جديد المقالات
جديد الأخبار

ثورة 25 يناير مساحة إعلانية انفنتي - بلا حدود


تابعنا على تويتر تابعنا على فيس بوك

تغذيات RSS

الأخبار
عربي
الجامعة العربية
ركائز ودلالات وتحديات الإصرار الصهيونى على " يهودية" الدولة العبرية
ركائز ودلالات وتحديات الإصرار الصهيونى على " يهودية" الدولة العبرية
ركائز ودلالات وتحديات الإصرار الصهيونى على " يهودية" الدولة العبرية
07-09-2009 01:08 AM
الديوان / د. السيد عوض عثمان /

[TABLE=width:70%;][CELL=filter:;]
من نافلة القول ، أن إقامة وطن قومى لليهود فى فلسطين ، على حساب الحقوق التاريخية للشعب الفلسطينى ، تجسد الهدف المركزى للحركة والمشروع الصهيونى على حد سواء ، خاصة فكرة تيودور هرتزل المطالب " بدولتين " مستقلتين كشعبين مختلفين فى الدين واللغة والثقافة والتاريخ وبالتالى فرضت جل ملابسات ومدخلات نشأة الكيان الصهيونى على أرض فلسطين المغتصبة ، فى العام 1948 ، كحركة استعمارية ، استيطانية واجلائية واحلالية ، تحديد هوية الصراع : من حيث كونه صراع وجود من أجل الوجود على الأرض ، وليس صراع حدود ، بل تعمد توظيف مقاربة القوة لقضم مزيد من الأرض ، والمقايضة بها لتكريس الاحتلال ، ولخلق وجود صهيونى قسرى فى الأراضى الفلسطينية المحتلة ، لإحداث تغيير فى التركيبة والتوزيع السكانى.

ومنذ ذلك الحين ، فقدت الدولة العبرية القدرة ، وأخفقت فى القضاء وتبديد هواجس الخوف والقلق ، والخطر الداهم ، الذى يثار ، بين الفينة والأخرى ، من الوجود الفلسطينى فى قلب الكيان الصهيونى ، وتحديات البعد السكانى فى معادلة الصراع ، وما يمثله من تهديد استراتيجى ، هو الأخطر والحقيقى على الحلم الصهيونى.

وعلى الرغم من كافة الجهود المبذولة ، وفى حالة التفعيل الايجابي للبعد الديمغرافى فى الصراع ، بوسائط وآليات متعددة ، يتفاقم الإدراك السياسى الصهيونى لهذه " القنبلة الموقوتة " ، ومدى تأثيرها على معادلة الصراع .

وعليه كرست الدولة العبرية ، خاصة فى السنوات الأخيرة ، العشرات من المراكز البحثية الخاصة بالأمن القومى ، والتى كثفت جهودها لسنوات طويلة للبحث المعمق لهذه القضية والإشكالية ، لاسيما المؤتمرات الدورية السنوية ، ذات الطبيعة الاستراتيجية ، التى عقدت فى بلدة " هرتسيليا " خلال الفترة ما بين 2000- 2007 ، ولأهمية استمرار الرافد البشرى ومعالجة شح معدلات الهجرة إلى الدولة العبرية ، فى مقابل تواصل تزايد معدلات التزايد الطبيعية فى أوساط الأقلية العربية ، بما يعد كفيلاً لإعادة خلط الأوراق فى الساحة الإسرائيلية ، وما تم التوصل إليه من نتيجة مفادها أن النسبة بين الفلسطينيين والإسرائيليين الحالية فى فلسطين 1948 ، وهى 1 إلى 5 ، من المتوقع أن تصل إلى 1- 3 بعد عشرين عاماً ، أى فى عام 2025 ، وأن عشرين عاما أخرى ، وبالتحديد بحلول 2050 ، ستحدث تفوقاً عددياً لهم على اليهود ، الذين سيصبحون أقلية ، بعد مرور قرن على نكبة عام 1948، الأمر الذى سيؤدى إلى حسم الصراع لصالح الفلسطينيين ، بعد اندماج وتذويب الأقلية اليهودية فى محيطها العربى ، بغالبيته السكانية – أكثر من 300 مليون عربى فى مواجهة 8 ملايين يهودى – وسيطرة الفلسطينيين مرة أخرى على الأرض ، ومن ثم تفقد الدولة العبرية طابعها الصهيونى ، وهو ما اعتبره الخبراء فى مجال الأمن القومى الأزمة الداخلية الكبرى وكارثة ينبغى العمل على مواجهتها ، و توظيف كافة السياقات الإقليمية والدولية ، وفى رؤية استباقية ، لإبطال مفعول هذه القنبلة الموقوتة .

ومن اللافت للانتباه فى الخطاب الصهيونى ، فى الآونة الأخيرة ، تواصل نغمة الحديث عن " يهودية الدولة العبرية ، وبدعم وتآمر أمريكى مباشر ، فى محاولة للالتفاف على تأثيرات العامل الديمغرافى ، وإبطال مفعوله ، عبر مشروعات تسوية مشبوهة ، فى زمن اندحار المضامين التاريخية لهذا المفهوم ، أى الدولة الاثنية اليهودية الصرفة النقية , لتجاوز حق عودة اللاجئين ، وفق قرارات الشرعية الدولية ، وكافة المواثيق ، وشرعة حقوق الإنسان ، والقانون الدولى الإنسانى ، والتنكر لمسئولية " إسرائيل " السياسية والقانونية والأخلاقية المباشرة عن نكبة الشعب الفلسطينى ، وحقوقه القومية وغير القابلة للتصرف ، وعن مأساة اللجوء الفلسطينى وعذاباته ، والقتل والتهجير القسرى ، والترهيب ، والحروب المتواصلة فى حملة لابادة الأخر واستئصاله وتصفية قضيته ، والإجهاض بصورة نهائية لمعركة الأقلية العربية فى الكيان الصهيونى – التى ليست أقلية قومية طارئة على الدولة العبرية ، بل أقلية قومية فى وطنها – من أجل البقاء فى هذا الوطن الذى لا وطن لهم سواه ، وإجهاض معركتها التى تخوضها بعناد من أجل انتزاع المساواتية فى الحقوق المدنية والقومية ، وتعمد إسقاط شرعية المواطنة لهم ، وإخراجهم خارج معادلة التأثير على وجهة المجتمع الإسرائيلى ، وتحويل الدولة العبرية ، زعماً ، من دولة ديمقراطية لمواطنين ، إلى عالم مفترض لليهود لطالما كانوا فى شوق إليه ، حسب المزاعم الصهيونية ، وتوجيه ضربة قاضية لسيناريو " الدولة الديمقراطية العلمانية " – ثنائية القومية بين اليهود والمسلمين والمسيحيين الفلسطينيين على كامل حدود فلسطين التاريخية .

ويلاحظ أن الحركة الصهيونية ، ومنذ عام 1948 ، حاولت تكريس المزاعم بأن فلسطين " أرض بلا شعب .. لشعب بلا أرض " للتغطية على حقيقة أن الجالية اليهودية ، والتى لم تتجاوز نسبة 11 % من سكان فلسطين عام 1917 ، قد تضخمت بفضل هجرة غير شرعية – استهدفت الحفاظ على الطابع الصهيونى والأيديولوجى باتجاه " دولة الميعاد " – خطط لها تحالف غير شريف بين الصهيونية وبريطانيا ، وبلغت عام 1947 نسبة 30 % ، ثلاثة أرباعهم ولدوا خارج البلاد ، ولا يحملون الجنسية الفلسطينية ، ثم قامت هذه الأقلية بطرد سكان البلاد الشرعيين من موطنهم ، وهم الغالبية وتشتتهم فى أنحاء المعمورة ، وتلاحقهم بالموت والدمار والتشويه السياسى والإعلامى . وفعلياً قامت بطرد 850 ألف فلسطينى من وطنهم ، وهم سكان 526 مدينة وقرية وقبيلة ، وأحلت مكانهم المستوطنين اليهود الذين غادروا أوطانهم الأصلية طوعاً وطمعاً بتأثير الحركة الصهيونية ، التى لم يكن بمقدورها تهجير كل السكان الأصليين الفلسطينيين ، وتمسك فلسطينيو 1948 داخل الكيان الصهيونى " بمبدأ البقاء فى الوطن " ، وكان عددهم عقب نكبة 1948، قرابة 170 ألف نسمة ، حتى وصل عددهم حالياً إلى نحو مليون و350 الف نسمة ، يتمركزون بخاصة فى الخليل ، وعاصمته الناصرة ، وفى المثلث العربى فى الوسط ورأسه أم الفحم وقاعدته فى كفر قاسم والطيرة والطيبة ، وفى النقب جنوباً ، إضافة إلى وجود مختلط فى مدن يافا وحيفا وعكا واللد والرملة .

وقد فرضت عليهم الدولة العبرية ، بموجب قانون الدفاع ( قانون الطوارئ عام 1954 ، ونتيجة لصمودهم وتمسكهم بوطنهم وأرضهم ، ولأن الكيان الصهيونى كان يسعى لتسويق نفسه دولياً ، خاصة فى الغرب ، " كواحة للديمقراطية " واحترام حقوق الإنسان ، كان الاضطرار لأن تعرض عليهم الدولة العبرية حمل " الجنسية الإسرائيلية " أو مغادرة البلاد بعد مهلة محددة ، وقبلوا أن يكونوا " مواطنين " فى دولة " إسرائيل " ، إذعاناً .

أى أنه فى الوقت الذى يعتبر فيه هؤلاء من الناحية القانونية الدولية مواطنين ، ويتحتم على الدولة العبرية أن تعاملهم على أساس أنهم سكان أصليون ولهم جميع الحقوق والحريات ، طبقا للقواعد القانونية الدولية بهذا الخصوص ، فإن شيئاً من هذا لم يحدث ، ولن يحدث ، فالنظام العنصرى الصهيونى ، وأية عنصرية أخرى ، ترفض بطبيعتها المساواة ، بل يعتبر إجهازاً على المفهوم العنصرى ذاته ، فالاستعلاء الصهيونى المستمد من منطلق الإيمان بأرض الميعاد ، عطفاً على ربط هذين المفهومين بالإله القوى " الله القوى " و" اختصاص " اليهودية به ، واختصاصه باليهود ، وصب ذلك فى قالب سياسى ذى نزعة استعمارية شرسة ، استيطانية اقتلاعية واحلالية ، وهى العنصرية الصهيونية ، القائمة بالأساس على نفى الآخر وتهجيره ، ومن ثم تصبح ألوان التمييز ظاهرة طبيعية ، وظاهرة يومية بكافة مناحيها السياسية والقانونية والاقتصادية ... الخ بالصبغة العنصرية التمييزية ، وهى سياسات تمييز مؤسساتى ، وبصورة منهجية ومبرمجة ، فى ضوء أزمة المساواتية المعلنة ، والتمييز الضمنى ، وتلك خاصية ملازمة للمشروع الصهيونى منذ تأسيسه .

فى هذا السياق ، وعلى الرغم من خطايا أوسلو عام 1993 ، والتنازل الطوعى للفريق الفلسطينى المفاوض عن 78 % من مساحة فلسطين التاريخية ، عبر الإقرار " بحق الإسرائيليين فى العيش داخل دولة تتمتع بحدود آمنة ومعترف بها ، و" إقصاء " فلسطينيى 1948 من قضايا الحل النهائى ، وحدد مصيرهم بصورة قسرية باعتبارهم حاملو الجنسية الإسرائيلية ، لكن برز الاعتراض الفلسطينى الرسمى على وصف " إسرائيل " كدولة قومية للشعب اليهودى . واعتمدت كافة ألوان الطيف السياسى فى الدولة العبرية خططاً مرحلية مبرمجة للوصول لهذه الغاية .

وهنا تتبدى دلالة ما صرح به الرئيس الأمريكى بوش ( الابن ) فى قمة العقبة الشهيرة ، عام 2003 ، وبناء على نصيحة وطلب وزير الخارجية الصهيونى ، وقتئذ ، سلفان شالوم ، ومسعاه للحيلولة دون طرح عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى تخوم الدولة العبرية فى المفاوضات فى المستقبل ، حيث صرح الرئيس بوش " بأن الولايات المتحدة اليوم ملتزمة بقوة ، وأنا ملتزم بقوة ، ضمان أمن إسرائيل كدولة يهودية تنبض بالحياة " . ومن المفارقات الصارخة ، عدم خروج رئيس الوزراء الفلسطينى ، حينئذ ، أبو مازن "على النص " وتعقيبه على هذا التضمين الأمريكى ، أو إبداء أى " استياء " إن لم يكن معارضة لهذا التطور .

ومما لا شك فيه ، أن الكيان الصهيونى ليس الدولة الوحيدة التى تحكمها أكثرية دينية ، فالنماذج عديدة ومتنوعة . وبالتالى فإن الالتزام الأمريكى بهوية الدولة العبرية الدينية ، وهو التزام من الإمبراطورية الحاكمة فى العالم ينطوى على دلالات خطيرة ، تتعلق فيما إذا كان يمثل اعترافاً وإقراراً لإباحة قيام الدول على أساس دينى عنصرى ، ومن ثم يضع مجمل المشروع الأمريكى بنشر الديمقراطية ، خاصة فى منطقة الشرق الأوسط ، فى وضعية فقدان المصداقية ، حيث أنه فى الممارسة العملية تتخلى الولايات المتحدة عما تدعو إليه من ثقافة التعايش والتقاليد الأمريكية ذاتها فى الوحدة والاندماج على الرغم من التعددية الدينية والعرقية والاثنية ، وضرورة احترام الحقوق الدينية والهوية الثقافية للأقليات ، وهو ما يحرص عليه التقرير السنوى لوزارة الخارجية الأمريكية ، والذى يشكل المرجعية فى برنامج المساعدات والمعونات الخارجية ، إضافة لشرعة حقوق الإنسان . بل إن الاعتراضات الأمريكية على أنظمة سياسية ، مثل الجمهورية الإسلامية فى إيران و " نظام الملالى " تفقد مبررها إزاء الإقرار الأمريكى "بالأممية اليهودية فى فلسطين" .

وهذا التصنيف العنصرى الدينى فى تعريف دولة بديانة ليست هى ما يعتنقه جميع مواطنيها . ويبدو واضحاً حالة التماهى المطلق فى الموقفين والعدوانيتين ، الأمريكية والإسرائيلية ، ومقايضة الأمن بالعنصرية ، مما يمثل انتكاسة وارتداداً لمضمون التطور فى النظام الدولى ، وفى زوال العنصرية .

ولمزيد من تكريس هذا الموقف ، نجح رئيس الوزراء الصهيونى ، أرييل شارون ، فى زيارته لواشنطن ، فى 14 ابريل 2004 ، فى الحصول على رسالة ضمانات من الرئيس الأمريكى بوش تطالب الفلسطينيين ، صراحة بإسقاط حق عودة اللاجئين والنازحين – قرابة خمسة ملايين – برفض السماح لهم إلى داخل ما يسمى " بالخط الأخضر " ، أى إلى وطنهم وديارهم فى فلسطين المحتلة عام 1948 ، وإنما يقتصر عودتهم إلى " الدولة الفلسطينية " ، وعلى التوطين ، وتأكيد يهودية الدولة العبرية ، وتبنى أمريكى لباقى اللاءات الصهيونية .

ثم جاء مؤتمر " أنابوليس بمثابة تتويج دولى لانتصار مدرسة الديمغرافيا فى الكيان الصهيونى على مدرسة الجغرافيا ، بمعنى تغليب " يهودية الدولة " على مشروع " أرض إسرائيل الكبرى " الذى ربما تجاوزه الزمن ، أى الانقلاب على المفاهيم المتعارف عليها فى الصراع ، وانتزاع اعتراف دولى بالمفهوم الديمغرافى للصراع ، والمفهوم الاثنى للحل .

وتتوافر إمكانية القول بتصاعد حدة نبرة الإصرار على يهودية الدولة العبرية ، ولأغراض وظيفية تتوافق مع مستهدفات المشروع الصهيونى ، فى ضوء انسداد الأفق السياسى لعملية التسوية السياسية وتواصلها فى حالة المراوحة فى المكان ، وصول إدارة أوباما إلى سدة الحكم فى البيت الأبيض ، وما تمخضت عنه الانتخابات التشريعية الإسرائيلية الأخيرة من إفراز لحكومة " يمين – اليمين " ، بتوجهاتها العنصرية والفاشية الصارخة ، حيث تعمد رئيس حكومتها ، بنيامين نتانياهو ما يمكن تسميته بتعلية السقف السياسى للمطالب الصهيونية ، ثم المقايضة عليها لتحقيق أقصى استفادة ممكنة للأهداف المركزية للمشروع الصهيونى ، وزعم " التنازل " على تفصيلات صغيرة ، وجنى مكاسب أكبر .

وهنا تتبدى دلالة تعمده ابتعاده عن أى ذكر عن حل الدولتين ، ورفض صريح لإنهاء الاحتلال ، ووفاة عملية التسوية ، والاستعاضة عن المبادرة العربية " بمبادرة السلام الاقتصادى " عبر بناء الثقة عن طريق مفاوضات اقتصادية فى أساسها " المصلحة الفلسطينية " ، وضرورة تحقيق الاستفادة من التعبئة والتجنيد العالمى فى إنعاش وتحسن الاقتصاد الفلسطينى ومردوده فى إنعاش المجتمع الفلسطينى ، و" نبذ الإرهاب " ، وبحيث يكون جزءاً من المحادثات مع الفلسطينيين ، وصيغة اقتصادان للشعبين ، وليس دولتان للشعبين . وبدوره ، حرص وزير خارجية الكيان الصهيونى ، أفيغدور ليبرمان ، على تنصل حكومته حتى لمبادئ " ومرجعية أنابوليس " ، بل موتها ، وعدم الالتزام بالتفاهمات التى أقرها المؤتمر ، رغم عوراتها ، وما أحدثته فى حينها من تغيير جوهرى فيما يسمى مرجعيات مفاوضات الحل النهائى ، عندما قبل الطرف الفلسطينى – تحت الضغط الأمريكى – إضافة خريطة الطريق – رغم التحفظات ال 14 الجوهرية التى وضعتها الحكومة الصهيونية السابقة – إلى هذه المرجعيات ، عطفاً على رفض حل الدولتين ، وقصر " الالتزام " حصرياً على خريطة الطريق – التى تساندها الولايات المتحدة – بدقة وعدم قبول حرق المراحل ، شريطة تنفيذ سلطة رام الله القضاء على ما يسمى " المنظمات الإرهابية " ونزع سلاحها ، وإقامة سلطة مستقرة . وبصفة عامة ، عبرت التصريحات الرسمية الصهيونية عن التأكيد على رفض خيار الدولتين ، وعلى يهودية الدولة العبرية ، وعلى أن القدس الموحدة عاصمة أبدية للكيان الصهيونى ، وعلى نسف المبادرة العربية بتعمد المطالبة بإزالة كل البنود والنصوص المتعلقة بموضوع إيجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفقاً للقرار الأممى 194 ، أو بالبند الذى يشير إلى هذه المشكلة فى المبادرة العربية ، أى رفض كل أشكال توطينهم بالدول العربية المضيفة .

وعلى الرغم من أن الإدراك السياسى الصهيونى يرى أن خيار الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة فى فلسطين هو ضد مستهدفات المشروع الصهيونى على المدى البعيد ، وأن خيار الدولتين يصب فى المصلحة الصهيونية ، على الأقل فى المدى المتوسط ، ريثما تتوافر السياقات الإقليمية والدولية المواتية لعملية ترانسفير قسرى واسعة لتجسيد نقاء الدولة العبرية كدولة للشعب اليهودى دون سواه ، إلا أن رفض خيار الدولتين اقترن بتعظيم المكاسب المتولدة عن القبول به لاحقاً ، وهذا ما يفسر مضمون خطاب نتانياهو ، فى 14 يونيو 2009 ، فى جامعة " بار إيلان " ، معقل اليمين ، و" استعداده " للقبول بقيام " دولة فلسطينية " ذات " علم ونشيد وطنى " ، مشروطة بعدة شروط تعجيزية ومستحيلة ، تفرغها من مضمونها ، من حيث ارتهان ذلك بالحصول على ضمانات دولية مسبقة بأن تكون منزوعة السلاح ، وبلا جيش ، وتهيمن الدولة العبرية على أجوائها : براً وبحراً وجواً ، وتفتقر للقدرة على نسج تحالفات عسكرية واستراتيجية ، خاصة مع إيران وحزب الله اللبنانى ، وتوفر للدولة العبرية ضمانات أمنية صارمة ، وأن يعترف الفلسطينيون ، فى شكل علنى وصادق بالدولة العبرية كدولة الشعب اليهودى ، ومعاودة التأكيد على أن القدس الموحدة ستظل عاصمة أبدية للكيان الصهيونى ، و"حرية العبادة فيها" مضمونة لكل أتباع الأديان ، عطفاً على رفض تجميد الاستيطان فى الأراضى الفلسطينية المحتلة ، والأهم رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم ، بزعم أن هذه العودة تناقض استمرار " إسرائيل " كدولة يهودية ، مؤكداً على أن مشكلتهم ينبغى أن تحل خارج " حدود " الدولة العبرية ، أى التوطين .

وإذا ما تحقق ذلك ، فإنه يدعو الفلسطينيين إلى استئناف فورى لمفاوضات سلام دون شروط مسبقة ، أى من ناحية الفلسطينيين ، وبعد أن تثبت سلطة رام الله " جدارتها " فى تثبيت " الأمن " وفرض القانون والنظام ، وهزيمة إسلامى " حماس " ، حيث صعوبة التفاوض مع " إرهابيين " يحاولون تدمير الدولة العبرية . بل مضى أبعد من ذلك ، وفى محاولة التفافية وبنهج انتقائى للمبادرة العربية للسلام ، عندما أعرب عن استعداده للقاء القادة العرب فى دمشق أو بيروت أو القدس لتحقيق ما أسماه " سلاماً اقتصادياً " ، ومطالبته المستثمرين العرب والخليجيين بالاستثمار فى " إسرائيل " والأراضى الفلسطينية لمساعدتها ومساعدة الفلسطينيين على إقامة مناطق صناعية واقتصادية ومشاريع تشغيل آلاف العاطلين ومناطق سياحية فى أريحا والبحر الميت والمغطس على نهر الأردن وغيرها .

والحقيقة المؤلمة أن الخطاب بكل هذا الوضوح والصراحة ، إلى حد الوقاحة ، يمثل القول الفصل فى عملية التسوية المرتقبة وبمنطق الإملااءات يضع العرب والمجتمع الدولى والفلسطينيين على المحك ، وأمام اختبار صعب ومصيرى : ماذا انتم فاعلون ؟!


وفى ضوء مجمل ما سبق يمكن تصور عدة سيناريوهات لتجسيد ذلك:

أولها: سيناريو التهجير القسرى لقرابة مليون و350 ألف فلسطينى ممن تشبثوا بالبقاء فى الكيان الصهيونى ، دفعة واحدة للحفاظ على نقاء الدولة اليهودية ، سواء إلى غزة وسيناء والأردن مع تجديد الحديث عن " الوطن البديل ".
وثانيهما: سيناريو التهجير القسرى السلمى فى ضوء قبول المفاوض الفلسطينى لمبدأ مبادلة الأراضى بين الكيان الصهيونى والدويلة المرتقبة ، على سبيل التوفيق بين التمسك الفلسطينى وفى إطار المبادرة العربية للسلام ، بانسحاب " إسرائيل " إلى حدود 4 يونيو 1967 ، والرفض الإسرائيلى لإخلاء المساحة التى اقتطعتها عبر التهويد والاستيطان من تلك الحدود – تشير الاحصاءات إلى وجود 250 ألف مستوطن فى حوالى 200 مستوطنة بالضفة الغربية ، إضافة إلى أكثر من 15 حياً استيطانياً فى القدس الشرقية والتى احتلتها وضمتها إسرائيل عام 1967 ، يقيم فيها أكثر من 200 ألف صهيونى – وبقبول مبدأ التبادل للأراضى ، ينحصر الحديث والخلاف عن التساوى ، أى نسبة 1 : 1 فى المساحة والقيمة إلى المناطق المعروضة من الجانب الإسرائيلى . ولم يعد خافياً أن أرض المستوطنات المنتقاة بعناية فائقة من حيث وقوعها على مصادر المياه الجوفية والتربة الزراعية الخصبة ومواقع إشراف عسكرى استراتيجى ، وابتلاع القدس وتقطيع أوصال الكيان الفلسطينى ، سيتم مبادلتها بمدينة أم الفحم وبعض جوارها ووادى عارة ، وهى ثانى أكبر المدن التى تقطنها غالبية من فلسطيني 1948 داخل الكيان الصهيونى . ويتواصل ذلك مع منهج استراتيجى ينصرف إلى اعتبار من يتبقون بمثابة " مقيمين " يتم سلب جميع حقوقهم المدنية ، وإستلاب ما تبقى لهم من حقوق سياسية تتعلق بحق الترشيح والمشاركة فى انتخابات البرلمان ، ووضع شروط صعبة تنال من كونهم أقلية قومية ، تتواجد على أرضها ، ويتم التخلص منهم بصورة تدريجية ، تحت ذرائع أمنية متعددة ، فى الصدارة منها عدم الولاء للدولة العبرية اليهودية ، أو إبداء أى ملمح من ملامح الفلسطنة ، وتأييد مقاومة الشعب الفلسطينى ، بدعوى مناصرة " جماعات إرهابية " .

وفى المحصلة ، فإن ادعاء العودة إلى " الدويلة " الفلسطينية المسخ المرتقبة والتوطين يعيد إنتاج مأساة اللجوء باستمرار اللاجئ الفلسطينى ، بعيداً عن وطنه ودياره وممتلكاته فى فلسطين 1948 ، حتى لو كانت العودة إلى وطن بديل " فى الضفة الغربية وقطاع غزة ، أو التوطين خارجها . ولكن تبقى حقيقة العلاقة المقدسة والسرمدية التى ارتبط بها الفلسطينيون بأرض فلسطين ومحافظتهم على هويتهم وتطلعاتهم الوطنية والقومية ، وهى كفيلة بإحباط تسويات الإذعان والإملاء ، ورفض التسويات البائسة وأوهام " دويلة " على مساحة لا تتجاوز 9 % من فلسطين التاريخية ، وسيتواصل صراع الوجود والإرادات ، عبر الأجيال والسنوات ، حتى وإن طال السفر !!
[/CELL][/TABLE]

خبير فى الشئون العربية
image

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 479


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Facebook
  • أضف محتوى في twitter
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon


تقييم
2.96/10 (134 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.