الاقتصاد العالمي وإرهاصات الركود الاقتصادي


إرهاصات الركود الاقتصادي

بداية العام الجديد مناسبة جيدة لمناقشة اسباب وتجليات تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي خلال الاعوام الماضية، خصوصا مع استمرار التوقعات حول انزلاق الاقتصاد الى ركود مزمن وعميق بفعل ضعف الاستقرار المالي الناجم عن الازمة المالية العالمية 2008، وارهاصات التحول البنيوي في بلدان شكلت بحق قاطرة للنمو والاستقرار الاقتصادي خلال العقود القليلة الماضية، فضلا على التوترات السياسية التي شهدها العالم مؤخرا وتفاقم ملف الهجرة والنازحين.
ان تباطؤ الاقتصاد العالمي يبين بوضوح مدى ترابط الاقتصادات بعضها بالبعض الاخر، فالأزمة المالية العالمية الاخيرة انتقلت من الولايات المتحدة الى دول الاتحاد الاوربي عبر النظام المالي والمصرفي وسرعان ما تسربت الى الاقتصاد الحقيقي.
ولمواجهة الموقف حاولت اوربا الخروج عن القواعد المالية التي اسس لها الاتحاد الاوربي لتنخرط في عجوزات مالية ضخمة انتهت الى ازمة مديونية طالت عدد من بلدان الاتحاد وهددت بانفراط عقده. ولمواجهة ذلك عمدت البلدان الاوربية مطلع العقد الحالي الى تشريع سياسات تقشفية تحد من نمو الدين العام ومكافحة العجز المالي المتنامي. هذه السياسات كبحت الطلب الكلي وادخلت الاقتصاد في موجة ثانية من الركود. ونظرا لتشابك الاقتصاد العالمي، ادى الانكماش الاقتصادي في اوربا وعدد من البلدان المتقدمة الى ضعف معدلات النمو والتجارة الخارجية، وكان الخاسر الاكبر الاقتصادات الاسيوية التي تعتمد على نمط التصدير في تحقيق النمو الاقتصادي.
ضعف النمو في الاقتصادات الصاعدة نتيجة انخفاض الطلب على صادراتها (خصوصا الصين) قاد سريعا الى هبوط وارداتها من السلع الاساسية والنفط تحديدا، مما دفع بأسعار النفط الى الانهيار دون 40 دولار للبرميل، تزامن ذلك مع تخمة في المعروض النفطي. كما ادخل ضعف الايرادات من الصادرات النفطية وغيرها من السلع الاساسية العديد من بلدان الشرق الاوسط وافريقيا وعدد من بلدان امريكا اللاتينية في انكماش اقتصادي حاد خصوصا وان هذه البلدان تعتمد على نمط نمو قائم على احادية التصدير.
في سياق التشابك الاقتصادي السابق لا يوجد اقتصاد محلي بمنأى عن حركة الاقتصاد العالمي وتحولاته. ويمكن ابراز مصادر التدهور الاقتصادي والاسباب الكامنة خلف المعدلات الهزيلة التي شهدها النمو الاقتصادي العالمي مؤخرا وكما يلي :
1- قصور الطلب الكلي
خلفت سياسات التقشف المالي التي تبناها الاتحاد الاوربي وعدد من البلدان المتقدمة لتفادي ازمات المديونية، ضعفا حادا في مستويات الطلب الكلي والناجم اساسا عن هبوط مستويات الانفاق الحكومي والعائلي، خصوصا مع تزايد اعداد العاطلين عن العمل وزيادة معدلات الضرائب وضعف معدلات الاستثمار بسبب التوقعات التشاؤمية التي خيمت على المشهد الاقتصادي بعد الازمة المالية العالمية.
2- التحول البنيوي
تمر العديد من الاقتصادات المتقدمة والصاعدة بتحولات بنيوية مذهلة في هياكل الانتاج وانماط النمو الاقتصادي، ففي الولايات المتحدة واوربا هناك تحول مستمر من التصنيع الى الخدمات، في حين تشهد الصين تحولا من نموذج النمو القائم على التصدير الى الاقتصاد المدفوع بالطلب المحلي، اما بالنسبة لمعظم الاقتصادات التي تعتمد على الموارد الطبيعية في تحقيق النمو فإنها تواجه تحدي مصيري ازاء انهيار اسعار السلع الاساسية (النفط مثلا) مما يحتم عليها الانتقال لنماذج نمو قائمة على التنويع والحد من الافراط المزمن على الايرادات الريعية في تحقيق النمو والاستقرار الاقتصادي.
3- ضعف التمويل
شهدت المصارف العالمية والمحلية في العديد من بلدان العالم قصورا واضحا في اداء مهامها كوسيط بين وحدات العجز ووحدات الفائض نظرا لما خلفته الازمة المالية العالمية من رعب مالي طال معظم اقتصادات العالم. ومع بروز ازمة الديون السيادية في اليونان وعدد من بلدان العالم، تخلت معظم المصارف والمؤسسات المالية عن اداء دورها كجسر للتمويل مما كبح من تطور وانطلاق العديد من المشروعات الاستثمارية بسبب ازمة التمويل ورفع سقف الضمانات المطلوبة من لدن المصارف والمؤسسات المالية الاخرى.
4- التوترات السياسية
ألقت التوترات السياسية خلال الاعوام الاخيرة الماضية بظلالها على العديد من المتغيرات الاقتصادية والاسواق المالية فقد عززت هذه التوترات من النظرة التشاؤمية للاستثمار الاجنبي في العديد من بلدان العالم رغم توفر فرص استثمار مغرية وبيئة استثمارية مناسبة، الا ان الخوف من الصراعات السياسية وما تخلفه من تقلبات في اسعار العملات الصرف وانهيار في بورصات الاسهم زادت من مخاوف المستثمرين وقلصت من ولوجهم الى العديد من اسواق الشرق الاوسط وافريقيا.
الآفاق الاقتصادية لعام 2016
يتوقع ان يشهد العام الحالي سيلا من التحديات الاقتصادية والسياسية، ولكن الاقتصادات الصاعدة ستكون في صدارة المشهد كونها كانت ولسنوات طويلة قاطرة للنمو والاستقرار الاقتصادي العالمي، وساهمت بكفاءة في تلطيف واستيعاب تداعيات الازمة المالية العالمية الاخيرة. ويرى العديد من الاقتصاديين والخبراء ان تعجيل تعافي الاقتصاد وتعزيز معدلات نمو اقتصادي مقبول وتفادي انزلاق الاقتصاد العالمي نحو ركود اقتصادي مزمن يتطلب من البلدان المتقدمة (اوربا تحديدا) العمل على حزمة من السياسات التوسعية التي تهدف الى تحفيز الطلب الكلي لأجل اثارة الانتاج المحلي واستيعاب معدلات البطالة من جهة وتحريك عجلة التجارة الخارجية من جهة اخرى.
كما ينبغي لقادة دول العشرين الاتفاق على سياسات موحدة تحد من تقلب اسعار الصرف وتزيد من معدلات التبادل التجاري عبر اتفاقيات داعمة للشراكة وازالة العوائق والقيود. اما على صعيد النظام المالي العالمي فالحاجة ملحة الى اعادة هيكلة وتنظيم المصارف العالمية الكبرى وحثها على مد جسور التمويل لمختلف القطاعات الاقتصادية عبر ضمانات تقدمها البنوك المركزية تقلص من حدة المخاطرة التي تعتري الفرص الاستثمارية الحالية.
* باحث مشارك في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *