|
قراءة فى ديوان صباح الفراشات للشاعر عمر غراب
01-04-2012 09:10 PM
قراءة فى ديوان صباح الفراشات للشاعر عمر غراب
د . هاني السيسي
[TABLE=width:70%;][CELL=filter:;] لنص بوجه عام يجب أن يكون مفعما بالحضورالثقافي باعتبار الثقافة كائنا واعيا وذاتا حية فاعلة تختار وتتصرف , فكل لبنة منه تشي بما هو خارج النص , وتتكئ عليه , ومن ثم فالتواصل بين النص وخارجه موجود بقوة في كل نص أصيل يستدعي سياقا حضاريا ما لكي يحاوره أو يبدل العلاقات بين عناصره أو ينطلق منه
ويبني عليه .
ان اختيار شاعرنا لعنوان الديوان ربما جاء اتكا ء على فكرة الترميز حيث الفراشات هي قصائد الديوان , واذا كانت طبيعة خلق الفراشات قائمة على التنوع والاختلاف , فان قصائد الديوان يجمعها هذا التنوع ويثريها هذا الاختلاف ,بيد أن الحركة غير المنتظمة التي تميز حياة الفراشات وتشي بالحرية تصبح معادلة لحركة القصائد بصورة ايجابية , حركة مكوكية أخذا وعطاء مع الواقع والثقافة .
أما البعد الزماني في هذا العنوان ـ صباح ـ على اطلاقه وتنكيره , فان ايحاءه في هذا العنصرالحيوي يكمن في استشراف آفاق النوراستجابة لخصيصة الجاذبية التي تستقطب الكائنات وتنفذ الى أعماقها فتبدد فيها منعطفات معتمة . وعلى هذا تصبح الحركة بين شقي هذا التركيب الاضافي ـ صباح الفراشات ـ حركة حرة مركزها اللامكان وغايتها النور ببعديه الحسي والمعنوي .
واذا كان لنا من تحفظ على استدعاء الفراشات من حيث هي كائنات رقيقة هشة لا تقوى على فعل مؤثر أو لافت للنظر العابر , الا أنها من جهة أخرى ربما كانت عاملا فاعلا في تجديد الحياة وتواصلها .
واذا كانت لوحة الغلاف تمثل عمقا لعنوان الديوان، فان تداخل الألوان بما فيها من قتامة , واختلاف أشكالها وتعارضها ثم التواء خطوطها وتقاطعها, كل هذا انما يعكس شيئا من اضطراب وتناقض , وألوانا من حزن وأسى ترتد منواقع يصور مأساة الانسان المعاصر في مجتمع قابض على خيوط التخلف من فقر وجهل ومرض,بيد أن اللون الأبيض الذي يشكل دوائر وبؤرات تحيط باللوحة من الداخل ربما كان تجسيدا لخط غير مرئي يمتد من صباح العنوان الى لوحة الغلاف .
ان خطوطا عدة تمتد عبر عناوين القصائد منذ بدايتها وحتى آخر الديوان منها الصوت الذي يبدأ بالصهيل في القصيدة الأولى الى صخب المهرجان في الثانية , ثم الترتيلة والزقزقة , ثم تأتي الزفرة التي تؤدي الى الرصاصة, يتبعها هدوء متمثل في الابتهال , ويتقاطع هذا الخط الصوتي عند نقطة التقاء ما مع خط آخر يشي بالحركة وذلك في موقع صانع الأوسمة , ثم يمتد هذا الخط الى المباغتة الى الاحتواء ثم المداهمة.
وبعد ذلك يتألق اللون الذي يتمطى وينطلق ليلتقي بالخطين الآخرين, فيتوهج في الظهيرة الغائرة , ويصبح مبهرا في الوهج حتى يصل بنا الى سدرة بالعراق , ثم يدعونا الى التأمل في البراق الأسير , ويدهشنا في المداهمة اللونية وينتهي بنا الى اللهيب في محرقة الفرح .
ان تقاطعات هذه الخطوط الوهمية ليست في نقاط محددة , وانما تتعدد وتتشعب لتشمل الديوان كله , فمنها ما هو في بؤرة المقروء ( الديوان) , ؤمنها ما يكون عند الأطراف , ومنها ما نحسه في محاور خاصة غير مقيدة يجري عندها الالتقاء والتواصل بين المقروء وخارج المقروء, فيحدث الكشف والحوار وبناء العلاقات .
ولا يمكننا ونحن بصدد قراءة ديوان (صباح الفراشات) أن نغفل ظلالاخفية للخطوط التي أشرنا اليها آنفا , تتمثل في الحزن والحنين والخشوع والألم والرفض والتمرد والمقاومة والتحدي والتوحد والدهشة ثم الأسى والحسرة .
ان النزوع الى المثالية في تكوين الشاعر عمر غراب النفسي والثقافي ينعكس في شعره فنراه رافضا للواقع متمردا عليه حتى ليصل به هذا الرفض والتمرد الى الانفصال عن هذا الواقع , وهذا كله يعد شكلا من أشكال الحوار مع حضارة المجتمع بكل ما فيها من معطيات ,وربما كان هذا الاغتراب دافعا الى خلق عالم آخر اليه الشاعر ويحتمي به في مواجهة عوامل الاحباط الشديدة التي يغص بها الواقع وهو عالم الشعر .
ففي البداية ينقل اليتا الشاعر معاناة شديدة في قبول معطيات الحداثة المنقولة , فنجد في القصيدة الأولى ثنائية زمانية ـ الليل والفجر ـ عندما يقول : ليلة فجرها ,ويجمع بينهما غموض وقتامة : بؤرة مبهمة , وهذه الاطلالة على العالم مشوبة بالحذر والترقب والخوف من ذلك المجهول الذي تشي به الثنائية في سياقها .
ونجد أن الرفض والانفصال يبددان آمالا كانت تشده الى واقعه حيث يقول : دمرت أنجمي , الا أن تلك النزعة المثالية تأبى عليه أن يتخلى عن وطنه : وطن كلنا عنده , لكن هذا الحب في عالم الشعر والمثل يصبح انفعالا سلبيا لا يقدم نفعا لحركة الجماعة .
ويتكثف هذا الاتجاه عبر البعد الزمني في الديوان حين يقول :
وأن السنين الطوال استدارت ...... يكبل أشواقها الكبرياء
فياأيها الجمر لا تخف عني ........ مروجا تدثرن هذا الضياء
وأين المساءات عاشت تمني ....... عذابي بأن الرحيل ابتداء
فالقيود تكبل أشواق السنين , وثنائية الجمر والضياء , والمساءات بما توحيه من قتامة ويأس يستدعي العذاب ,ثم : الرحيل ابتداء ، ونلحظ استخدام (تمني) بما توحيه من استحالة الوهم , وهذا كله يجسد ويكثف فكرة الاغتراب الرومانسية التي تسيطر على الشاعر .
وعبر البعد الزمني الذي يرتد بالشاعر من الحاضر المرفوض الى الماضي المفقود ربما استشرافا لغد منشود , نجد عنوانا يجمع ثنائية مؤتلفة لكنها تبدو سلبية (حزن ومجد) حيث يقول :
أطلقت للدنيا سراجا غاربا ....... وقفلت منتصرا ودام مضاء
فالسراج غارب ,والانتصار يتراجع , وبهذا ينحصر الفعل في وقفة سلبية تنتهي باستنطاق الماضي (المجد) ,وذلك بأن يسوق تساؤلات تبدأ كلها ب (ماذا تراك) , فماذا تراك حفرت في أيامنا ... وماذا تراك حويت نبض جراحنا ... وماذا تراك لمست من أحلامنا . وتنتهي هذه الوقفة باستسلام بائس لواقع مؤلم يرفضه الشاعر ويغترب عنه , لكنه لا يكف أبدا عن محاورته والاتكاء عليه ثم الانطلاق منه , يقول :
لونت ياوطني شراع سفائني ..... وهواك عمر غائر وفضاء
وفي الترتيلة الأولى يوظف الشاعر جدلية العلاقة بين العقل والقلب باعتبارهما من ثنائيات الحياة المتعارضة التي لا غنى عنها :
وفي هذا السياق يبدو الشاعر منشغلا بهذه الجدلية التي تمثل حالا اغترابية يمس بها شكلا من أشكال الصراع والتناقض الظاهري الذي يدعو الى التأمل والنظر ويجسد حيرة شديدة ألمت بنفس شاعرنا النازعة الى المثالية والباحثة عن الحقيقة .
ومن الوسائل الفنية التي نحسبها عالية القيمة دالة على مهارة وتمكن هي تقنية التوحد مع الآخر وهذا ما قدمه شاعرنا في قصيدته (سدرة بالعراق ) وهنا ينتزع الشاعر اعجابنا بهذا التركيب الذي يضفي شطره الأول (سدرة) هالة من القداسة حول العراق هذا البلد العربي ذي الامتداد الحضاري في عمق التاريخ حيث يقول :
لو ينطق التاريخ أذهل ركعا , بغداد ياطهر الحضارة ,
وبهذا يصبح الشاعر متوحدا مع المواطن العراقي , وكأنه بعد أن أصبح عراقيا يكرس فكرة المقاومة وقدسية الشهادة وذلك باستدعاء رمز التضحية ومقاومة الطغيان (الحسين) الذي عاد مبشرا بشهادة عذراء .
ان التزام الشاعر بالوحدة الايقاعية في قصيدة (سدرة بالعراق) ربما كان من قبيل المعدل الموضوعي لوحدة العراق التي يتمسك بها الانسان العربي على امتداد الساحة . [/CELL][/TABLE]
خدمات المحتوى
| |
|
المقالات وتعليقات القراء تعبر عن رأى
أصحابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الديوان
مشاركة
|
|
|
التعليقات
#1093 [عمر غراب .]
01-05-2012 10:23 PM
دكتور : هانى السيسى .
مساء جميل كروحك أستاذى .....
يشرفنى جدا أن تكتب عن ديوانى الذى يزهو بقلمك الراقى .
كل الشكر و التقدير لشخصك و قامتك الرفيعة سيدى .
|
تقييم
|