليون شخص.
وحسب منظمة الهجرة الدولية فإن حجم الهجرة غير القانونية في دول الاتحاد الأوروبي يصل لنحو 1.5 مليون شخص.

وتقدر الأمم المتحدة أعداد المهاجرين غير الشرعيين إلى دول العالم المتقدم خلال السنوات العشر الأخيرة بنحو 155 مليون شخص.
هذا وتوقعت المنظمة الدولية للهجرة في تقرير أصدرته مؤخراً ازدياد الهجرة غير المنظمة جراء الأزمة الاقتصادية التي يشهدها العالم الآن والتي لا يمكن تقدير حجم هذه الزيادة نظراً لطبيعتها، لكنها أكدت أن حوالي 15% من المهاجرين في العالم غير نظامين.

ويعتقد العديد من المراقبين للهجرة الدولية أن أعداد المهاجرين غير النظاميين في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) يصل إلى العشرين مليون عامل، ومعظم هؤلاء العمال دخلوا إلى تلك الدول في العشر سنوات الأخيرة، مشيرين إلى أن العمال غير الموثقين أو الذين لا يعملون في إطار منظم عادة ما يعملون في ظروف عمل أكثر سوءاً من غيرهم من العمال وهناك عدد كبير من أصحاب الأعمال يفضلون تشغيل هذا النوع من العمال من أجل التربح من المنافسة غير العادلة.

وفى أسوأ الظروف فإن العمال المهاجرين غير النظاميين يعملون بشكل أشبه بالعمل العبودى وهم نادراً ما يلجأون للقضاء خشية التعرض للطرد أو الإبعاد، وفى العديد من الدول لا يملكون حق الطعن على القرارات الإدارية التي تؤثر عليهم.
ويشير تقرير عن المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر إلى زيادة عدد ضحايا الهجرة غير المنظمة من البلدان العربية خلال السنوات العشر الأخيرة بنسبة 300%، مما يمثل استنزافاً مستمراً للموارد البشرية لدول الجنوب.

ثانيا : الهجرة غير المنظمة في المواثيق الدولية

تعتبر هجرة البشر من منطقة إلى أخرى ظاهرة إنسانية قديمة، قدم الإنسان، حيث كانت الظروف الحياتية والمناخية تفرض علية الانتقال المستمر من مكان لآخر، فالمجاعة، والفقر، والزلازل والفيضانات، وانتشار الأمراض، والحروب، وبالأخص الحروب الأهلية، كلها عوامل فرضت على الإنسان الهجرة من الموطن الرئيسي إلى دول ومناطق وأخرى.
غير أن الهجرة من أجل العمل وتحسين ظروف المعيشة ومستوى الدخل أو الهجرة من أجل الاستثمار وهي التي تسمى بالهجرة الاقتصادية فهي ظاهرة حديثة ولذلك فان التنظيم القانوني لهذا النوع من الهجرة يعتبر أيضا تنظيما حديثا.
لقد أشارت ديباجة دستور منظمة العمل الدولية التي تأسست عام 1919 إلى حماية مصالح العمال المستخدمين في بلدان غير بلدانهم.

وهناك جملة من الاتفاقيات الدولية الصادرة عن منظمة العمل الدولية والتي تجعل من أهدافها حماية حقوق العمال المهاجرين منها:

1 ـ الاتفاقية الدولية رقم (97) لسنة 1949 بشأن الهجرة للعمل، وتعتبر من أهم الاتفاقيات التي عالجت موضوع الهجرة، حيث دخلت حيز التنفيذ في مايو 1952م وبلغ عدد الدول التي صادقت عليها (43) دولة من بينها دولة عربية واحد فقط هي الجزائر.
2 ـ الاتفاقية الدولية رقم (143) لسنة 1975 بشان العمال المهاجرين (أحكام تكميلية) والتي دخلت حيز التنفيذ في ديسمبر 1978 ولم تصدق أي من الدول العربية عليها، وتركز هذه الاتفاقية على الهجرة غير المشروعة والجهود الدولية المطلوبة لمقاومة هذا النوع من الهجرة كما تركز أيضا على تحقيق المساواة في الفرص والمعاملة بين العمال الموطنين وغيرهم .

3 ـ الاتفاقية الدولية رقم (111) لسنة 1958 بشان التمييز في الاستخدام والمهنة التي دخلت حيز التنفيذ في يونيو 1960 وهي من الاتفاقيات العامة التي تدعو إلى تكافؤ الفرص والمساواة في المعاملة في الاستخدام والمهنة والقضاء على أي تمييز. كما تعتبر من الاتفاقيات الأساسية التي تتابع وفقا للمتابعة الدولية لمنظمة العمل الدولية لإعلان المبادئ و الحقوق الأساسية في العمل الذي اقر عام 1998. ولغاية يوليو 2005م فإن جميع دول مجلس التعاون الخليجى قد صدقت على هذه الاتفاقية فيما عدا سلطنة عمان.

حدود وصلاحيات اتفاقيات منظمة العمل الدولية:

1- جميع الاتفاقيات الصادرة عن منظمة العمل الدولية الهادفة إلى حماية حقوق العمال المهاجرين وعدم التمييز والمساواة، لا تمثل سوى الحد الأدنى اللازم لحماية حقوق العمل للعمال المهاجرين.
2- منظمة العمل الدولية تتمتع بصلاحية محدودة في الحقوق الأخرى للعمال المهاجرين غير حقوق العمل مثل الثقافة والتعليم والمشاركة السياسية.

3- اتفاقيات المنظمة تركز على العامل المهاجر الشرعي وتستثني أفراد اسر العامل أو العمال المهاجرين بشكل غير نظامى

الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسراهم:

وهي الاتفاقية التي أقرتها الأمم المتحدة في 18 ديسمبر 1990، وتم التصديق عليها في يوليو 2003.
1- اتفاقية شاملة تغطي حقوق العمل والحقوق الثقافية والتعليم والصحة والسكن وغيرها.

2- تشمل العمال المهاجرين النظاميين وغير النظاميين.
3- تشمل العمال المهاجرين وأفراد أسرهم.
4- الاتفاقية تسري على جميع العمال المهاجرين دون أي اعتبار لمدة العمل والإقامة، لذلك فهي تسري على العمال المؤقتين العاملين لمدة محددة.

أهم بنود وأحكام الاتفاقية الدولية لحماية حقوق جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم:

1- تؤكد الاتفاقية بارتباطها بمواثيق حقوق الإنسان التي أقرتها الأمم المتحدة وأنها جزء من هذه المواثيق.

2- تؤكد على أن يتمتع العمال المهاجرون بمعاملة لا تقل مراعاة عن المعاملة التي تنطبق على رعايا الدولة من حيث الأجر وشروط العمل والاستخدام الآخر (المادة 25).
3- تؤكد الفقرة (3) من المادة (25) إلى أن ضمان حقوق العمال المهاجرين يجب أن تصان حتى وان خالف العامل المهاجر شروط الإقامة أو الاستخدام ( إقامة غير شرعية).

4- الحق في الضمان والتأمين الاجتماعي (المادة 27) حيث نصت على تمتع العمال المهاجرون وأفراد أسرهم بنفس المعاملة لرعايا الدولة في هذا الشأن، ( يتطلب بالتالي إدخال العمال المهاجرين وأسرهم في الاستفادة من مزايا المعاش التقاعدي – الحقوق التأمينية الأخرى بما فيهم العمال المهاجرون بشكل غير قانوني).
5 - الحق في التنظيم (المادة (26) وجوب أن يكون لهؤلاء الحق في الانضمام إلى أية نقابة عمالية، والى أي جمعية منشاة وفقا للقانون بقصد حماية مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية والنقابية ومصالحهم الأخرى.

* المادة (40) من الاتفاقية تنص على أن للعمال المهاجرين وأفراد أسرهم الحق في تكوين جمعيات ونقابات عمال لتعزيز وحماية حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من المصالح.
6- الإجازة بالحق في المشاركة السياسية (المادة 42) والتي تنص على وضع إجراءات أو إنشاء مؤسسات يمكن من خلالها أن تراعي في دول المنشأ ودول العمل الاحتياجات والأماني والالتزامات الخاصة للعمال المهاجرين وأفراد أسرهم ويصبح للعمال وأفراد أسرهم ممثلون في تلك المؤسسات يتم انتخابهم بحرية.

* الفقرة (2) من المادة (42) تؤكد على أن تقوم دولة العمل بتيسير استشارة العمال المهاجرون وأفراد أسرهم أو مشاركتهم في اتخاذ القرارات المتعلقة بحياة المجتمعات المحلية وإدارتها.
* الفقرة (3) من نفس المادة تنص على انه يجوز أن يتمتع العمال المهاجرون بالحقوق السياسية في دولة العمل، إذا منحتهم تلك الدولة من خلال ممارستها سيادتها مثل هذه الحقوق.
7- حق الإقامة ولم شمل الأسرة:
المادة (50) تطرح بأن تنظر دولة العمل بعين العطف على أن تراعي طول الفترة التي أقاموا خلالها أفراد اسر العامل المهاجر المتوقي.
والمادة (44) تلزم اتخاذ التدابير المناسبة لضمان وحدة أسر العمال المهاجرين.

8- الحق في التعليم: حيث تنص المادة (30) حق أطفال العامل المهاجر في الحصول على التعليم بغض النظر عن مدى مشروعية إقامته هو أو أي من والديه في دولة العمل وتنص الاتفاقية على أن تقوم الدولة بإدماج أولاد العمال المهاجرين في النظام المدرسي المحلي وخاصة تعليمهم اللغة المحلية المادة (45)، كما تسعى الدولة في تيسير تعليم اللغة والثقافة الأصليتين لأولاد العمال المهاجرين، وجواز ان توفر الدولة برامج تعليمية خاصة باللغة الأصلية لأولاد العمال المهاجرين.

9- الحقوق الثقافية:
تلزم المادة (31) بأن تضمن احترام الهوية الثقافية للعمال المهاجرين وأفراد أسرهم وعدم منعهم من الاحتفاظ بعقائدهم الثقافية مع دولة المهجر.
*الحق في الوصول إلى خدمات التوجيه والتدريب المهنيين والتوظيف (المادتان 43، 45).

* الحق في الحصول على الخدمات الاجتماعية (المادتان 43، 45) ومنها تحديدا حق الحصول على مسكن بما في ذلك مشاريع الإسكان الاجتماعي والحماية من الاستغلال فيما يتعلق بالإيجار وحقهم في تمكينهم من الوصول إلى التعاونيات والمؤسسات المدارة ذاتياً.
إن كافة هذه الحقوق المشروعة للإنسان وأفراد أسرته أينما حل واستقر هى بلا أدنى شك متاحة لكل الأفراد على السواء وفق المواثيق والعهود الدولية، غير أن الوضع في دول مجلس التعاون الخليجي يختلف حيث هيمنة كبيرة وغلبة واضحة للسكان المواطنين على المهاجرين والعاملين، وبالتالي فان تطبيق الحقوق الواردة في هذه الاتفاقية تعني تحديات كبيرة مما يتطلب ويفرض على دول المنطقة البدء في إعادة التوازن في أسواق العمل لتصل إلى النسب المعقولة دوليا، حتى تتمكن من تنفيذ التشريعات والالتزام بالمواثيق الدولية وبالتالي عدم المساس بالحقوق الأصيلة للإنسان المستقر في هذه المنطقة أو المهاجر من أجل العمل.

ثالثا: الدوافع والأسباب

من الملاحظ أنه يوجد ارتباط وثيق سوف تظهر آثاره تباعا في الأيام القادمة بين الأزمة المالية العالمية وقضية الهجرة الدولية سواء كانت نظامية أو غير نظامية.‏ فالأزمة سوف تدفع بالملايين من الشباب إلي قوائم العاطلين ليزداد العدد العالمي لهم خاصة من الدول النامية، ولا شك أن هؤلاء سوف يبحثون عن أي مخرج لهم، ومن ثم تأتي الهجرة كأحد الحلول أمام اليائسين الذين يبحثون عن فرصة عمل فى أى مكان وبأى ثمن يدفعونه حتى ولو كلفهم الأمر حياتهم‏.‏

إذن سوف يشهد ملف الهجرة الدولية تطورات مثيرة في الفترة المقبلة الأمر الذي دعا منتدي شركاء التنمية لعقد جلسة نقاش حول هذا الموضوع الهام تحدث فيه عدد من الخبراء بقضايا الهجرة والتشغيل، حيث قدروا حجم الهجرة الدولية بنحو‏200‏ مليون شخص نصفهم مهاجرون من أجل العمل، فيما يشكل الباحثون عن اللجوء السياسي‏7%‏، والنسبة المتبقية تشمل عائلات المهاجرين،‏ وبالنسبة لاتجاهات الهجرة نجد أن‏33%‏ من إجمالي المهاجرين الدوليين ينتقلون من بلدان الجنوب إلي بلدان الشمال و‏32%‏ ينتقلون من بلدان الجنوب إلي بلدان الجنوب‏.‏

الطرد والجذب

توجد عدة عوامل أساسية تسمى عوامل الطرد والجذب تقف وراء ظاهرة الهجرة الدولية بشكل كبير، حيث تشمل عوامل الطرد البطالة والتشغيل المنقوص والفقر في البلدان المرسلة وكذلك نمو السكان وما يرافقه من نمو القوة العاملة.

‏ أما عوامل الجذب ـ خاصة في بلدان الشمال الغني ـ فتشمل زيادة الطلب علي العمل في بعض القطاعات والمهن، فأسواق العمل تستورد مهاجرين في ظل عدم قدرة العرض فيها علي تلبية الطلب علي نوعية معينة من العمال، وهناك أيضا عوامل الشيخوخة التي تزحف علي دول الشمال وبالذات في أوروبا الغربية واليابان، كذلك ارتفاع مطرد في معدل الأعمار مما يؤدي لانكماش قوة العمل وزيادة أعداد الخارجين من سوق العمل‏.‏

ومن عوامل الجذب أيضا صغر حجم قوة العمل فبعض البلدان تضطر لاستقبال عمالة أجنبية لتعويض نقص العرض نتيجة صغر حجم السكان بالمقارنة بالموارد المتاحة وهذا حال دول الخليج بالتحديد‏.‏ وكذلك عدم رغبة المواطنين في الاشتغال بمهن معينة وهي مهن إما قذرة أو خطرة فسيتم استقبال عمال يقبلون الانخراط فيها‏.‏

وهناك عوامل أخري مساندة لاتساع نطاق ظاهرة الهجرة تشمل تطور الاتصالات والمواصلات التي أصبحت أكثر يسرا، فمن خلال الاتصالات الحديثة يستطيع المقيمون في الدول الفقيرة معرفة مستويات المعيشة في الدول المتقدمة‏.‏ أما وسائل المواصلات والتي أصبحت أرخص وأسهل فهي تساعد الأفراد علي الهجرة من سوق إلي سوق، كذلك هناك عامل القرب الجغرافي الذي يفسر ـ مثلا ـ هجرة المكسيكيين إلي أمريكا والاندونيسيين إلي ماليزيا‏.‏

ويمكن القول أن السبب الرئيسي للهجرة من الدول النامية وخاصة من دول جنوب المتوسط (مصر ودول المغرب العربي) إلى أوروبا سواء بشكل نظامى أو غير نظامى يكمن في الظروف الاقتصادية في تلك الدول. فكما ورد في المؤتمر الوزاري الثاني 5+5 بشأن الهجرة المنعقد في الرباط في أكتوبر عام 2003 فإن الأسباب الاقتصادية تقف بشكل عام خلف الهجرة، فعلى سبيل المثال يعتبر تحويل المهاجرين لأموالهم أمرا ذا أهمية اقتصادية كبيرة بالنسبة للدول المضيفة ودول المنشأ على حد سواء، فاقتصادات فرنسا وإيطاليا وإسبانيا تعد من بين أول 12 دولة في العالم من حيث تحويل أموال الهجرة إلى بلدان المنشأ.

وفي ضوء توقيع اتفاقيات الشراكة الأورو متوسطية وسياسات الجوار، فمن الضروري تعميق الحوار والتشاور بين البلدان المصدرة للعمالة والبلدان المستقبلة لها حول أسباب ودوافع الهجرة وليس فقط من باب القضاء على تيارات الهجرة غير المنظمة، وإنما وفق رؤية شمولية واضحة المعالم تساعد في اتخاذ إجراءات تنموية حقيقية تفتح المجال لشراكة حقيقية تأخذ بعين الاعتبار تشابك المصالح وتبادل المنافع بشكل متوازن بين الطرفين المصري والأوروبي، ويمكن في هذا الإطار الإشارة إلى عدة حقائق، أهمها:
1ـ تمثل الهجرة إلى الدول المتقدمة من أجل العمل عنصراً هاماً من عناصر التخفيف من حدة البطالة ومكافحة ظاهرة الفقر والتنمية ليس على مستوى مصر فحسب وإنما المنطقة العربية، وعند الحديث عن هجرة الشباب المصري إلى الدول الأوروبية، نجد أننا نتعامل مع جانب هام من جوانب علاقاتنا مع أحد أهم شركائنا وهو الإتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء التي يقيم بها الآلاف من أبنائنا.

2ـ تمثل الهجرة ظاهرة صحية ومصدراً للإثراء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لمختلف الأطراف، الأمر الذي يتطلب من جانب الحكومة المصرية إدارة جيدة تقوم على تناول الظاهرة من خلال منهج شامل متكامل يعالج كافة أبعادها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية ومن خلال التصدي لجذورها، بحيث لا يكون التركيز على بعد واحد وهو البعد الأمني، على حساب الأبعاد الأخرى.
3ـ أهمية وجود سياسات وطنية متجانسة ومتناسقة تأتى نتاجاً لتنسيق كامل بين كافة وزارات وأجهزة الدولة المعنية بموضوع الهجرة، بما يمثل حافزاً لبلورة الرؤية الشاملة لسياسات الهجرة. وفى هذا السياق تأتى أهمية التركيز على قضايا بناء القدرات المؤسسية لتلك الوزارات والأجهزة الوطنية وتنمية مواردها البشرية.
4ـ تشكل قضية تأهيل العمالة المصرية أهمية خاصة لخدمة أهداف التنمية، وكذلك لجعلها تتوافق مع احتياجات أسواق العمل الخارجية عامة والأوروبية خاصة، ومن الأهمية أن يتعاون الإتحاد الأوروبي في تحقيق هذا الهدف، بما يحقق مصلحة مشتركة للطرفين المصري والأوروبي.

5ـ تعد قضية التحويلات أحد أهم الأبعاد التنموية للهجرة، حيث تسهم في خدمة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لما تمثله من مورد هام للنقد الأجنبي، فإنه من المفيد دراسة أفضل السبل لتعظيم الاستفادة من هذه التحويلات بل وزيادتها واستثمارها في المشروعات الإنمائية وعدم قصرها على الخدمات المباشرة.

6ـ أهمية البعد الثقافي للهجرة وإسهامها في تعزيز التفاهم والاحترام المتبادل بين الشعوب، الأمر الذي يتطلب تكثيف الحوار بين الجانبيين، ومحاربة التمييز والعنصرية وازدراء الأديان وحماية حقوق المهاجرين وكرامتهم، ومن ثم أهمية وتوظيف الأدوات الإعلامية في تغيير المفاهيم والصور الخاطئة عن المهاجر.

الخلاصة

مما لا شك فيه أن أسباب الهجرة الجماعية غير المنظمة وزيادة أعداد الشباب التى تقبل عليها خاصة من دول العالم الثالث ترجع إلى أسباب عديدة أهمها: تناقص فرص العمل فيها، وزيادة حدة الفوارق بينها وبين الدول الغنية، كما أن ازدياد الوعي بهذه الفوارق، مع اتاحة وسهولة السفر أمام الجميع بسبب التقدم الذي حدث في الاتصالات الدولية ووسائل السفر، في الوقت الذي تقلصت فيه منافذ الهجرة المنظمة، كل ذلك ساهم بلا أدنى شك فى اندفاع مزيد من الشباب سعيا وراء تحقيق حياه أفضل عبر طرق ووسائل مختلفة لتحقيق ذلك، وهذا ما أكدته العديد من التقارير الدولية للأمم المتحدة فى الأونة الأخيرة.

هذا وتعد الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية حول الهجرة غير المنظمة فى ظل تكرار حوادث الهجرة غير المنظمة خلال الأشهر القليلة الماضية لكثير من شباب مصر إلي بلدان أوروبا‏، وتدهور أوضاع حقوق الإنسان خاصة الحق فى العمل اللائق والحق فى الحياه الكريمة والآمنة، ومتغيرات دولية عديدة يشهدها العالم كله، أبرزها الأزمة الاقتصادية العالمية، حيث أكدت تقارير منظمة الهجرة الدولية إلى توقع زيادة موجات الهجرة غير المنظمة فى أعقاب هذه الأزمة، وأوضحت هذه التقارير أن الحكومة الفرنسية تتباهى مؤخراً بالإنجاز الذى صنعته حيث استطاعت أن تحصل على موافقة الـ27 دولة هى دول الإتحاد الأوروبى جميعاً من أجل تبنى وإصدار الميثاق الأوروبى للهجرة واللجوء والذى يتضمن العديد من البنود التى تؤكد على أن يكون لكل دولة كوته محددة سنوياً تسمح من خلالها بدخول المهاجرين إلى أراضيها وفق ما تضعه من معايير صارمة كلها تصب فى مصلحة دولة المقصد، وهو ما يعرف بالهجرة الانتقائية والتى تمثل استنزافاً مستمراً للموارد البشرية لدول الجنوب لمصلحة دول الشمال، ويعنى ذلك مزيدا من التقدم والرقى لأوروبا وتدنى اقتصادى اجتماعى وثقافى لدول الجنوب.

وفى نفس السياق يسعى الإتحاد الأوروبى إلى ممارسة أقصى درجات الضغط على معظم حكومات دول جنوب البحر الأبيض المتوسط وخاصة ليبيا والمغرب ومصر لوقف الهجرة غير المنظمة.


قراءات : 47754 | أضيف في : 06-27-2009 07:03 AM | إرسال لصديق | طباعة | حفظ بإسم | حفظ PDF

أضف تعليقك في الفيس بوك




الديوان
Muslim Matrimonial




جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الديوان