تمثل مشكلة تقسيم عوائد النفط وما تستتبعه من ترسيم بعض الحدود، وخاصة تلك التي تزخر بحقول النفط، صداعًا في رأس الحكومة السودانية مع اقتراب موعد الإستفتاء على انفصال الجنوب عن الشمال في 9 يناير 2011، وِفق اتفاقية السلام التي أبْـرِمت في عام 2005 والتي نصّـت أيضا على تقاسُـم الثروة والسلطة ووعدت بالديمقراطية.
وفي حوار خاص أجرته معه swissinfo.ch في القاهرة أوضح مجدي صبحي، نائب مدير مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام والخبير الاقتصادي المتخصص في شؤون النفط، العديد من الإشكاليات المرتبطة بهذا الملف وأجاب على العديد من الأسئلة المتعلقة بخريطة النفط السوداني ونِـسب الإنتاج في الشمال والجنوب وحجم الصادرات ومكانة النفط عموما في منظومة الاقتصاد ككل ومصير النفط في مرحلة ما بعد الإنفصال، والكيفية التي تسير بها التفاهمات الجارية حاليا بين الشمال والجنوب حول النفط، عصب الإقتصاد لدى الطرفين.
*أين يوجد النفط السوداني؟ وما نسب إنتاجه في الشمال والجنوب؟
**معظم إنتاج النفط في السودان (70 – 80%)، يأتي من حقول جنوبية، كما أن حقل مدينة أبيي، هو الأكبر في السودان (أوسطها) من حيث الإنتاج، علما بأنها منطقة متنازَع عليها. وتتوزّع الصادرات النفطية إلى 60% من الجنوب و 40% من الشمال.
وإذا كان الجنوب يتميّـز بأنه الأكبر من حيث عدد حقول النفط، فإن الشمال يمتاز بأمريْـن، هما: امتلاكه للمِـصفاة الوحيدة لتكرير النفط بالسودان. والميزة الثانية، أن خطوط تصدير النفط السوداني تتِـم عن طريق ميناء بورتسودان، في أقصى شرقي السودان، ضِـمن الحدود الشمالية.
وتشير التقارير الرسمية لوزارة الطاقة إلى أن البترول في شمال السودان موجود في 12 - 13 منطقة، موزعة في مناطق حلايب وشلاتين على الحدود السودانية - المصرية، وشمال حلايب حتى دلتا طوكر.
*وما هو حجم الإنتاج من النفط السوداني؟
** حجم الإنتاج ليس كبيرا، إذ أنه لا يتجاوز نصف مليون برميل يوميا، وليس من المنتظر أن يزيد بعد الانفصال، ما لم يتم السعي لاكتشاف حقول جديدة، حيث لم يتِـم عمل مسح لكل أجزاء السودان حتى الآن، ومن ثَـمَّ، ليس صحيحا ما يردِّده البعض من أن السودان يعُـوم على بُـحيرة من النفط!
* كم يبلغ حجم صادرات النفط السوداني؟ وما هي مكانته من الاقتصاد ككل؟
** رغم أن النفط السوداني مكتشف حديثًا (في عام 1979)، إلا أنه يمثل عصب الاقتصاد السوداني، حيث يمثل 90% من حجم الصادرات السودانية، كما يمثل من 50 – 60% من إجمالي الموارد العامة لموازنة الدولة السودانية.
*ما رأيكم فيمن يتوقّـع أن يبرز النفط كعامل للوحدة، وأنه سيحُـول دون الانفصال؟
** الواقع، والظروف كلها تشير إلى صعوبة بل استحالة استمرار الوحدة السودانية، وأن الانفصال شيء حتمي لا تراجُـع عنه، ولعله من المبالغة القول بأن النفط السوداني سينتصِـر لقرار استمرار الوحدة وأنه سيكون السبب في منع الانفصال. فالجنوبيون اتخذوا هذا القرار عن قناعة، نظرا لسوء معاملة الشماليين لهم، وهو ما دفعهم للمطالبة بالانفصال والإصرار عليه.
ولا تنس أنه كانت هناك حرب أهلية بين الشمال والجنوب السوداني، اندلعت في السادس عشر من مايو من عام 1983 واستمرت لأكثر من عقدين، وراح ضحيّـتها نحو مليونيْ شخص. كما أن سياسات حكومة الشمال هي التي دفعت الجنوبيين للتمسُّـك بقرار ومطلب الانفصال. كما أن هناك رغبة دولية تكاد تكون مجمعة على الانفصال وعلى أن تتم عملية الاستفتاء بنزاهة وحيدة كبيرة.
*ما مصير النفط السوداني في مرحلة ما بعد الانفصال؟
** بعض الخبراء الشماليين يروْن أنه لو تمّ الانفصال، سيتم تقسيم عوائد الصادرات النفطية مناصفة، أي 50% لكل من الشمال والجنوب، بينما يرى خبراء ومسئولون جنوبيون أن النفط حق مُـكتسب للجنوب، وليس للشمال فيه نصيب!
ومشكلة الجنوب، أنها منطقة مقفولة وليست لها أبواب على البحر، ومِـن ثم، فإن الطريق الوحيد أمامها لتصدير النفط، إنشاء خط جديد خاص به، ولا يمكنه ذلك على أرض الواقع، إلا عن طريق كينيا، وهي فكرة ستكلفه الكثير وسترفع تكلفة الإنتاج، وبالتالي، فليس أمامها غير التفاهم مع الشمال في تقسيم عوائد النفط، كما أنه يفتقد للكوادر الفنية الخبيرة في إدارة ملف البترول.
*وكيف تسير التفاهمات بين الشمال والجنوب السوداني حول النفط؟
** أعتقد أنه يتمّ التفاوض الآن بين الشمال والجنوب للوصول إلى تفاهمات حول نِـسب تقسيم وتوزيع عائدات النفط. والمؤكد، أن الأمر سيُـحسم خلال الأيام القليلة المقبلة، قُـبيل الاستفتاء، وإن كان لم يتِـم الوصول إلى اتفاق نهائي حتى الآن، ورغم أن منطقة أبيي نفسها تمثل مشكلة كبيرة، إلا أنه لم يتم التوصّـل إلى اتفاق نهائي حولها حتى الآن.
*هل تعتقد أن دعم أمريكا لانفصال الجنوب، خلفه مطامع نفطية؟
** يجب أن نعلم أن النفط السوداني، من حيث الكم، ليس ضخما. فهو لا يتجاوز نصف مليون برميل يوميا، كما أن الخام السوداني متدنّـي من حيث الجودة، ومن ثم، فإنه ليس بالاحتياطي الذي يسيل له لُـعاب الولايات المتحدة.
*إذن، كيف تفسر إقحام أمريكا نفسها في الموضوع؟
** أكبر الدول التي تقوم بالإنتاج في السودان، هي الصين وماليزيا، والمسألة جزء من مسلسل الصراع الأمريكي - الصيني المكتوم وغير الظاهر، لأن هذا الأمر يعزِّز مكانة الصين عالميا من خلال اختراقها للمجال النفطي الإفريقي.
والمعروف، أن الصين حتى منتصف تسعينيات القرن الماضي، كانت تنتج ما يكفيها. ومع النمو الصناعى الكبير، ارتفعت حاجتها للنفط، حيث أصبحت تستهلك 8 ملايين برميل يوميا، بينما لا تُـنتج سوى 4 ملايين برميل، وتستورد الباقي، لكونها ثاني أكبر مستهلك للبترول في العالم، ولهذا لجأت إلى البحث عن مصادر جديدة للبترول، وأمريكا تُـتابعها بالطبع.
*ماذا عن التواجد الصيني في إفريقيا والخليج بحثا عن النفط؟
** الصين تتواجد بقوة في إفريقيا وتسيطر تقريبا على نفط أنغولا (تنتج 2 مليون برميل يوميا). وحاجتها للبترول، جعلتها لا تتوقف على السودان وأنغولا، فقد وضعت يدها على مواقع أخرى كثيرة. فتراها موجودة في الدول ذات الكثافة الإنتاجية من النفط، مثل الجزائر (تنتج مليون برميل يوميا) وليبيا (1.8 مليون برميل يوميا).
كما أنها موجودة بكثافة في العراق، ولديها خطط واعدة مع السعودية لبناء مصافي تكرير لها في الصين، بحيث يتم نقل النفط السعودي عبْـر البواخر إلى الصين، ليتم تكريره هناك، وهو مشروع سعودي - صيني كبير، سيبدأ في 2011، حيث بدأ العمل فعليا في بناء المصفاة منذ عام 2008، كما أن الصين من أكبر ثلاث دول في العالم لشراء النفط السعودي، بل والخليجي كله، ومعها اليابان وكوريا الجنوبية.
المصدر: swissinfo.ch