البيع بالتوقيع … حضور المبدع و غياب الفعل التواصلي للإبداع



يرى البعض بأن البيع بهذه الآلية التي يتم فيها حضور المبـــدع و توقيعه على النسخة ، ليحتفظ بها القارئ ، هي حالة دخيلة على المشهد الثقافي المحلي ، و لا يمكننا أن نستفيد منها ، الا بالمزيد من التراكم دون الاطلاع و تكديس مكرر دون تطوير للعملية الابداعية من الداخل ..

هل  البيع بالتوقيع تسويق للفكرة الإبداعية أم للمبدع ؟؟؟

رأي له الكثير من الصحة في ظل الانتشار الواسع لهذه الظاهرة الثقافية ، و الدليل أن من يقبل عليها  هو نفسه لا يذهب مع الفكرة بعيدا ، و لا يقوم بها الا لأن مطلب الراهن هو الذي يفرض مثل هكذا تداول للإبداع .  وأؤكد هنا على البيع بالتوقيع لا البيع بالإهداء لأن الأمر يختلف من هذه الزاوية .

اذا تم هذا البيع بصورة عقلانية فهو احترام للكاتب  وتشجيع له و لدار النشر و دعم للثقافة بشكل عام.  لكن اذا قامت العملية  على الجانب المالي الصرف الذي يجعل العملية مجرد تجارة رابحة، بمعنى  نضع الجهد العقلي   بموضع عالم المادة لا غير .  مع الأسف الشديد فإنه يحصل كثيرا، خاصة عندما لا يهتم الناشر بالكاتب كموهبة، وكقيمة، ولا يرى في البيع والتوقيع سوى ما يمكن أن يحصل عليه من مال.
و عليه يجب التأكيد، في هذا السياق على الاختلاف بين دور النشر ،  فهناك من تقدر  الكتَاب حق قدرهم عند استضافتهم في هذه اللقاءات  ، و هناك العكس فئة أخرى تعتبر الكتَاب بمثابة  سلعة تجني من وراء ذلك الربح المادي و تخضع الفكر للعرض و الطلب .
بات من الضروري مراعاة   القيم الأخلاقية و الجمالية  حتى نتفادى من خلالها  الانحرافات الراهنة ، وقد تحتاج عملية النشر برمتها إلى أخلقة جذرية تعيد النظر في بعض الممارسات الخارجة عن الأطر المعرفية و  التي لا تليق بعالم الكتاب.

عندما طرحت هذه الفكرة للمناقشة على الصفحة الفيسبوكية للتفاعل ، كان صمت الكثير لأسباب يحتفظون بها لأنفسهم ، ولكن مقابل ذلك كان للموسيقار و المبدع عبدالرحمان قماط ” من الجزائر ” رأي في القضية جد موضوعي حيث قال ” البيع بالتوقيع …هو أمر ذو ثلاثة ابعاد مختلفة …قد يكون أمرا تجاريا مروجا لبرغماتية ساذجة القصد منها الربح المادي فقط دون تقديم اي ابداع او افكار جديدة او العكس بمعني ان يستعين الاغنياء بكتّاب (negres) من اجل الترويج الشخصي كي يعرفهم الناس بحجم اكبر وقد يحمل الاثنين المنفعة والابداع معا خاصة من ذوي الفكر الراقي و الذين لا يجدون مالا وافرا يقتاتون به او يستعينون به لتنفيذ او نشر افكارهم وهذه الفئة هي كبيرة جدا في العالم العربي وهي النواة الحقيقية للفكر و الإبداع. الأمر الثالث هناك من يرى هذه الظاهرة هي آلية جديدة قد تلزم الناس المطالعة في ظل ركود فكري بات هاجسا موجعا لتطور الإبداع …..في الأخير اريد أن اقول شيئا آخر و هو ان الناس بل حتى المثقف نفسه لم يعد قادرا على تصفح أي كتاب لكنه يحب الصور والمأكولات الشهية و كل ما يشبع رغباته …..الإهداء أو البيع بالتوقيع بعد طرح للأفكار الموجودة بالكتاب رفقة المثقفين ونقاش ثري في جلسات كثيرة يكون أفضل …..والله أعلم ” .

تحليل ذو أبعاد ثلاثة يقترح فيه  البيع بالتوقيع  يكون بعد طرح للأفكار الموجودة بالكتاب رفقة المثقفين ونقاش ثري في جلسات كثيرة يكون أفضل .

أما رأي الكاتبة فاطمة الزهراء بولعراس من الجزائر  فقد اختصرته في قولها: “التوزيع بالتوقيع. هذا هو الوضع في بلدي. مادام حال الأدب بائسا. المفروض إنه تعريف بالكتاب قبل كل شيء . عندنا مجرد تقليد فارغ من المحتوى مع الأسف ”

مصطلح التوزيع بالتوقيع يتماشى مع الحالة التي يتم فيها النشر و التوزيع للكتاب ، و تعبير عن نسقية التفكير لدى الكثير ممن جعلوا هذه الظاهرة موضة أكثر من كونها  فكر و ثقافة و علم .

كما أسجل هنا موقف الشاعر ” محمود عياشي ” من الجزائر في قوله : ” أرى أنّ الظاهرة فيها إقحام لنزعة أخرى هي فرض الشراء و وضعه أمام الأمر الواقع ، وربما لو لم يكن الكاتب البائع حاضرا لما بيع نصف أو ربع الكمية ، فقيمة الكتاب في عدد طبعاته ، ونفادها بسرعة من السوق ، اما أن يقف الكاتب دلاَّلا على بضاعته في معرض فهو أمر غير صحي وذو التجربة أدرى”

موقف  محرج للكاتب تفرضه دور النشر و عملية توزيع الكتاب . لا يرضى به البعض ، مادامت العملية الإبداعية برمتها هي أولوية معرفية و عقلانية .

الذي يمكنني الخروج به هو أن هذا  النشاط تتبعه مناقشات  و حوارات قد تقرب المبدع من القارئ ، و الا سنكون أمام راهن نتيجته توقيع دون فتح للكتاب و لا اطلاع عليه بل هو خارج دائرة التثقيف . ثم من قال أن حضور الكاتب و توقيعه هو الذي يزيد من ارتفاع رقم المبيعات ، فهناك كتاب في حضورهم أو في غيابهم تباع كتبهم و تجد لها رواجاً هائلا لما تحويه من أفكار . ربما لصدقها و لقربها من المتلقي و الأكثر هو حجم المعنى الذي تحمله  وفق مفاهيم لها تأصيل في الفكر الجمعي و علاقته بالتواتر للحظة الإبداعية تاريخيا و أديولوجيا .


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *