استفتاء مسعود البارزاني بين التأزيم ومحاولة احتكار السلطة والثروة



1- خطاب قومي مزيف وسياسة اختلاق للأزمات:

لا شك ان حق التقرير المصير، حق مشروع لكل الشعوب والأمم، ولكن عندما تأتي سلطة ذات نزعة قبلية/اثنية، تحول هذا الحق الاستراتيجي الى تكتيك حزبي لمصلحة شخص سلطوي، يصبح نقد ومناقشة هذا الموضوع ضرورة اخلاقية.

فخلال الاشهر الاخيرة توالت الدعوات من قبل رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني مسعود البارزاني، مطالباً فيها كافة الاحزاب والقوى السياسية في اقليم كوردستان العراق، للتحاور حول مصير اقليم كوردستان العراق. بهدف الوصول الى تفاهم مشترك، فيما يتعلق بمسألة اجراء الاستفتاء حول مصير اقليم كوردستان العراق. ومن خلال الاصرار على إثارة مسألة الاستفتاء حول مصير الاقليم، يحاول الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ان يظهر ان مسألة الاستفتاء هي الاولوية القصوى في الوقت الراهن بالنسبة للإقليم. ولكن هل يمكن ان تكون للاستفتاء تلك الاهمية الملحة والاولوية على بقية القضايا الخانقة التي يعاني منها الاقليم على كافة الاصعدة؟ الى أي مدى يمكن النظر الى الاستفتاء كأهمية وكأولوية لمواطني اقليم كوردستان؟ ومن ثم مدى مصداقية وجدية الخطاب الذي يطالب بالاستفتاء بالنسبة لرؤيته ودوره في معالجة معظم القضايا العالقة والمتأزمة في الاقليم؟

في هذا المقال نحاول تحليل وتفكيك الخطاب القومي الكوردي الانفصالي في الوقت الراهن، الذي يعتبر الحزب الديمقراطي الكوردستاني المتبني والمروج والداعم له، ويذهب المقال الى عد هذا الخطاب (خطاب المظلومية والتأزيم والتصعيد السياسي) مجرد نهج سياسي تتبناه غالبا القوى السياسية ذات الميول السلطوية كتكتيك من اجل التهرب من الواقع، فبدل ايجاد الحلول للازمات الموجودة، تحاول هذه القوى خلق المزيد من الازمات، بهدف إلهاء العامة من الشعب عن القضايا الملحة.

ان تكتيك خلق وتصدير الآرمات يعد اسلوبا شائعا لدى الانظمة الدكتاتورية والقوى السلطوية، ويتمظهر هذا التكتيك في إقليم كوردستان العراق في ثنايا الخطاب الانفصالي الشعبوي، من خلال تمييع القضايا والمشاكل والتهرب من المسؤوليات، وإتهام الآخرين بالمسؤولية عن كافة المشاكل. من ناحية اخرى يحاول هذا الخطاب بغية الهروب من الواقع وابعاد انظار الاخرين عن حقيقية المشاكل الحالية والملحة، إثارة قضايا أكبر وأكثر تعقيدا واقل قابلية للحل في المدى المنظور، مثل قضية الدولة القومية، حيث يحاول الهاء الناس بان مصدر وسبب كافة المشاكل والأزمات ينبثق من غياب الدولة القومية الكوردية.

كما يفترض هذا الخطاب ان كوردستان كانت وحدة سياسية، ثقافية وجغرافية موحدة، تم احتلالها وتقسيمها بين دول المنطقة. وبالتالي يكمن الحل الجذري لكل المشاكل المتراكمة بإعلان الدولة القومية الكوردية. ان الهدف من وراء هذا التبسيط وتسطيح القضية الكوردية وقضايا المواطنين في اقليم كوردستان، هي البقاء مدة اطول في الحكم بذرائع تاريخية واسطورية، والقضاء على الحياة المدنية والديمقراطية في الاقليم. سواء من خلال فرض قيود على الحياة السياسية ورفض الشرعية الديمقراطية او اجراء انتخابات رئاسية والعمل على تمديد حكم الفرد لأجل غير معلوم، وفي المقابل اللجوء الى اسلوب التصعيد والتأزيم مع القوى السياسية الكوردية في الإقليم والعربية في العراق. ويبدو ان هذه السياسات السلطوية التصعيدية تملك القدرة على ان تفعل فعلها بنجاح في العراق.

ان القيادة القومية/القبلية الكوردية التي تدعي تمثيلها للحركة القومية الكوردية، لا ولم تتوانى عن اتهام الآخرين في تسببهم بمعاناة الكورد عبر التاريخ، كما تلعب على مشاعر المظلومية وشيطنة الاخرين، ولكن بالمقابل لا تُحمل نفسها أي قدر من المسؤولية تجاه الأحداث والمآسي التي عاناها الكورد ولا يزالون يعانونها مع بقية العراقيين. لا يمكن إنكار معاناة الكورد التي كانت ولا تزال على أيدي قوى سياسية فاشية متطرفة ومتعصبة قومية كانت ام طائفية/دينية. ولكن في المقابل لا يمكن ان نغض النظر عن مشاركة قوى سياسية كوردية ايضا في هذه الجرائم عن طريق سياساتها الخاطئة.

فعلى سبيل المثال ما حصل لليزيدين منذ النصف الثاني من عام 2014 على ايدي مسحلي الدولة الاسلامية في العراق والشام/داعش، كانت نتيجة السياسات الأمنية الخاطئة والمشكوك فيها من قبل الحزب الديمقراطي الكوردستاني في المنطقة. مثال اخر في هذا السياق يتمثل في الحرب الأهلية في التسعينيات من القرن الماضي بين الحزبين البارزين في الإقليم، التي ادت الى تعطيل الحياة السياسية وتمزيق النسيج السياسي والاجتماعي، ناهيك عن الأضرار المادية والاقتصادية والسياسية والإنسانية. فبعد إنهاء هذا الحرب وفي خضم الاجتماعات بين قيادتي الحرب من الحزبين أعلن كل من طرفي الحرب تبرأهم من المسؤولية.

يدعي القادة الكورد أن الكورد في العراق أمة بلا دولة، لأن (وفق ادعاءات مبنية على فرضيات أيديولوجية غير واقعية) كوردستان محتلة ومقسمة بين عدة دول إقليمية. كما ولو ان كوردستان كانت دولة ذات كيان سياسي، جغرافي، ثقافي قائمة وموحدة قبل تشكيل تلك الدول الإقليمية؟ ويرى هؤلاء القادة ان الحل يكون بتأسيس دولة قومية كوردية مستقلة بالتدريج. فعلى سبيل المثال في العراق، تطورت الحركة القومية الكوردية وتطورت اهدافها وسقف مطالبها تدريجيا، من المطالبة بالحقوق الثقافية مرورا بالحقوق السياسية والحكم الذاتي والفيدرالية الى حق تقرير المصير والانفصال.  وحسب دعاة الاستقلال فان الدولة الكوردية هي الكفيلة بمعالجة كافة مشاكل وقضايا الكورد في الوقت الحاضر والتعويض عن معاناتهم ومآسيهم في الماضي.

ولكن إذا أمعنا النظر في افتراضات هذا الخطاب بعقل نقدي وجريء، يتبين لنا ان الكثير من هذه الادعاءات ليست صحيحة تاريخيا ومنطقياً. فاذا كان الكورد بلا دولة، او لم يشعروا بأن العراق يحتويهم او يمثلهم، فأنهم ليسوا الوحيدين في هذا الشعور، بل يشاركهم الآخرون (غير الكورد من المكونات العراقية) هم ايضا عانوا ما عاناه الكورد من إخطاء وجرائم تلك الدولة المثقلة بالأزمات والمشاكل منذ لحظة تأسيسها الى حد وقتنا الحاضر. ان الدولة العراقية لم تكن يوما لأي مكون من مكونات العراق، مثلما هو الحال مع حكومة اقليم كوردستان التي كانت ومازالت محتكرة من قبل نخبة متسلطة من قياديي الكورد، فليست حكومة اقليم كوردستان تمثل الشعب الكوردي، ولا تعبر عن ارادتها ورغباتها، وهكذا حكومات العراق المتتالية لا تمثل سوى النخبة المتسلطة في الحكم.

إن المشكلة الرئيسية للدولة العراقية ليست في انها لم تكن تمثل الكورد وانما ايضا لم تكن تمثل الاخرين ايضا بصورة صحيحة، فهي لم تكن يوما دولة مواطنة، او دولة مدنية/ديمقراطية. كانت دولة نخبة او مجموعة سياسية تحتكر السلطة وكل مُقدرات وثروات البلد باسم القومية او الطائفة. اما الدولة الكوردية المزمع إعلانها من قبل جانب أطراف تتبنى افتراضات ايديولوجية مزيفة وادعاءات إيديولوجية قبلية/قومية، فلن تكون دولة مواطنة ولا حقوق، ولن تكون أكثر مدنية او ديمقراطية مما كانت عليها الدولة العراقية عبر القرن الماضي. فالتجربة الفاشلة لهذه النخبة الكوردية في حكم الاقليم لأكثر من 25 عاما، تثبت مدى جدارتها في بناء دولة؟! فأي مستقبل يمكن ان ينتظر هذا الاقليم، غير تكرار التجربة الفاشلة ذاتها! ان مآسي الكورد في العراق ليست فقط ناتجة عن ظلم الآخرين لهم، بل جزء كبير منها نتاج ظلم وفساد القيادات الكوردية نفسها ضد ابناء جلدتهم. لذلك لا يمكن الانفصال الكامل عن الآخرين وبناء دولة قومية مطهرة من الأقوام والاثنيات الاخرى، وحتى إذا تم ذلك فالنتيجة الحتمية لذلك هي المزيد من المآسي والمعاناة، والمزيد من السياسات الخاطئة والسلطوية والتهميش للأخرين وتقويض إرادة ورغبات المواطنين واحتياجاتهم في العيش الكريم.

2 -الكورد بين الدولة واللادولة:

يعتقد الكثير من الكورد بأن الكورد امة بلا دولة، هل هذا صحيح؟ كلا، فالكورد لم يعيشوا في حالة اللادولة بشكل مطلق، بل كانوا غالبا جزء من الدولة. قد لا تكون تلك الدول دول ديمقراطية ومؤسساتية وممثلة للكل بشكل صحيح، لكنها كانت دولة بالمعنى الحديث وكان الكورد ضمن هذه الدول. فعلى سبيل المثال الكورد في العراق الحديِث شاركوا الاخرين في بناء وتطوير الدولة العراقية، مثلما ساهموا ايضا في اخفاق وافشال الدولة (حسب ثقلهم السياسي). فشل واخفاق الدولة العراقية كان بالدرجة الاولى نتاج فشل النخب والقوى السياسية قبلية/طائفية/قومية/عرقية، التي كانت تفتقد لسياسات واستراتيجيات عملية ومنتجة.

بناء على ذلك يمكن القول ان القوى السياسية القومية/الطائفية العربية والكوردية كانت وراء فشل واخفاق الدولة العراقية في أن تكون دولة مدنية وحاضنة وممثلة لكل مكوناتها. فاذن كانت مساهمة الكورد، ليست فقط في بناء تلك الدولة، وانما ايضا في اعاقتها وفشلها، وذلك حسب ثقلهم السكاني والسياسي.

يبدو ان العقلية السياسية للقادة الكورد تتحكم فيها نفس عناصر التأثير والدوافع والرؤية وكيفية النظر الى مركز الحكم في بغداد. فأصبحت اللعبة مكشوفة لكل متتبع للعلاقة السياسية بين القادة الكورد والحكومات المتتالية في بغداد. حيثما فشل/أخفق الساسة الكورد في تحقيق اهدافهم وطموحاتهم ومصالحهم الحزبية والسياسية الضيقة في بغداد، عادوا الى كوردستان ولعبوا من جديد على اوتار المظلومية القومية ولجئوا الى استخدام ورقة “حق تقرير المصير القومي”. فالشعارات القومية والخطاب القومي الكوردي اصبحت رهان سياسي بيد هؤلاء القادة يستخدم لأغراض ومصالح شخصية وحزبية ضيقة، او بالأحرى أصبح القادة الكورد تجار السياسة يتلاعبون بها كيفما شاءت المنافع الشخصية والحزبية. منذ سنوات والقادة الكورد يلعبون بمشاعر المواطنين الكورد ويحاولون الضغط على القوى العراقية من اجل الحصول على امتيازات شخصية، فئوية وحزبية ضيقة. فرغم التذمر المستمر الا انهم لا يزالون يحتفظون بكل المراكز السياسية في بغداد منذ عام 2003.

من اجل الخروج من هذه الدوامة والمتاهة التي تستنفذ كل طاقات وقوى المواطنين والقوى المدنية في سبيل تحقيق نظام ديمقراطي مؤسساتي يحترم فيها حقوق الانسان. على الكورد ان يدركوا بانه إذا لم يستطيعوا الحصول على حقوقهم المدنية، وإذا لم يقدروا على التعايش مع بعضهم ومع الآخرين في إطار الدولة العراقية، فانهم سوف لن يقدروا ان يحققوا كل ذلك ايضا في إطار دولة قومية كوردية مستقلة. ان العقلية السياسية للقوى الكوردية التي قادت الكورد طيلة العقود الماضية في العراق، هي عقلية عاجزة عن تحقيق ابعد مما هو قائم الان. ان النخب السياسية الكوردية المتحكمة والمحتكرة لمصادر السلطات والثروات في الإقليم، برهنت على انها لا تقدر على التعايش وقبول الآخر كمشارك سياسي، مهما كانت هوية هذا الاخر حتى لو كان من قوميتها ودينها ومذهبها، فهناك جمود سياسي على مستوى النخب في كوردستان، فالمركز السياسي الاساس في الاقليم يشغله حزب ومن ثم شخص واحد منتهي صلاحيته كرئيس للإقليم.

رغم وجود الإطار والهيكل القانوني والسياسي للإقليم، الا ان الواقع الاداري والسياسي في الاقليم مختلف بشكل كبير. حيث يوجد قوتين نافذتين في الإقليم، ومنطقتين/إدارتين للحكم لكل منهما، اما القوى الاخرى فإنها تعد مجرد أطراف وتوابع سياسية لهذا الطرف/الادارة او ذاك. حيث ان وجود هذه القوى او عدمه لا يعني شيئا بالنسبة للقوتين الرئيسيتين سوى استخدامهم كديكور سياسي لإضفاء الشرعية على سلطتهم وحكمهم الانفرادي القائم منذ بداية التسعينات من القرن المنصرم.

إذا كان الواقع يقول ان التعايش بين القوى السياسية الكوردية غير ممكن في الإقليم، ما الذي يمكن ان يضيفه الاستفتاء والانفصال عن العراق على الحياة السياسة في الاقليم؟ فالصراعات القائمة على اسس تاريخية ومناطقية وشخصية في الإقليم وجمود النخبة السياسية، بالإضافة الى الفشل السياسي والتقسيم الاداري والاقتصادي، كل ذلك لا يمكن ارجاعه الى غياب الدولة الكوردية المستقلة، كما لا يمكن ان يقدم الاستقلال حلا لمثل هذه المشاكل العويصة والمتجذرة في الواقع السياسي والاجتماعي للإقليم. ان الفرصة لتحقيق تقدم نحو الديمقراطية في الاقليم لا تزال ممكنة في إطار النظام الفيدرالي في العراق، ما زالت الفرصة مؤاتيه لتقديم نموذج حكم راشد وناجح من دون تأجيج التقسيم وتصدير الاتهامات الى الاخرين وخلق الازمات والتسبب بالمشاكل والمزيد من الفشل. ان حالة الفشل السياسي والإداري في الاقليم، تعد دليلا جليا على امكانية الفشل لأي كيان كوردي منتظر انفصاله عن العراق. فقد يزداد الوضع سوء في حالة الانفصال إذا قيمنا ذلك بناء على العقليات الموجودة التي تقود الادارة الحالية في الإقليم.

أزعم ان الكورد إذا لم يستطيعوا تحقيق السيادة والاستقلال القوميين والحفاظ على هويتهم القومية والثقافية في إطار النظام الفيدرالي في العراق (رغم كل المثالب)، فأنه من المستحيل ان يقدروا على تحقيق ذلك من خلال انفصالهم عن العراق في ظل الأزمات الداخلية والاستقطابات الإقليمية القائمة. على افتراض استقلال الكورد، فان هذه الدولة او الدويلة الكوردية سوف تصبح لقمة سائغة للدول الإقليمية، قد توظف هذه الاستقلالية المهزوزة من اجل فرض المزيد من الاملاءات الاقليمية والدولية على هذا الكيان، وبالتالي قد تكون وظيفة اجهزة هذه الدولة سحق المطالب الشعبية للمواطنين والقوى المدنية الطامحة بالمزيد من الحريات والديمقراطية، وقد تكون دويلة لنخبة عميلة تعمل لصالح دول الجوار او جهات دولية اخرى.

ان ادعاءات وسياسات الحكومة الكوردية بالاستقلال الاقتصادي والنفطي ادت الى الإفلاس الاقتصادي وتدمير اقتصاد الاقليم، وبالطريقة ذاتها فان ادعاءات الاستقلال القومي والسياسي عن بغداد سوف تؤدي الى كارثة سياسية على سكان الاقليم، وسوف تؤدي الى تعميق التقاسم السياسي والاداري بين إدارتي اربيل والسليمانية. كل المعطيات والدلائل تتوافق مع الفرضية التي تقول ان امكانية تحقيق الازدهار الاقتصادي مع الحفاظ على نسبة من الاستقلال السياسي والقومي في إطار النظام الفدرالي في العراق، قابلة للتحقق أكثر مما لو كان الاقليم منفصلا ومستقلا عن العراق. إن الانفصال المثقل بالأزمات والصراعات الداخلية والإقليمية لن تنتج دولة كوردية ذات سيادة قومية مستقلة وقومية، وانما تنتج دويلة او إمارة نفطية ضعيفة مسلوبة الارادة والسيادة، تدور في فلك مصالح القوى الإقليمية، مع انقسام داخلي للنخب تعمل لهذه الجهات بالوكالة، او بالأحرى يصبح الاقليم ساحة صراعات وتصفية حسابات للقوى الاقليمية وعملائها الذين يديرون هذه الصراعات بالوكالة.

من المستحسن للمواطنين والقوى السياسية في الوقت الراهن ان يعملوا على بناء نظام سياسي فعال وحكومة راشدة ومدنية ديمقراطية بدل تأجيج الحساسيات القومية والطائفية وتحريك ملفات حساسة وملتهبة غير قادرين على التعامل مع عواقبها الوخيمة على الكورد وربما على الاخرين. من الحكمة ان تكون الأولوية هي الاصلاح السياسي والاداري والاقتصادي والمصالحة الوطنية، بدل اثارة القضايا التي تزيد من الانقسامات والشروخ بين المواطنين. لا يمكن ان تعوض الفشل في الحكم والاصلاح في الاقليم، بالاستقلال والانفصال عن العراق! فقد يؤول هذا الخيار بالعراق وبالإقليم ايضا الى الدخول في صراعات دموية وخسائر كبيرة في الارواح، دون جدوى بدون تحقيق اي من المطالب الشعبية التي يطمح اليها المواطن العادي، لا بل قد تمنح النخبة الفاسدة الموجودة حاليا مزيدا من الفرصة والوقت كي يحافظوا على مراكزهم ومناصبهم لمدة اطول. بناء على ذلك نعتقد بأن الدعوة الى اجراء الاستفتاء لتقرير المصير القومي والانفصال عن العراق، هي خيار خاطئ وخطير، وهي محاولة للتغطية على الإخفاقات السياسية والادارية، واعطاء المزيد من الوقت للحكام المتسلطين كي يستحكموا أكثر بالسلطة وبمقدرات الاقليم وينهبوا ثرواتها.

3- الغاء العملية الديمقراطية والتداول السلمي للسلطات تحت ذرائع تحقيق الأهداف القومية العليا:

عندما يدعي مسعود البارزاني بأن إجراء الاستفتاء من اجل تحقيق حق التقرير المصير للإقليم هدف سامي، فان هذه الادعاء يثير الكثير من الاسئلة، منها ان هذه الفكرة غير صحيحة حتى وان كان هذا الشخص صادقا ومخلصا في ادعائه هذا! -وهذا ايضا امر مشكوك فيه-ان الهدف السامي للإقليم وللعراق ككل في هذه المرحلة هو حماية النظام السياسي العراقي الجديد من الانحراف والنكوص، والانتقال به الى حالة اللا استقرار الى الاستقرار. ان المساهمة الحقيقية في تحقيق المنفعة او المصلحة العليا للعراق وللإقليم تتم عبر العمل على إرساء نظام سياسي مستقر وحكم رشيد ينتقل بالبلد الى تحقيق التنمية السياسية والاقتصادية المستدامة وتحقيق الأمن والسلم في كافة انحاء العراق. مما لا شك فيه ان التجربة السياسية للعراق ما بعد 2003 بحاجة الى تقييم ومراجعة وتصحيح العملية السياسية التي تتدحرج بسبب غياب النخبة الوطنية والتدخل الاقليمي السافر في شؤون العراق. حيث هناك الكثير من التعثرات والاخطاء والفشل الامني والسياسي والاقتصادي، وهذه التحديات والتعقيدات الكثيرة بحاجة الى درجة عالية من المسؤولية والروح الوطنية من اجل محاولة ايجاد الحلول الجادة والعقلانية لمشاكل البلد، وليس عبر التهرب من المسؤولية والقاء اللوم على الاخرين. ان الانتهازية السياسية التي يتبعها البارزاني عبر عدم تحمل المسؤولية التاريخية والوطنية في المشاركة والعمل بشكل جدي في تصويب العملية السياسية في العراق، هي جزء من المشكلة وخصوصا عندما تتحول القضية القومية الكوردية الى ورقة سياسية رخيصة يتلاعب بها القادة الكورد من اجل الحصول على منافع شخصية وحزبية. ان توظيف ورقة القومية والطائفية وإثارة مشاعر الاحتقان القومي الغاية منها تعميق الشرخ الاجتماعي بين مكونات الشعب العراقي، وفرض بديل واحد على كل العراقيين الا وهو إطاعة الحكام الحاليين وتسليمهم زمام الامور الى اشعار اخر، وكل ذلك من اجل التشبث بالسلطة لأطول فترة ممكنة.

ان التجربة السياسية في اقليم كوردستان مفعمة بالمرارة والمعاناة والدم، نتيجة لاحتكار السلطة عن طريق العنف والاقتتال الداخلي. فهذان الحزبان تمتد سلطتهما تاريخيا الى مرحلة ما قبل عام 1991 (حيث كان كل منهما يتمتع بالسلطة الفعلية في الارياف والقرى الكوردية)، ولكنهما بعد عام 1991 أصبحا يتحكمان بالمدن وبالقرى وبجزء كبير من اقليم كوردستان. ان التجربة السياسية لهذين الحزبين في الاقليم تزيد على ربع قرن من الزمان! وهذه التجربة بحاجة الى نقد وتقييم موضوعي، وليست بحاجة الى الاطراءات الحزبية المبتذلة والتشدق الحزبي بإنجازات وهمية غير موجودة على ارض الواقع. ان نقاط الفشل لهذه السلطة الحزبية عديدة كاحتكارها للمجال العام، والهيمنة على الحياة السياسية وتقويض واحتكار الاقتصاد ومحاولة ترهيب الفكر الحر وازدراء كل ما يمت الى الثقافة والاصالة بصلة ما لم تكن في خدمة سياسة الحزب ورئيس الحزب. فالنخب الحاكمة في الاقليم تواطؤا على نهب البلد وسلبها خلال العقود الماضية، فأصبحت حالات الاحتيال، ونهب الثروة العامة وانتهاك الحقوق والحريات العامة وحياة المواطنين… حالة سائدة في الاقليم.

بعبارة اخرى يمكن القول من اجل إنهاء او على الاقل تجاوز هذه الحقبة الدموية والفاشلة من تجربة الاقليم، أنه قد آن الاوان لتقييم تجربة حكم حزب البارزاني وحليفه (حزب طالباني وحلفائه). فالوقت قد حان لإرساء اسس مرحلة جديدة تتميز بالتداول السلمي للسلطة وإقامة المؤسسات الوطنية القوية والقادرة على تقويض البناء الحزبي للحياة العامة. وهذا الامر قبل كل شيء يحتاج لحل القضايا والملفات السياسية والدستورية العالقة والمعرقلة للتحول الديمقراطي في الاقليم، حيث ان اغلب هذه الملفات تعتبر مفبركة ومصطنعة عمدا من قبل سياسيي الإقليم؛ من اجل تقويض الديمقراطية وتدعيم النظام الدكتاتوري والسلطوي. وفي مقدمة هذه الملفات ملف رئاسة الإقليم وتعليق البرلمان وما نتج عن ذلك من فراغ قانوني وجمود للحياة السياسية. هناك ايضا الملف الاقتصادي والفساد والتعتيم على الميزانية وخصوصا فيما يتعلق بقضية صادرات النفط والغاز.

ان العائق الرئيسي امام هذا الاصلاح والتحول نحو الديمقراطية هو مسعود البارزاني، فمن خلال تعطيل الحياة السياسية والتجاوز على القوانين والفراغ القانوني وخلقه للازمات المتوالية واحدة تلوى الاخرى يحاول خلط الاوراق والانحراف بالمسار السياسي نحو الانسداد وبالتالي فرض هيمنته بالقوة على المواطنين في الاقليم. ما يبتغيه وما يريده البارزاني هو ضمان بقائه وبقاء ابنائه وابناء قبيلته الأبدي في السلطة والتحكم بالناس، وكل ذلك غير ممكن قطعا في ظل حكم سياسي راشد وديمقراطي، لذلك تعتبر الديمقراطية عائقا امام تطلعاته السلطوية ورغبته في توريث الحكم. كل سياسات البارزاني تتركز على ضرب الحياة الديمقراطية والسياسية من جهة، واختلاق الازمات والقضايا البديلة التي ليست لها اية جدوى ومصلحة للإقليم سوى تفاقم الازمات والمشاكل من جهة أخرى. فهو لا يتوانى عن تأجيج المشاعر القومية والعرقية بآليات قبلية حزبية عقيمة بات المواطنون في الاقليم لا يهتمون لإمرها، كونها اصبحت لعبة مكشوفة ومعروفة سلفا. ان ما يدعى التيار القومي الكوردي يحاول تكرار نفس سيناريوهات الماضي للحركة القومية العربية التي فضلت القومية على الديمقراطية بذريعة تحقيق الوحدة القومية العربية والانتصار على الاستعمار والصهيونية العالمية. ان غاية هذه العقلية ومستقبلها واضحة ومعروفة الى اين يرنو، وما سوف تنتج عنها في المستقبل المنظور. فالقيادة السياسة الكوردية بزعامة البارزاني تحاول إعادة تجربة ما هو اصلا مجرب ومعروف سلفا غايته عند شعوب المنطقة.

اما بالنسبة لمشاركة ودور الكورد في العراق ما بعد حكم صدام حسين، فقد شارك الكورد (حسب ثقلهم السياسي) بعرقلة إعادة بناء العراق وإلحاق الفشل بالعملية السياسية، فالمشاركة الكوردية لم تكن ايجابية كما تريد الاحزاب الكوردية الترويج لها. بادئ ذي بدء يجب الإقرار بالدور السلبي للأحزاب الكوردية، فقد كان لهذه الاحزاب نسبة كبيرة من المناصب والمراكز السياسية والسيادية في عراق ما بعد 2003. فقد انفرد الكورد بحكم الإقليم واحتكار كافة المراكز السياسية والإدارية، ومن جهة اخرى اخذوا حصتهم من المناصب والمراكز السياسية في الحكومة والمؤسسات الاتحادية العراقية. إذا كان هناك اي تقييم لفشل تجربة الحكم في العراق، فان للكورد حصتهم من هذا الفشل! فلا يمكن التهرب من المسؤولية فيما حل بالعراق من الكوارث والمآسي.

ان الخطاب القبلي/ القومي الكوردي لا زال يعيش في حالة إنكار للواقع ويرى في نفسه الضحية والمهمش وغير المسؤول عن الإخفاقات السياسية والحكومية في عراق ما بعد 2003. ان غياب القدرة على التعايش السلمي والمشاركة السياسية في الحكم بين القوى السياسية ليست سمة يتسم بها غير الكورد في تعاملهم مع الكورد، بل هي سمة من سمات القوى السياسية الكوردية ايضا التي تتسم بنزعة الانفراد بالسلطة والاحادية المطلقة. إذا كان غياب التفاهم بين الكورد والاخرين من القوى السياسية العراقية (خاصة فيما بعد 2010)، وتفاقم الازمات والنزاعات على السلطة والثروة بين القيادات الكوردية والشيعية ادت الى فشل العملية السياسية، فان الكورد يتحملون جزءاً من مسؤولية الفشل والاخفاق السياسي والأمني في العراق.

ان احدى وسائل خلط الاوراق من اجل تمييع المسؤولية عن الفشل، هو بإبعاد انظار المواطنين عن المشكلة الرئيسية واختلاق مشاكل ثانوية او مفبركة. من هذه المنظور يمكن القول ان الهدف من التأجيج القبلي/القومي الذي يتزعمه الحزب الديمقراطي الكوردستاني بقيادة البارزاني هو تعميق الهوة وتصعيد الصراعات بين القوى الكوردستانية والعراقية وإشغال المواطنين والجهات السياسية بمشاكل اخرى غير مشكلة الديمقراطية بغية البقاء في السلطة. وتتجلى حالة التأزيم على عدة اصعدة في الإقليم وفي العراق. فعلى صعيد الإقليم، تتجلى من خلال ممارسة تكتيك غير استراتيجي وغير متزن وغير مدروس، يسعى البارزاني من ورائه الى إحراج القوى الكوردستانية ومن ثم اتهامهم سلفا بكونهم السبب وراء اي اخفاق او فشل قد يلاقيه ذلك المشروع!! ومن جهة اخرى يحاول البارزاني من خلال الترويج لهذا المشروع تعطيل الدمقرطة وتسليم السلطة لغيره (رئيس الاقليم المنتهي ولايته) بذريعة إعطاء الأولوية للاستفتاء والاهداف القومية العليا!!.

وعلى الصعيد العراقي فأن ذلك التكتيك أنتج أزمات متزايدة للعراقيين تستفيد منها النخبة الحاكمة الفاسدة في بغداد ايضا، حيث يمكن ان توظف هذه المسألة لإحداث اعمال عنف دموية لا تحمد عقباها، ولا تعود بالمصلحة للعراقيين، فقط السياسيون يحصدون ثمار مثل هذه الازمات. أن مشروع الاستفتاء على تقرير المصير والانفصال عن العراق، هو مشروع بديل لمشكلة الإرهاب والحرب ضد داعش، أي بمعنى انه مشروع بديل لإدامة الصراعات والأزمات في العراق لمرحلة ما بعد داعش المرتقبة. يبدو ان مسعود البارزاني يخطط لما سوف يأتي بعد داعش، فهو يفكر ببقائه في السلطة وضمان ذلك في مرحلة ما بعد داعش.

ان المشكلة الأساسية في الاقليم وفي العراق بشكل عام، لا تكمن فقط في السياسات المؤذية لحزب البارزاني، وإنما ايضا في غياب مشروع سياسي عقلاني مدني يخدم الإقليم والعراق، بحيث يكون بديلا عن سياسات التأزيم والتصعيد التي ينتهجها البارزاني وحزبه. ففي الاقليم تفتقد القوى السياسية الكوردستانية الاخرى الى الاستراتيجية والقدرة على المبادرة من اجل ايجاد حلول جذرية لمشاكل الإقليم الداخلية وفي علاقتها مع بغداد. اما على المستوى العراقي فالحالة لا يحسد عليها، حيث ان النخبة الحاكمة في بغداد غارقة في الفساد وفي صراعات طائفية وحزبية، تفتقد ايضا الى ايجاد الحلول وطرح المبادرة لحل الأزمة مع الإقليم، حيث تكتفي بإجراء سياسات انتقامية ضد القوى الكوردية وبالتالي تعود بالأذى على حياة المواطنين الاقتصادية في الإقليم. وهذه السياسات الخاطئة تغذي المشروع التصعيدي/المؤجج للحقد العرقي والطائفي بين مكونات الشعب العراقي. حيث تستخدم الحكومة العراقية مطالب المواطنين واحتياجاتهم في الإقليم كعامل ضغط على الحكام في الإقليم، مثلما كان يتعامل المجتمع الدولي في حقبة التسعينيات من القرن الماضي مع احتياجات الشعب العراقي كوسيلة لاضعاف نظام صدام حسين من خلال الحصار الاقتصادي. ان سياسة المعاقبة الجماعية ضد المواطنين التي تستخدم في الصراع السياسي بين القوى السياسية في العراق، هي سياسة تخدم السياسيين وتؤذي المواطنين. حيث إن قطع رواتب مواطني الإقليم تخدم وتغذي الخطاب الانفصالي الكوردي الذي يدعو اليه حزب البارزاني، فمواطنو الاقليم تأذوا من هذه السياسات التصعيدية بين الاقليم وبغداد.

ان بيان مسعود البارزاني بمناسبة عيد الفطر ودعوته الى المضي قدما لإجراء الاستفتاء، عبارة عن حلقة اخرى من حلقات التصعيد والتأزيم والاستفزازات في سلسلة بيانات وتصريحات ودعوات من الناحية الظاهرية تهدف الى بناء دولة كوردية مستقلة، ولكنها في المضمون لا تهدف الا الى إثارة مشاعر الكراهية والحقد القومي بين العراقيين. غاية هذه التصريحات اجهاض الديمقراطية وإثارة القلاقل وتنمية هاجس الخوف والحس الامني، وبالتالي توظيف الامن والخوف من اجل القضاء على الديمقراطية. من البديهي ان يكون لكل شعب او امة اصدقاء وفرقاء، وليس هناك شعب يعيش بدون تحديات داخلية وخارجية. اما مهمة النخب ووظيفتهم فتكمن في إيجاد الحلول المناسبة لتلك التحديات او إدارة الأزمات بطريقة تساعد على تقليل عواقبها على الوطن وعلى المواطنين. ولكن ما يحصل في الاقليم هو ان النخبة السياسية هي التي تخلق الأزمات وتعمق الصراعات من اجل البقاء لأغراض غير وطنية وغير موجهة لمصلحة المواطنين، وانما هدفها التأسيس للسلطوية وضمان الاستمرارية في نهب الثروات العامة واستغلال المواطنين.

في مرحلة ما بعد عام 2003 كان لمواطني إقليم كوردستان امل كبير بازدهار سياسي واقتصادي وتحقيق التنمية السياسية والاقتصادية، وخاصة بعد تحقيق بعض من طموحاتهم الدستورية ومشاركتهم الفعلية والنسبية في إدارة الدولة العراقية الجديدة، وحصولهم على حكومة محلية ضمن الدولة العراقية الفيدرالية. تطور الحياة السياسية في الاقليم باتجاه نقد سياسات الحزبين الحاكمين للإقليم، بعد ان شعر الناس بنوع من الاستقرار والاطمئنان بشكل نسبي، جعل مطالب الناس تتزايد ويرتفع سقفها نحو المطالبة بالإصلاحات السياسية في الإقليم. وكان لبروز حركة التغيير في 2009 دور مهم في نقل مستوى المطالب بالإصلاحات من الشارع الى البرلمان والى الساحة السياسية. وقد اشار مؤسس الحركة في محاججة لتبرير الدوافع وراء تأسيس حركة التغيير قائلا: بأننا نحن الكورد في الاقليم وصلنا الى بر الأمان في العراق، ولا يوجد بعد مخاطر كبيرة على الكورد تهدد مصيرهم في العراق، لذلك نحن نحتاج الى التفرغ والتوجه نحو اصلاحات داخلية. كان الرد من الحزبين الحاكمين هو إن الكورد لا يزالون مهددين من الخارج، وان مثل هذه المطالب او التحركات الداخلية المطالبة بالاصطلاحات في الإقليم تدفعها جهات مغرضة تخريبية تتآمر ضد مصلحة المواطنين للنيل من المكتسبات القومية للكورد. بدأ الحزبان وبالأخص حزب البارزاني بالتصعيد مع بغداد، ووصل التصعيد الى مستوى اعلى فيما بعد احتجاجات شباط 2011، وذلك كتكتيك ووسيلة سياسية لكبح جماح المطالب بالإصلاح السياسي والاداري في الإقليم. ويلاحظ انه مع ازدياد المطالب الداخلية بالإصلاح في الإقليم-وايضا على مستوى العراق الحالة تكررت-تتصاعد وتيرة الصراع بين الإقليم والحكومة الاتحادية. فقد تم تصوير الحكام في بغداد من قبل سياسي الإقليم (والعكس كان دائما صحيحا، تصوير حكام الإقليم من قبل حكام بغداد كخطر وتهديد للأمن الوطني العراقي) بأنهم خطر وتهديد لأمن الاقليم.

هذه السياسات الاستفزازية وصلت بالأمور الى القيام بتحشدات عسكرية بين الطرفين في المناطق المتنازعة عليها (ازمة قيادة قوات دجلة بقيادة عبد الأمير الزيدي في مناطق كركوك وخانقين مثلا)، ولكن ظهور داعش اجل هذا الصدام بين الكورد والشيعة في العراق الى اجل اخر غير مسمى. ان هذا الصراع المرتقب مهيئ للعودة الى السطح من جديد في مرحلة ما بعد داعش، تغذيه السياسات التصعيدية للحزب الديمقراطي الكوردستاني ضد الحكومة الاتحادية من جهة، ومن جهة ثانية تغذيه السياسات الانتقامية لحكام بغداد ضد الإقليم.

ان السيطرة المفاجئة لداعش على مدينة الموصل كانت من احدى الإفرازات السلبية للتصعيد السياسي والفتور في العلاقات بين حكومة الاقليم والحكومة الاتحادية. فقد حال ضعف التنسيق السياسي والامني بين الحكومة العراقية وحكومة الاقليم دون ضبط الملف الامني بشكل جيد وأدى الى اتساع الفجوات الامنية مما افسح المجال للميلشيات والتنظيمات المسلحة للتحرك بسهولة والسيطرة على الارض، فلولا ضعف العلاقة والتنسيق الأمني والعسكري والسياسي بين الكورد والحكام في بغداد لما كان من الممكن ان تتمدد داعش بهذه السرعة الخاطفة في العراق.

4- داعش والصراع بين اربيل وبغداد:

كان أكبر مخاوف النخبة الحاكمة في بغداد واربيل قبل شهر حزيران 2014 (قبل تمدد داعش في العراق) تتمثل في إخماد الحراك الشعبي والمطالب الشعبية التي كانت تزداد وتتسع متأثرة بالانتفاضات العربية في المنطقة فيما سميت بالربيع العربي. وقد كانت المطالب الشعبية لهذا الحراك الشعبي تتمثل في الإصلاحات السياسية، والعدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للثروة. بغض النظر عن مدى قدرة وإمكانية نجاح مثل هذه الحراك الشعبي آنذاك على تحقيق مطالبه من عدمها، لكن الحكام واجهوا هذه الحركات الشعبية من خلال العنف وإتهام القائمين عليها بالعمالة والارهاب والى ما ذلك من الاتهامات الجاهزة ضد كل معارض ومخالف في الرأي. وبالتالي لم يستجب الحكام لمطالب الناس، بل عملوا على اختلاق ازمات اخرى مثل التصعيد السياسي بين بغداد واربيل، وكذلك إرباك العلاقات بين القوى الكوردستانية مع بعضها البعض.

نزعم إن القوى الحاكمة في بغداد وفي اربيل تتحمل المسؤولية الكاملة عن الإخفاقات الأمنية والعسكرية والسياسية في العراق، فلولا سياساتهم الخرقاء والمأزومة وضعف التنسيق اللازم لردع التهديدات الأمنية التي كان العراق محاطا بها، لما كان بإمكان داعش ان تقوم بهذا الاختراق الكبير وتعبث بأمن البلد مثلما حصل خلال السنتين الماضيتين. ان التخوف من فقدان السلطة والامتيازات والمراكز السياسية دفعت بالحكام في بغداد واربيل (البارزاني والمالكي) الى ان يقوما بالتصعيد وتعميق الصراع بين الحكومة الاتحادية والاقليم كوسيلة تكتيكية لمواجهة المطالب الشعبية بالتغيير والاصلاح السياسي. فقاموا بتبادل الاتهامات في الاعلام ودخلوا في حرب كلامية كانت لها تداعيات على حياة المواطنين، حيث جروا المواطنين والبلد ايضا الى صراع عقيم، فيما لا يزال نفس الحكام موجودون من دون أي اجراءات اصلاحية مع الاستمرارية في نهب الثروة. إذن فقد استفاد داعش من تعميق الهوة ومن تفاقم الصراع ومن الاخفاق في التنسيق الأمني والسياسي والعسكري بين الإقليم وبغداد.

لقد اصبحت محاربة داعش خلال السنتين الماضيتين المبرر الوحيد لبقاء واستمرارية مسعود البارزاني في السلطة كرئيس للإقليم رغم انتهاء مدتها القانونية. ويحاول مسعود البارزاني التحضير لمرحلة ما بعد داعش، مدركا تماماً بإن بعد انتهاء داعش سوف يعيد قضية رئاسة الاقليم لتحتل الصدارة في الاقليم. لذا يبحث عن ايجاد مبررات اضافية لاستمراره في الحكم ولسلطته الانفرادية، ولا يبدو ان هناك قضية اخرى أكثر جاذبية للرأي العام في الاقليم من قضية الاستفتاء على حق تقرير المصير!! على الرغم من ان هذه الورقة لم يعد ينظر اليها بجدية من قبل الكثير من المثقفين الكورد؛ لمعرفتهم بأن مسعود البارزاني ليس هو الشخص الوطني الذي يعتمد عليه، فهو له تاريخ طويل من الانتهازية والالتفاف على المبادئ الوطنية. كما يعرف الكثيرون ان الاقليم غير مهيئ للاستقلال؛ بسبب الظروف العصيبة التي أوجدها مسعود البارزاني بنفسه. كما يعلم غالبية المثقفين ان تلك الأزمة القادمة الناجمة عن رفع شعار الاستفتاء سوف تكون لها البداية ولكن لا يمكن التكهن بنهايتها في المستقبل القريب. وهذا بالضبط ما يرجوه مسعود البارزاني من هذه القضية فهو يراهن على الصراع المفتوح وبالتالي الحكم لأجل مفتوح؛ من أجل توريث السلطة والحكم لأولاده وأحفاده.

ان سياسات المقاطعة والحصار على الإقليم من قبل الحكومة الفدرالية ليست الحل، بل هي المكمل للخطاب التفكيكي والتجزيئي والتقسيمي الذي ينشده مسعود البارزاني. ان الحل يكمن في طرح مشاريع حلول بديلة حقيقية، وايضا ايجاد ارضية مشتركة وتنسيق بين القوى العراقية في بغداد والكوردستانية في أربيل لسحب البساط من تحت أقدام بارزاني وحزبه. ان الاتفاق والتقارب بين هذه القوى سوف يكون هو الضامن لدرء مخاطر الدكتاتوريات والصراعات الدموية الطويلة المتوقع ظهورها بسبب مثل هؤلاء الحكام الفاسدين. كفانا ما عانيناه من الويلات والمآسي والدمار في العقود الاخيرة، فكل ما نحتاجه الآن هو المصالحة الوطنية بين كافة المكونات والقوى العراقية ومن ثم التفرغ لإعادة البناء في المرحلة القادمة.

*  باحث عراقي في جامعة شمال الينوى-الولايات المتحدة الامريكية. العراق-أربيل

** مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2016


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *