تغذيات RSS
|
|
الكتابة على الهواء .. وسحر الورق
07-02-2009 04:49 PM
الديوان - سامية أبو زيد /
[TABLE=width:70%;][CELL=filter:;] بعد حوالى خمس سنوات متصلة من الكتابة فى صفحة الرأى بجريدة الأخبار، قمت بمغامرة الكتابة على الهواء على سبيل التجربة، وذلك بسبب ما جبلت عليه من حب الاستطلاع وزادته قوة، دراستى العلمية التى تعتمد بالأساس على التجربة والمشاهدة والاستنتاج، فكان أن ارتميت فى محيط شاسع اسمه المنتديات الثقافية والتى تنتشر بصورة كبيرة وفى تنام مستمر.
وقد خرجت منها مؤخرا بعد أن أحصيت النتائج المترتبة على مشاهداتى فى تلك التجربة التى استمرت طيلة عامين فى أكثر من منتدى، وهاك خلاصة تلك التجربة كى لا نغض الطرف عن عنصر بات شديد التأثير فى المشهد الثقافى.
أعضاء وأرقام
تتفاوت المواقع الأدبية والمنتديات وتكتسب ثقلها وفقا لعدة عوامل على رأسها عدد الأعضاء الكلى وعدد الأعضاء النشطين به، فقد تجد منتدى يضم خمسة آلاف عضو لكنه فى حقيقة الأمر يقوم على أكتاف ما لا يزيد عن الثلاثين عضوا، مما يجعل انقطاع عضو منهم عن المشاركة حدثا يسبب خللا فى حركة الموقع ويصيبه بالركود وقد يصاب بالانهيار.
ويكتسب العضو مكانته تبعا لعدد المشاهدات أى الزيارات وكذا عدد مشاركات الأعضاء الآخرين أى ردودهم على موضوعه سواء كان قصة أو شعرا أو نثرا أدبيا يسمونه الخاطرة إلخ .. وهذا يقودنا إلى ظاهرة أخرى سوف نتطرق إليها فى حينها.
ويبقى الكلام عن محركات البحث ـ مثل قوقل Google وخلافه ـ باعتبارها من مؤشرات نجاح الموقع، فكلما ظهر الموقع فى الصفحات الأولى لمحرك البحث كلما كان ذلك دليلا على نجاح الموقع وانتشاره.
أعضاء ومستخدمون
من الظواهر المثيرة للعجب فى بعض المواقع تعدد المستخدمين للعضو الواحد، فقد يسجل العضو تارة بشخصية رجل وتارة أخرى بشخصية فتاة أو امرأة، وأحيانا يكون ذلك بفعل الإدارة نفسها التى تريد تضخيم عدد الأعضاء للوصول لمحركات البحث المذكورة بأيسر السبل وأسرعها، ولكن مع الوقت يتم انكشاف المخبوء ويفقد الموقع احترامه ومصداقيته، بيد أن المقلق فى الأمر ليس فى المواقع وإنما فى المستخدمين. فالمواقع التى تبتغى اكتساب سمعة طيبة، تحترز لهذا الأمر وتراقب ما يعرف بال IP للمستخدمين وتوقف العضو الذى يثبت عليه التسجيل بأكثر من اسم (مستخدم) ولكن هيهات، فقد يحدث أن يختلف عضو ما مع الإدارة ويتم إيقافه فيظل يسجل بعدة أسماء وهمية ويعيث فى الموقع فسادا، وتظل الإدارة فى حالة استنفار دائمة لمحو تجاوزات العضو، وينتهى الأمر بغلبة البلطجة وينهار الموقع أو ترضخ الإدارة وترفع الحظر عن العضو المهووس.
والقول بأنه مهووس ليس من قبيل المبالغة، فالبعض قد أصبح شغله الشاغل المنتديات ولا غنى له عنها.
هوس المنتديات وخداع النفس
تلك الشخصيات المتهوسة لا يقتصر هوسها على التسجيل في أكبر عدد ممكن من المنتديات والبقاء أمام الشاشة ليل نهار، بل يصبح الأمر حالة من الخبل وخداع النفس، فتجد العضو المذكور يسجل كما أسلفنا بأكثر من اسم ومن ثم يبدأ فى مدح أعماله باعتباره شخصا آخر، ويكيل المديح لنفسه ويثنى على عبقريته وشاعريته الفذة، ويبقى موضوعه فى الصفحات الأولى دائما، بل وقد يصل به الأمر إلى ما يشبه الفصام فيدخل فى صراع مع نفسه حول كلمة ما لينتصر فى النهاية لعمله المعروض. ولا يهمه فى ذلك الوقت سوى أن يرفع من عدد مشاهداته وعدد الزيارات ولفت أنظار الأعضاء الآخرين الذين يلتقطون الطعم ويبدأون فى التعليق والمشاركة ويصل بالتالى لمأربه وهو لفت الأنظار بأى ثمن.
لصوص الكلمات
ومن أوجه الهوس المختلفة وخداع النفس قبل خداع الآخرين، انتشار لصوص الكلمات، الذين يسطون على أعمال أعضاء آخرين فى منتديات أخرى وينسبونها لأنفسهم ويقومون بالرد على معجبيهم بصفاقة مدهشة. ومن أعجب ما مر بى فى هذا الباب، تلك الواقعة التى قام فيها عضو بالسطو على شعر عضو آخر فى موقع مختلف وحاول التذاكى بتغيير بعض الكلمات، إلى هنا والسرقة على قدر من الذكاء، لكن يبدو أنه كان ذكاء مؤقتا، إذ لم يكتف بالسطو على العمل الأصلى، بل قام كذلك بالسطو على ردود صاحب العمل رغم ابتعادها كل البعد عن الكلام الدائر فى متصفحه!! ولولا قيام صاحب العمل الأصلى بالتسجيل فى المنتدى دفاعا عن كلماته وفضحا ً لذلك العضو، لما انكشف أمره رغم الريبة التى وقعت فى نفوس البعض للتفاوت البين بين القصيدة المسروقة ولغة العضو المعروفة لدى سائر الأعضاء.
كذلك حالة أحد هؤلاء اللصوص الذى مارس لصوصيته بغباء قل أن ترى مثله، إذ كان يقوم بالسطو على كل ما يروق له وينقله كما هو بأخطائه، وما كشف أمره التفاوت المذكور، فتارة تجد له قصيدة بالفصحى موزونة مقفاة وتتمتع بلغة فصيحة بليغة، وتارة أخرى ترى له ’’قصيدة‘‘ لا تنتمى لعالم الشعر ولا إلى اللغة العربية إن شئت الصدق، والأدهى من هذا وذاك ’’إبداعاته‘‘ فى الشعر العامى، فحينا يقوم بالسطو على قصيدة بالعامية المصرية وحينا آخر يقوم بالسطو على قصيدة من الشعر النبطى، والكل يهلل ويصفق ولا يدرى ما الأمر ولكن إلى حين، إذ سرعان ما افتضح أمره وتم إيقافه.
ومن المؤكد أن مثل هذا المسلك إنما ينتج عن صعوبة المتابعة فى المقام الأول وكذلك نتيجة لعدم معرفة الكثيرين بالشعر ومدارسه المتعددة، بل وعدم معرفتهم فى بعض الأحيان باللغة العربية السليمة نفسها.
قنطار خشب ودرهم حلاوة
بين المكرر والمنقول والمسروق تطول رحلة البحث عن موضوع يستحق القراءة، أى كما يقال فى المثل العامى ’’ زى الخروب قنطار خشب ودرهم حلاوة‘‘.
والخشب هاهنا يتم حرقه، وأعنى به الوقت المستهلك فى رحلة البحث، وكما يتلوث الجو ويقل الأوكسجين لدى احتراق الخشب، كثيرا ما يحترق الوقت فى مطالعة أفكار سطحية والأخطر منها الأفكار المسمومة التى تسعى لبث الفرقة وتدعو للتعصب، مثال ذلك المواقع التى تروج لأفكار دينية ومذهبية وكذلك المواقع التى تعتنق حرية الرأى وشعارات الرأى والرأى المضاد، دون أن تكون هناك حرية رأى حقيقية وفى غياب الحوار الهادئ العقلانى.
بل على العكس من ذلك قد تتربص ببوادر الخصومة وتغض الطرف عن المهاترات التى تدور كى تضمن ارتفاع نسبة المشاهدات والمشاركات.
بل قد يصل الأمر أحيانا لافتعال أزمة حتى تنشط موضوعا ما أو تحيى أحد الأقسام المهملة، فلا تتدخل الإدارة إلا بعد خراب مالطة كما يقال، وبعد أن تتجافى النفوس ويحل التربص محل المودة.
حروب المنتديات
ليس شرطا أن تندلع الفتنة فى الموقع بين الأعضاء الذين يحرصون فى كثير من الأحيان على الإبقاء على المودات والمجاملات بين بعضهم البعض، ولكن قد تأتى الفتنة من الخارج من قبل أطراف تندس فى الموقع وتلقى بسهامها المشتعلة بين صفحات الموقع. وكما يقال فتش عن الدافع، فبعض هذه الأطراف قد يكون عضوا موقوفا وموتورا من المتهوسين المذكورين آنفا، أو من مواقع منافسة والبعض الآخر يكون عميلا لجهة ما سواء مخابراتية أو حزبية أو طائفية، ويظهرون فجأة وتراهم عارفين بالأعضاء وأسمائهم بل ومللهم وتوجهاتهم الفكرية، لذا يبدأون بالضرب بقوة وبعنف، مثال ذلك ما حدث فى أحد المنتديات إبان الحرب اللبنانية الاسرائيلية (صيف 2006) والتفاف بعض القلوب حول حسن نصر الله والشروع فى ترسيمه بطلا قوميا، فى تلك الفترة بالتحديد ظهر من يجترئ على واحدة من الأعضاء والتى كانت تتمتع باحترام ومحبة الجميع، وأخذ فى الهجوم عليها بقسوة لمجرد أنها شيعية المذهب فى محاولة لبث الفتنة بين السنة والشيعة، فالفتنة بين المسلمين والمسيحيين قد أصبحت موضة قديمة وحيلة مكشوفة والأمضى منها والأفتك هو الصراع المذهبى.
شظايا الكلمات
تصيب شظايا الكلمات السابحة فى فضاء المنتديات النفوس والقلوب، وكثيرا ما تدميها إما غضبا وحقدا كما أسلفنا، وإما عشقا وهو أمر غير نادر الحدوث. وذلك بفرض أن الشخصيات العاشقة هى شخصيات حقيقية بدون أقنعة زائفة، وأهمها أن يكون الذكر ذكرا فعلا والأنثى أنثى، فترى الكثير من الشخصيات المشاركة تخلق لنفسها اسما مثيرا للخيال وأحيانا تختار سنا تتقمصه وتتبرأ من حالتها الاجتماعية، وأحيانا تتغاضى عن تلك الحالة الاجتماعية وتفتح لكلمات الغزل أبوابها، والأهم من ذلك صندوق الرسائل الخاصة. وتشتد هذه الظاهرة بين صفوف الشعراء والمتشاعرين على وجه الخصوص، فترى أسماء بعينها تتابع موضوعات فلان وتتأوه عقب كل حرف يخطه هذا الفلان أو ذاك، وتبدأ سلسلة من الردود والمجاملات الخارجة عن أطر النقد الموضوعى لتصبح المسألة مجرد تفنن فى الاستحسان وتفننا أشد فى الرد على تلك المجاملات.
بيد أن الشظايا المتناثرة هنا وهناك لا تكتفى بإصابة القلوب وفتح صناديق الرسائل التى قد تتعرض فى بعض الأحيان للتلصص من قبل بعض الإدارات سرا أو جهرا. فهناك بعض المنتديات الجادة التى تشترط فى لائحتها أن صناديق الرسائل خاضعة للرقابة من قبل الإدارة، ومنتديات أخرى تشترط عددا معينا من المشاركات قبل تفعيل خاصية إرسال وتلقى الرسائل، وغيرها التى ترى فى صندوق الرسائل أمرا شخصيا لا يهم سوى العضو نفسه، ولكن الأمر لا يقتصر على صناديق الرسائل بل يمتد لمناطق أخرى مكشوفة وظاهرة للعيان، سواء فى الردود أو فيما يعرف بالبوح أوالهمسات ... إلخ .. من المسميات لصفحة تفتح وتتحول لساحة للدردشة، وهى ظاهرة متفشية فى منتديات كثيرة.
بوح وهمسات ومشاحنات
مع ميلاد تلك الصفحة الحرة، وتحت شعار الفضفضة يبدأ الموقع فى الانهيار، وذلك رغم جاذبية تلك الصفحة، بل لعل السبب فى ذلك هو جاذبيتها. فهى تبدأ بهمسات بوح محببة وجميلة وتتيح للأعضاء التقارب وتكوين صداقات فيما بينهم، فيدخل الصفحة من يريد إزاحة كلمات جاثمة على قلبه، ولكن مع الوقت يبدأ الآخرون فى متابعة بعضهم البعض، ومحاولة استشفاف ما وراء البوح من باب الفضول وحب الاستطلاع، فهذا فى حالة حب وذاك يرمى بسهامه نحو العضو الفلانى، ويتحسس رأسه كل ذى ’’بطحة‘‘ ومن ثم يبدأ فى الرد المستتر، ثم يبدأ الغمز واللمز وهى تربة خصبة للشائعات والمشاحنات التى تتحول فى بعض الأحيان إلى معارك حامية الوطيس، وينسون فى غمار تلك المشاحنات والمحاسبات على تلك الكلمات التى يقولون إنهم إنما يكتبونها لأنفسهم، أنهم أسقطوا خصوصياتهم وأعطوا الآخرين حقا لم يكن لديهم. إذ لم يجبرهم أحد على هذا البوح، ولا يفترض بالآخرين العمى، فالكلمات مكتوبة ومتاحة للجميع وحق التأويل مكفول إما بالسلب أو الإيجاب، وحين يضيق بهم المكان ينطلقون إلى فضائهم الخاص المعروف بالماسينجر، حيث الكلام بحرية أكبر ومن هنا تبدأ الشللية فى التفاقم وتبدأ بقية الأقسام فى الركود حتى يصاب الجميع بالملل من القيل والقال فيتم البحث عن بديل.
تسالى ... تسالى
بعد إصابة الموقع المذكور بالركود يتفتق ذهن واحد من الأعضاء عن حل عاجل لتنشيط الموقع، فيقوم بنشر لعبة ما ويدعو الأعضاء للمشاركة فيها، فترى نشاطا وإقبالا على الموقع بعد الرتابة التى كان يعانى منها. ولكنه نشاط هستيرى أشبه بفورة النشاط لدى متعاطى المخدرات ومن ثم العودة إلى الخمول والركود. ومثلما يفتش المتعاطى عن صنف جديد أو يرفع من جرعة المخدر كى يستعيد الحالة المنتعشة التى كان يمنحها له المخدر، تجد المنافسة بين الأعضاء وقد احتدمت لا فى اللعبة الواحدة فحسب، بل وفى ابتكار ونقل الألعاب من المواقع الأخرى بتعديل أو بدون تعديل.
وهو أمر ليس شرا كله، فبعضها يعتمد على الذكاء وينشط الذهن ويضيف إلى العضو المتعة مع الفائدة، منها الألعاب التى تعتمد على اللغة أو تتمة بيت من الشعر، أو صاحب قول مأثور إلخ، أما الشر كله فيكمن فى تلك الألعاب التى تعتمد على المشاركة وحسب، دون أية فائدة للعضو أو الموقع سوى استهلاك الوقت ورفع المشاهدات، من عينة لعبة المسدس، فمن يصل لرقم معين يصبح معه المسدس الوهمى ويقتل به من يشاء من الأعضاء، وفى تلك الحالة يبدأ السقوط الذى لا قيام بعده للموقع، حيث يبدأ فى فقدان الأعضاء الجادين ولا يبقى سوى غثاء السيل.
ومما سبق نجد أن الهدف من تلك المنتديات ’’الثقافية‘‘ قد سقط فى الطريق وأنها اتخذت منحى آخر حسب هوى الأعضاء وهو التسلية وقتل الوقت.
صعود وهبوط وهجرات
مثل الدول تماما تبدأ رحلة المنتديات وتأخذ نفس دورتها فى الصعود والتمدد ثم الانهيار. ومثلها أيضا فى الثورات وفى الأحلام، إذ تجد بعض الذين اجتمعت قلوبهم حول فكرة ما يحلمون بيوتوبيا فضائية فيسعون لتحقيق الحلم، وإن هى إلا بضعة ترتيبات ومساحة على الشبكة العنكبوتية وبضعة دعوات لمن يتوسمون فيه الخير حتى يبزغ نجم جديد فى عالم المنتديات، فيتسامع به الناس ويبدأون فى التوافد عليه، فيبدأ صغيرا مثل دولة فتية حين تعلن استقلالها عن امبراطورية منهارة أصابها الوهن، فتجد من يؤازرها ويدعمها من أنصار الكلمة ’’الحرة‘‘ والمبادئ النبيلة، وكذلك من يحاربها ويرسل جواسيسه فى أثرها يندسون بين الأعضاء حتى يحين الوقت لتوجيه ضرباتهم.
ويحدث أن يتغير ولاء البعض وينخرط بصدق فى هذا المجتمع الفتى النضر بكل رونقه، فترى هجرة من المنتديات التى شاخت وأصابها الوهن إلى تلك المنتديات الفتية، التى تبدأ فى التوسع والتألق وجذب الأنظار بعد أن يتسامع الناس بالنجاح الذى حققته تلك المنتديات، ولكن....
مثل الدول تماما والامبراطوريات الكبيرة، يأتى الانهيار دائما من الداخل، فإلى جانب ما ذكرناه آنفا من عوامل انهيار المنتديات، نجد عاملا آخر شديد الأهمية بخلاف الشللية والأحزاب إلخ .. هذا العامل يتمثل فى الاستبداد الذى يكون وليد النفاق وبالتالى ظهور ذوى المصالح وذوى الأهواء، والطامعين والمتسلقين لنجاح الموقع.
ومن ثم تبدأ الإدارة فى الافتتان بنجاحها فتقع فى فخ الانفراد بالرأى، أو على العكس من ذلك انعدام الرأى ويصبح جل همها عدم فقدان عضو من الأعضاء ظنا منها أنها تبقى على الأعضاء الذين تعبت فى جمعهم، ليصبح المنطق السائد ’’الزبون دائما على حق‘‘، فتعجز بالتالى عن إرضاء الجميع لتبدأ رحلة الانهيار.
فترى على الحالين استبدادا إما من الإدارة أو من الأعضاء دونما تناغم حقيقى وممارسة حقيقية لحلم الديموقراطية والكلمة الحرة.
الحرية وحق الكلمة
مما لا شك فيه أن الكثير من المواقع والمدونات وما شئت من المسميات المنتشرة عبر تلك الشبكة الهائلة، قد أذكت روح القول بلا خوف فصارت متنفسا لا يحده سقف رغم أنف الأنظمة. وهى قضية بذاتها، أعنى حرية التعبير وخاصة فيما يتعلق بالشئون السياسية والداخلية فى أى مكان، ولكن هل هناك حرية تعبير بالفعل؟ وهل تمارس بالشكل الصحيح؟ أم أنها شكل عشوائى من البوح لا أكثر؟؟
ويثور تساؤل ألا وهو، هل نحن على مستوى هذه الحرية؟ وفى المقابل تنهمر الأجوبة بين النفى والتأكيد، لكن كل ذلك لا يعنينا فى المشهد الثقافى الذى نحن بصدده إلا بقدر، كبر أو صغر، اشتد أو ضعف، فما يهمنا حقا هو شكل هذا التأثير.
فقد تجد فى أحد المواقع موضوعا يتسم بالجرأة سواء كان سياسيا أو دينيا أو أدبيا، من عينة الجدل حول الشعر ومدارسه الخ... أو قصة تحوى مشاهد ساخنة لا تزيد كثيرا أو قليلا عما هو مطروح فى الأسواق بل ويحصد الجوائز فى بعض الأحيان. وبعد، تجد أن الحرية التى تأملت أن تجدها تصطدم بمقص لا يختلف كثيرا عن مقصات الرقباء المعروفة، فمقص الرقيب قد يحذف جزءا من العمل أو يصادر العمل كله ولكن الجمهور يتحداه ويتداول العمل الأصلى سرا سواء فى حالات النشر أو فى الأعمال الدرامية، أما فى المنتديات فيتم حذف العمل بأكمله، وقد يكون الحذف متعسفا وخاضعا لهوى شخصى لا علاقة له باحترام الكلمة ولا القارئ.
وفى أحوال أخرى قد لا يكون الحذف بفعل الإدارة التى أسكرتها عبارات النفاق التى يتطوع بها البعض والسلطة الوهمية التى تمارسها فى تلك المملكة الصغيرة ، بل يكون بفعل صاحب العمل نفسه لسبب أو لآخر، منها على الأرجح الخلاف مع بعض الأعضاء، وهاهنا يبرز تساؤل عن ’’حق الكلمة‘‘ وهل هى من حق المبدع أم المتلقى أم الوسيط أى وسيلة النشر؟
وفى ظنى أن الكلمة ما إن خرجت للنور تصبح كالوليد قتله حرام حتى وإن كان مشوها أو نغلا فله حق البقاء، فهى قبل أن تخرج للنور تظل من حق المبدع وحده كالجنين تماما، ولكن ما إن اكتمل وخرج للنور فلا يحق لأحد قتله تحت أية مسميات. ولكن هل تقف حدود الحرية عند القول فحسب؟
لغة جديدة ... قديمة
لا ينقطع الجدال عن الحرية ومفهومها وممارستها، وتمتد هذه الحرية لتصيب اللغة وقواعدها المعروفة، فترى انتشارا هائلا للكتابة بالعامية، ولا يقتصر الأمر على الشعر العامى بل يمتد لعالم القصة والنثر والمقالات، كما يندر أن تكون مداخلات الأعضاء وردودهم بغير العامية أو بغير أخطاء لغوية ويكون العذر الدائم فى تلك الحالة هى العجلة، لكن أن يمتلئ الموضوع نفسه بالأخطاء اللغوية فتلك هى المشكلة. وإذا ما ضيقت الخناق على كاتب من هؤلاء، كان رده أنه إنما يكتب ليعبر عما يجيش بأعماقه فنقله بصدق وكما شعر به، سواء كان عمله فى قسم الشعر ومليئا بالكسور والأخطاء اللغوية، أو فى القصة حيث يتراوح بين العامية والفصحى دونما ضابط أو رابط وفى سياق السرد نفسه لا فى الحوار الذى قد يحتمل العامية. وهكذا فإن النشر المتاح يجعل كل من يضع حرفا بجوار حرف قادرا على النشر فى ذلك الفضاء المفتوح بل وقد يلاقى التشجيع والاستحسان باعتباره مجددا ومتمردا على القوالب الجامدة ومن أبرز هذه المظاهر انتشار النثر الأدبى المسمى بالخواطر والذى لا يختلف كثيرا عن قصيدة النثر مع ملاحظة أن العديد من المواقع كثيرا ما ترفض هذا اللون الأدبى أى قصيدة النثر ثم تعود وتقبل بالخاطرة عن طيب خاطر، وهذا بالإضافة إلى أن معظم عبارات الاستحسان تصدر ممن يجهلون قواعد وأصول النقد الأدبى.
أما الظاهرة الأشد وضوحا فى تلك المنتديات فهى استخدام الزخرفة لإضفاء رونق على النص وهو أمر محمود، لكنه قد يتجاوز الزخرفة ويتم الاستعانة بالصور المتحركة أو الثابتة والتى تعرف بالإيموشنات، وهى صور صغيرة ومعبرة إلى حد كبير ولكن على حساب النص المجرد، مما يجعل الكلمة فى حالة ’’ردة لغوية‘‘ حيث تعود لصورتها البدائية وهى الرسم للتعبير، وإن كان ذلك بتقنية متطورة تجعلها تتحرك. ويكثر استخدام هذه الإيموشنات فى الأعمال المنسوبة للقسم الساخر بوجه خاص.
فن جديد ...
مما سلف نجد أن حسن توظيف الإيموشنات يتفاوت من عضو لآخر، فنرى عملية إخراج مصاحبة للكتابة تجعلها أشبه بالسيناريو والإخراج السينمائى لأفلام الكارتون، ولكن قد يكون ذلك على حساب الكلمة، وشيئا فشيئا تضعف القدرة التعبيرية لدى المبدع نظرا لاستسهاله استخدام تلك الرسوم المعبرة. ولو جردت النص من تلك الرسوم فقد لا تضحك بنفس القدر أو قد لا تضحك على الإطلاق، وهكذا قد يقبل البعض على موضوعات عضو ما لبراعته فى استخدام ’’الإيموشنات‘‘، وأحيانا قد يتأخر عضو فى تكملة حلقاته الساخرة لكسله عن إضافتها، فيظل الموضوع مؤجلا حتى تنفتح شهيته لوضع ’’الإيموشن‘‘ المناسب فى المكان المناسب!!
وعلى صعيد آخر يبرز فن جديد لا تجده سوى فى النشر الإلكترونى، وهو ما يعرف بالتصميمات، فكما كنا نرى رسوما مصاحبة لقصائد كامل الشناوى وفاروق جويدة فى دواوينهم، تنتشر فى بعض المنتديات ظاهرة تصميم لوحات معبرة عن الشعر أو الخواطر. وما يميز هذه التصميمات ويكسبها تفردا، أنها متحركة وفى بعض الأحيان تكون مصحوبة بالموسيقى أو إلقاء الشاعر للقصيدة بصوته، وتعتمد هذه التصميمات على عدة برامج على رأسها الفوتوشوب والكليك وغيرها، وهى أى تلك التصميمات فن بازغ وله فنانوه الذين صارت لهم شعبيتهم فى عالم الانترنت والتى تكاد تصل إلى درجة النجومية، فنجد بعض الأسماء المتداولة عبر ذلك الفضاء وقد تهافت عليها أصحاب المواقع لمعرفتهم بقدرة أصحابها على اجتذاب الأعضاء.
تفاعلات ثقافية
يميل أصحاب المواقع إلى اجتذاب الكتاب والشعراء ممن لديهم صلة بعالم النشر الورقى ويعتبرونهم مكسبا كبيرا لمواقعهم. هذا إلى جانب البريق الذى يحيط باسم العضو الذى يشير إلى انتمائه لعالم الصحافة، فتجد الترحاب يحيط به وتشمله عين الرعاية من قبل القائمين على الموقع بغض النظر عن مستواه الأدبى وذلك لمجرد أنه متصل بهذه الصحيفة أو تلك أيا ما كانت هذه الصلة، مما يشى بسطوة الورق وسحره لدى كل من يهتم بالثقافة.
ومما يدل على هذه السطوة، تلك الفرحة وذلك الزهو الذى يصيب العضو الذى ينجح فى اختراق عالم الورق وينشر له عمل أدبى فى صحيفة أو مجلة، مما يعنى ميلاد أديب أو شاعر إذ يكون النشر الورقى بمثابة شهادة ميلاد له واعتراف موثق بكيانه الأدبى والذى ينعكس بدوره على الموقع الذى ينتمى إليه.
وهكذا نرى العلاقة التبادلية بين عالم النشر الالكتروني وعالم النشر الورقى، فأهلا بالكتاب وفى الوقت ذاته مرحى لمن يولد على الورق. ومؤخرا حرصت عدة مواقع على إقامة ملتقيات ثقافية كما تحرص بعضها على أن يكون لها إصداراتها الخاصة، فتقوم بعمل المسابقات فى الشعر أو فى القصة وتكون الجائزة هى النشر أو على أقل تقدير المساهمة فى النشر.
كما يقاس نجاح الكاتب وتألقه فى بعض الأحيان بالحرص على ضمه إلى بعض المواقع الأدبية، وكذلك الحرص على نشر أعماله فى مواقع الكتب الإلكترونية، وكثيرا ما يكون له موقعه الخاص وأحيانا يكتفى بمدونة تقربه من جمهوره وتحجز له مكانا فى ذلك الفضاء.
مكتبات فضائية
مما يثرى المواقع ويحسب لها حرصها على تكوين مكتبتها الشاملة وأحيانا المتخصصة التى تمكنك من تحميل ما شئت من الكتب أو الاطلاع عليها، وحبذا لو كان واحدا من الكتب المحظورة أو تلك التى أثير حولها الجدل مثل أولاد حارتنا التى كادت تتسبب يوما ما فى قتل صاحبها الأديب الكبير نجيب محفوظ، ومثل شفرة دافنشى لدان براون وأعمال نجيب سرور وأحمد مطر وغيرها الكثير.
ولكن الخوف الأكبر إزاء هذه المواقع ومكتباتها يتمثل فى عنصر الدقة والمصداقية، إذ يظل الورق أعلى مصداقية من ذلك الفضاء المفتوح والذى لا تدرى أية يد عابثة قد تمتد بالتزوير أو التحريف نحو المعلومة التى تنشدها. فكما تتميز بسهولة الوصول للمعلومة يعيبها سهولة العبث بها لغرض خبيث أو أن توضع ابتداء مشوهة لافتقارها للدقة والجدية، ومع الأسف رأيت خلطا بينا بين الشيخ محمد شاكر الأب وولديه محمود وأحمد شاكر فى أحد أهم المواقع المتخصصة والتى تصف نفسها بالإسلامية، مما يؤكد المعنى الذى أقصده، وهو عنصر التوثيق والمصداقية.
بين كتابتين ... جمهور
يبقى التعبير عن الذات هو العنصر المشترك فى عالم الكتابة، فمنذ أن بدأ الإنسان فى نقش الحجر وانتهى بالكتابة عبر الأثير، يظل الدافع للكتابة واحدا وهو القول بالوجود والسعى نحو الخلود. فأن تكتب فهذا معناه أنك باق ولو إلى حين ولكنك باق.
غير أن الجمهور يختلف، لا من حيث الذائقة فحسب، ولكن من حيث التلقى والتفاعل مع ما تكتبه. وسبق أن أشرنا لردود الأفعال والمجاملات ولانتشار المهاويس والسفهاء. فالفرق بين الكتابة على الهواء والكتابة فى إصدار ورقى، أشبه ما يكون بالفرق بين العرض المسرحى والعرض السينيمائى، فقد ينجح الفيلم أو يسقط وقد يتناوله النقاد بالثناء أو الهجوم دونما أذى مباشر يصيب القائمين على الفيلم.
أما فى العرض المسرحى فقد ينجح ليلة ويسقط فى ليلة أخرى، لا لخطأ من الممثلين ولكن من الجائز أن يسقط إما لغياب الجمهور، أو لوجود مشاهد مشاغب أو محرض ضد الممثل فتكون النتيجة قذفه بالبيض والطماطم، وذلك لا يدل على مستوى العرض، بل على نوع التفاعل بين الممثل والجمهور، وكذا هو الحال بالنسبة للكتابة على الهواء. فكم من المبدعين انسحبوا من بعض المواقع إثر تطاولات من سفهاء عليهم، فى حين أن الكاتب فى عالم الورق قد تصله خطابات مهينة وقد تصل إلى حد التهديد أحيانا، ولكن تبقى كرامته محفوظة إلى حد ما لأن الإهانة لم تكن على الملأ.
فلا عجب إذن أن بعض الكتاب ينظرون إلى المشاركة فى المنتديات الثقافية نظرة فوقية، ويعتبرون المشاركة فيها انتقاصا من مكانة الكاتب وأنه بذلك يسلك مسالك الهواة المبتدئين والباحثين عن منبر يحمل كلماتهم إلى الناس باستثناء أصحاب المواقع الشخصية والتى يعتبرونها تتمة لنجاحهم ككتاب مرموقين.
الفارق الأخير
وأخيرا عزيزى القارئ يبقى فارق واحد بين الكتابتين، ألا وهو حجم المكتوب، حيث يفضل ألا تزيد الموضوعات فى عالم المنتديات عن ثلاثمائة كلمة كى لا يمل المتصفح، فى حين قد تزيد بعض المقالات فى الصحف والمجلات عن الثلاثة آلاف كلمة، وهو أمر شديد العسر على متصفح الانترنت فى كثير من الأحيان اللهم فى بعض الحالات الاستثنائية وفى المواقع المتخصصة وشبه المتخصصة.
تلك كانت خلاصة تجربتى فى عالم الكتابة على الهواء، أطرحها بين يديك على صفحات من الورق ومعها رسالة تحذير للمثقفين والكتاب:
أن انتبهوا فالمشهد الثقافى لم يعد خالصا لكم وحدكم، فهناك كيانات فضائية تقوم بغزو عقول أبنائنا وتؤثر فيها فى كل لحظة، فانتبهوا ولا تنأوا بأنفسكم عن ذلك الميدان. [/CELL][/TABLE]
خدمات المحتوى
|
تقييم
|
|