الامتحانات رأس فساد التعليم في مصر



يستهدف كل خبراء التعليم والمهتمين بتطوره الوصول إلي معايير موضوعية لجودة التعليم والتي هي في تطور وتغير مستمرين ، كونها تعنى بتنمية المجتمع معرفيا وتقع في مقدمة آليات وسبل اعداده ثقافيا وتربويا وعلميا ، فضلا عن ترسيخ المبادئ التربوية وصقل وتنمية الجانب السلوكي للطالب ومن ثم تأهيله علميا ومهنيا، ولكن الطامة الكبري أن مصطلحات جودة التعليم وتطوره يستخدمها المسئولون علي سبيل “الوجاهة” فقط ،عند الحديث عن تطوير التعليم في المؤتمرات أو أمام عدسات المصورين والصحفيين وشاشات التليفزيون..
التعليم في مصر يحتاج إلي منظومة تعتمد علي الرصانة العلمية والمهنية وتفعيل معايير الجودة بشكل حقيقي، ومن أهم الخطوات المرتبطة بترصين وجودة التعليم وتطويره هي عملية تقييم الطلبة ، باستخدام عدد من وسائل القياس أو أساليب اخرى تزودنا ببيانات غير كمية تدرج في سجلات المتابعة التي تشير لتفاعل الطلبة والتزامهم باداء واجباتهم وحسن ادائهم ومداخلاتهم ومبادراتهم في قاعات الدرس والحرص على الالتزام في أداء المهام المختلفة التي يطلب منهم انجازها تحريريا وشفويا وتقديمهم للمبادرات العلمية والعملية والاعمال التطوعية، بالاضافة لاستمرارية حضورهم وعدم تغيبهم ..
إلا أن وسائل التقييم لدينا هي وسائل كمية غير ممنهجة تعتمد على أهواء وخبرة المقيم ، وأكثر أسلوب يتم أستخدامه في التقييم – إن لم يكن الاسلوب الوحيد – هو” الامتحانات” ، التي ألغيت للدراسة الابتدائية في كثير من دول العالم كعامل للعبورأو عدمه من مرحلة دراسية لاخرى ، بالاضافة إلى بعض الاصوات التي ظهرت في بعض دول العالم تطالب بالغاء الامتحانات كعامل تقييمي ومحدد لاجتياز مرحلة دراسية محددة لما لها من تأثير نفسي سلبي على النمو التربوي والثقافي والتفكير العلمي الخلاق لدى الطلبة ، وهذا الاسلوب المتبع في التقييم بدأ يتعرض لكثير من الهجوم في كل دول العالم المتقدم لعدم ملائمته للتغييرات الحديثة في أساليب الدراسة وتحولها من التعليم إلى التعلم ، وشيئاً فشيئاً بدأت تفقد مكانتها كوسيلة وحيدة للتقييم، حيث لوحظ انها لاتحقق الهدف المنشود، ولاتتوافق مع تطور طرائق التعليم والتعلم ولعل السبب الاساسي في عدم كفاءة أسلوب الامتحانات في التقييم ، كونها لاتحقق الهدف المنشود ولاتتوافق مع التطور، كوسيلة أساسية ووحيدة للتقييم،وخاصة بعد فضائح إمتحانات الثانوية العامة والتي كانت مثار جدل مجتمعي هائل بسبب تسريب الامتحانات الامر الذي لا تتحقق معه العدالة بين الطلبة وهو ما يرمي رأس العملية التعليمية بحجر قاتل أو ما يشار إليه بأن الامتحانات هي رأس فساد التعليم.
إضافة إلي أن الامتحانات كوسيلة للتقييم ليست طريقة موضوعية، كونها تخضع لمزاج الاشخاص الذين يكلفون بوضع الاسئلة ، وتوزيع الدرجات عليها والبت في مدى شموليتها قياسا بالمنهج الدراسي، ومواضيعه، ومفرادته ، وتصحيح الاجابات ..ولذلك نري في مركز “عدالة ومساندة” أنه لابد من اعادة النظر في الامتحانات كأسلوب من أساليب التقييم ،والعمل علي وابتكار طرق وأساليب جديدة تساعد على الاستفادة من الكم المعرفي الهائل والمتسارع والفروق الفردية فيما بين الطلبة ، ومن هنا يجب البحث عن بدائل مناسبة لتنمية القدرات العقلية والشخصية لدىهم، وتكون أكثر قدرة على تحقيق الاهداف ، واكثر ملاءمة مع التطورات العصرية في مجالات التعليم والتكنولوجيا ، كما لابد من البحث عن أساليب تقييم عادلة وقادرة على تقييم كل طالب بما يستحقه دون النظر لأي اعتبارات أخرى ،اضافة إلى أن أسلوب التقييم يجب ان يسعى الى جعل التعليم مشاركة ، وأن يشتمل على الاليات التي تساعد وتمكن المشرفين على العملية التربوية والتعليمية من اكتشاف الموهوبين ، ومن ثم التعامل معهم بما يطور مستواهم العلمي والمعرفي. .
وأخيراً لابد من إدخال طرق جديدة لتقييم المعارف والمهارات التي تمتاز بالشمولية والحداثة ، ولأنجاح هذه الاساليب لابد من تدخل الرئيس مباشرة لتوجيه خبراء الادارة لانجاز نظام تعليمي يصلح العطب ويروي التيبس الحاصل في شرايين العملية التعليمية،وكذلك لابد من تضافر كل الجهود لدي كافة مؤسسات الدولة البرلمانية والحكومية ومراكز البحوث للتصدي لقضية تطوير التعليم باعتباره أمنا قوميا لمصر.. ويري مركز “عدالة ومساندة” برئاسة الدكتورة هالة عثمان ضرورة إستحداث هيئة مستقلة لها إختصاصات إلزامية ونقترح تسميتها “هيئة المهارات الاساسية” تكون مهمتها ضرورية وليست “ديكورا” في متابعة مهارات التلاميذ من مراحلهم الاولي ومن خلال مهاراتهم تلك تتحدد طبيعة الدراسة التي يستمر فيها الطالب حتي انتهاء دراسته وتخصصه العملي ،وتعتمد عملية استكشاف هذه المهارات علي أساليب البحث ونشاطات الطلبة ومبادراتهم وابتكاراتهم ومواهبهم ، التي تعرض وتقدم شفوياً في قاعات الدرس والمختبرات ، مما يمكنه من البحث واستخلاص المعلومة من مصادرها المختلفة وعرضها ،على أن يحصل على هذه المهام ما يحفزه من نسبة جيدة من درجات التقييم ، إضافة إلى التعزيز المعنوي الذي سيحفز وينشط عقله وجسمه وقدراته ، ليتخرج وهو يمتلك أساليب التعلم والمعرفة والخصائص الشخصية في العرض والتقديم والتفكير الايجابي غير المتردد ،كل ذلك بالتنسيق مع الاسرة.. وعندئذ سنضمن متعلما حقيقيا يمكن أن يخدم المجتمع ومؤسساته.
المدير التنفيذي لمركز “مساندة” لدعم المرأة


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *