أمّاه….فلنذهب إلى الجنـّة


محمد بتش"مسعود"

مرّت أشهر وأزيز الطائرات لا يتوقـّف, لقد عكـّروا الجوّ موتـًا.قال أخي الأصغر…لم يبق في بيتنا حطب يا أمّي,كانت وجنتاه تكسوهما حمرة شاحبة…بقيتْ جذوة واحدة يا صغيري..نتدفـّأ الليلة ويفرجها ربك…أجابته أمّي والطـّين يملأ أصابعها المشققتين منذ سنين.
منذ وفاة والدي عليه رحمات الله لم تطأ قدماي المدرسة,فليس لأمّي وأخي من يهتمّ بهما غيري,كان أخي الأصغر يسأ ل ببراءة…متى يعود والدي؟تقول أمّي…لقد ذهب إلى الجنة ….ليستريح.
كنتُ متعبا, مرهقا,مشتـّتة أفكاري..كيف لنا أن ننام وبراميل الموت تـُقذفُ علينا كلّ لحظة وحين.عنـّفني ربّ عملي هذا اليوم,لقد أشبعني إذلالا وتعنيفا لأني تأخـّرت,كانت أجرتي زهيدة بالكاد تكفي لشراء الرّغيف, التعب هو أجري الكامل,كنـّا نفرغ السّلع ونرتـّبها في محلا ّته يوميا,إنـّه تاجر معروف. عندما كنتُ أعمل ,تعثـّرت قدمي, تبعثرتْ أطرافي,إرتطمتْ علبة الصّحون بالأرض….يارب ّسترك, لقد تكسّرت جميعها,قال ربّ عملي وكلـّه حنق وشدّة…يا كلب ….يعطيك العمى…أنت مطرود…عدْ إلى أمّك وأعجن لها الطين, تبعْتـُهُ إلى مكتبه, اخرج سجلا ّوآلة حاسبة,مدّ يده إلى خزنته وأخرج بعض المال,عدّه,سلمني إيـّاه, كان ناقصا, حين إستفسرته قال…علبة الصحون المكسورة…من يسدّد ثمنها؟ بلعتُ ريقي الجاف, دعوتُ عليه ودعوتُ…وما زلت.
مسكينة هيّ أمّي, لم تتمالك نفسها حين أخبرتها بالأمر,كان دعاؤها الطويل العريض عليه وهي تتفحّص قلل الطين لتتأكد من سلامتها.بعد يومين ستطوف و أخي الأصغرالبلدة المجاورة علـّها تبيع بعضا من القلل.
أزيز الطائرات إزداد حدّة هذا اليوم,كانت البراميل تهوي ودويـّها في الأرجاء مسموع,جاء جاري مسرعا والخوف في عينيه…البلدة المجاورة دكـّها القصف…ياربّ …جفَّ حلقي, تسمّرتُ في مكاني …أمّي وأخي لقد ذهبا اليوم لبيع القلل,كنتُ أبكي كطفل صغير…ياربّ أعدهما سالمين,هرولتُ كالمجنون تائها,في البلدة المجاورة كنتُ أسألُ كلّ من أصادفه عن إمرأة وطفل صغير وقلل طين معهما….لكن لا أحد تذكـّرَ أنّه رءاهما.كانت دعواتي لربّي تزداد وتزداد.
حلّ المساء ,عـُدتُ وما معي سوى عبراتي وخيبات آمالي,…لقد ضاع كلّ شي…تمنـّيتُ لو لحقتُ بأبي وأمّي وأخي..كيف لي أن أنام وليس في البيت سواي؟كانت أطول ليلة في حياتي.قبيل الفجر غفوتُ بعض الشيئ,أيقضتني طرقات على الباب, خرجت ُمرعوبا, لم أصدّق ما رأتهُ عيناي..رحتُ أقبـّلُ أمّي وأعانقها, حملتُ أخي على ظهري ودخلنا,حمدت الله وسجدت شاكرا, غلبتني الدّموع,قالت أمّي..كنـّا في بلدة أخرى..لحسن الحظ ّلم يمسّنا الموت هذه المرّة.
قالت أمّي….مرّ زمن ولم نزُرْ جدّك المريض…سنزوره اليوم إن شاء الله.عند عودتنا كان الدّخان يملأ البلدة….إنـّها البراميل…لقد دكـّها القصف,بقايا المنزل يعلوها دخان مغبر,بين الأنقاض محفظتي وبعض الكراريس وأوراق شجرة السنديـّان,لم يبق لنا شيئ…ليس عندنا طعام ولا شراب…ليس عندنا بيت…ولا وطن…من لنا سواك ياربّ, بكى أخي الصّغير وقال….إشتقت ُلأبي يا أمّي متي سيعود؟ أمّاه فلنذهب إلى الجنـّة حيث نلقى أبي,حملتهُ على ظهري وعدنا أدراجنا إلى بيت جدي وياليت يكون عودنا أحمد.
الجزائر في:05فيفري2016


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *