الانقلاب على حقوق الإنسان في تركيا



إلى وقت قريب، وإلى حد ما، كانت تركيا بيئة ملائمة لحقوق الإنسان وحرياته، وكانت الحكومة التركية تسعى لتطبيق الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان، بهدف قبولها ضمن الاتحاد الأوربي، إلا أن تركيا اليوم تشهد حالة من الانقلاب المتسارع والمنفلت على حقوق الإنسان وحرياته إثر الانقلاب العسكري الفاشل!

تشير الإحصاءات التي تقدمها المنظمات الدولية عن تركيا، بعد الانقلاب العسكري الفاشل –حتى كتابة هذا المقال– إلى تجاوز عدد المعتقلين والموقوفين والمفصولين عن العمل، أكثر من 70 ألف مواطنا، موزعين على قطاعات الجيش والأمن والقضاء والتعليم والإعلام، وموظفي مؤسسات الدولة ورجال دين والمدنيين من غير الموظفين، وإغلاق ما يزيد على 1200 جمعية، والعشرات من المدارس والمستشفيات والعيادات الطبية، ناهيك عن قتل وجرح المئات من المدنيين والعسكريين، سواء اشتركوا في الانقلاب أو لم يشتركوا فيه.

وأن السلطات التركية قد حجبت بصورة تعسفية كل إمكانية للوصول إلى ما يزيد على 20 موقعاً إخبارياً إلكترونياً في الأيام التي تلت محاولة الانقلاب. وتواترت أنباء على نطاق واسع بأن الحكومة قد سحبت تراخيص 25 من المؤسسات الإعلامية في البلاد. وفضلاً عن ذلك، ألغيت بطاقات 34 من الصحفيين الأفراد، بينما صدرت مذكرة قبض بحق صحفية واحدة، على الأقل، بسبب تغطيتها لمحاولة الانقلاب.

ماذا يحدث لحقوق الإنسان في تركيا؟ وهل الإجراءات التي أخذتها الحكومة تنسجم مع التحديات الأمنية والعسكرية أم تجاوزتها؟ وما هو دور منظمات حقوق الإنسان للمحافظة على احترام حقوق الإنسان وحرياته في تركيا، لا سيما المعتقلون منهم، مع وصول معلومات تفيد أن السلطات التركية تجبر بعض منفذي الانقلاب وتساعدهم على الانتحار؟

بالتأكيد أن محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا يوم 15 يوليو/تموز 2016، ما تزال محط اهتمام واسع، كونها تثير الكثير من الشكوك وعلامات الاستفهام، فمن جهة أن الانقلابين هاجموا مقر المخابرات التركية ومبنى البرلمان في أنقرة وسيطروا على جسر مهم في اسطنبول، ولكنهم لم ينجحوا في احتجاز أي مسؤول حكومي أو برلماني مع هذا العدد الكبير من المخططين والمشاركين كما توحي الحكومة التركية!

ومن جهة ثانية، كأن الرئيس التركي كان على علم بالانقلاب، وكأنه قد أعد قبل الانقلاب خطة محكمة للتخلص من معارضيه الأشد خطورة على شخصه وحزبه. وذلك من خلال اعتقال الآلاف من أفراد الجيش والقوى الأمنية وباقي المؤسسات القضائية والتربوية وغيرها، لتطهير شامل في المؤسسات التركية ممن يعتبرهم كيانًا موازيًا ودولة عميقة تنافس الحكومة في نفوذها. وأن هؤلاء -كما أشار أردوغان -قد يواجهون عقوبة الإعدام على الرغم من إلغاء تركيا لهذه العقوبة كجزء من محاولاتها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

في السياق ذاته، دخلت حالة الطوارئ التي أقرتها الحكومة التركية في إطار إجراءات التعامل مع محاولة الانقلاب، حيز التنفيذ في عموم البلاد، وسيستمر هذا الإجراء الذي يمنح السلطات صلاحيات واسعة النطاق، لمدة ثلاثة أشهر. إذ تقول السلطات “إن حالة الطوارئ ستمكنها من اتخاذ إجراءات سريعة وفعالة ضد المسؤولين عن الانقلاب العسكري الفاشل الذي شهدته البلاد”.

الأمر الذي أثار مخاوف وقلق العديد من الحكومات والمنظمات الحقوقية، فقد قال مفوض الاتحاد الأوروبي يوهانز هان الذي يختص بسعي تركيا للحصول على العضوية “إن الاعتقالات السريعة للقضاة وغيرهم تشير إلى أن الحكومة أعدت قائمة مسبقا” وأضاف قائلا “أنا قلق للغاية. هذا هو بالضبط ما كنا نخشاه”.

وذكرت منظمة العفو الدولية في بيان لها “أن حقوق الإنسان في تركيا تواجه خطراً شديداً عقب محاولة انقلاب دموية جرت يوم الجمعة، 15 يوليو/تموز، وأدت إلى وفاة ما لا يقل عن 208 أشخاص والقبض على ما يقرب من 8,000 شخص. فقد اقترح عدة مسؤولين حكوميين إعادة العمل بعقوبة الإعدام لمعاقبة من تتبين مسؤوليتهم عن الانقلاب الفاشل، وتحقق المنظمة حالياً في تقارير تفيد بأن معتقلين في أنقرة واسطنبول قد أخضعوا لسلسلة من الانتهاكات، بما في ذلك لسوء المعاملة في الحجز، وحرموا من الاتصال بالمحامين.”

وتعليقاً على حملة القمع هذه، قال جون دالهاوزن، مدير برنامج أوروبا وآسيا الوسطى في منظمة العفو الدولية، إن “مجرد النظر إلى عدد الاعتقالات وعدد من أوقفوا عن العمل منذ الجمعة مثير للرعب، ونراقب عن كثب تطورات الوضع في البلاد. فقد أطلقت محاولة الانقلاب عقال حملة مثيرة للفزع من العنف، ويتعين تقديم أولئك المسؤولين عن أعمال قتل غير مشروعة إلى ساحة العدالة، غير أن شن حملة كاسحة ضد من يخالفون السلطة الرأي، والتهديد بالعودة إلى عقوبة الإعدام، ليسا من العدالة في شيء.”

يبدو أن ما يحدث في تركيا ليس انقلابا عسكريا نفذه عسكريون يعارضون حكومة أردوغان وحزب العدالة، بل هو في حقيقته انقلابا من الحكومة “المدنية” على القواعد والمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة التي كانت تعيشها تركيا فترة طويلة.

بناء على ما تقدم ينبغي للدول والمنظمات الحقوقية أن تستمر في مراقبة إجراءات الحكومة التركية ضد المعتقلين، ومراقبة الإجراءات التعسفية التي اتخذتها الحكومة ضد المؤسسات المدنية والإعلامية والصحية والقضائية وفقا لما يأتي:

– تأكيد المحافظة على النظام الدستوري بشكل تام استنادا إلى مبادئ الديموقراطية والحقوق الأساسية بما في ذلك الاحترام التام لحقوق الإنسان وحرية التعبير.

– حث السلطات التركية على ضبط النفس واحترام حكم القانون، وهي تقوم بالتحقيقات الضرورية، وعلى تقديم جميع من قامت باعتقالهم إلى محاكمات عادلة، والإفراج عن كل من لا تتوافر لها أدلة ملموسة على مشاركتهم في أعمال إجرامية.

– حث السلطات التركية على ترك “عمليات التطهير” للمؤسسات القضائية والتعليمية والإعلامية والصحية، والكف عن فرض الرقابة على المؤسسات الإعلامية، وعلى الصحفيين، بما في ذلك من ينتقدون سياسات الحكومة.

– حث السلطات التركية على تسوية مشاكلها مع دول الجوار لاسيما سورية والعراق، واخذ الإجراءات اللازمة لمنع تسلل الإرهابيين والأموال لما له من انعكاسات سلبية على تركيا داخليا وخارجيا، فضلا عن الأضرار التي تلحق بدول الجوار.

– الكف عن عمليات التعذيب الجسدي والنفسي للمعتقلين على خلفيات سياسية.

– تمكين ذوي المعتقلين لدى أجهزة الأمن التركية من معرفة مصير أبنائهم.

مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *