الجغرافيا المتوترة: توترات المحو وتناقضات البقاء



المنطقة الممتدة من أفغانستان الى إيران ثم العراق وبلاد الشام وصولا الى مصر بعد العبور من اليمن، تشكل منطقة العالم القديم ومهد الحضارات وخط ديموغرافي سكنته الشعوب الحية والفاعلة في بناء حضارات العالم القديم.

لقد امتدت عصور البناء الحضاري فيها من عصور ما قبل التاريخ ثم الى ما قبل الميلاد ثم الى عصور الميلاد وظهور الإسلام. لقد انتجت هذه المنطقة وعلى مدى هذه العصور أهم وأعظم حضارات ودول الشرق، وقد عكست هذه التجربة التاريخية حيوية هذه الشعوب في هذه المنطقة وترسخ فيها رصيد حضاري وثقافي يتعلق بهوية المنطقة ذاتها.

فالعلم الديني – الإسلامي الذي شكل الهوية الحضارية لها وهوية العالم فيها كان يتأسس وعلى مدى قرون من التاريخ في مدارسها ومعاهدها من هرات مدرسة الفن –أفغانستان والمدينة التي عرفت من خلالها آسيا الإسلام، الى الري وخراسان واصفهان– ايران التي أنجزت اسهاما كبيرا في حضارة وفنون الإسلام وقبلها الكوفة والبصرة وبغداد – العراق، وهي المدن والحواضر التي أسست لكل علوم الإسلام في الحضارة الإسلامية وأرست قواعد مذاهب الإسلام في العقيدة الإسلامية وقد فاقت مدارسها الحصر، ثم مدارس دمشق وحلب – سوريا وقد بلغت في دمشق المئة مدرسة في القرن العاشر الميلادي حصرا، وصولا الى مدرسة وجامع الازهر في القاهرة – مصر التي ظلت تشتغل على مدى أكثر من الف عام وكانت لها ريادة مهمة في صياغة هوية المنطقة، ولازالت اليمن خزانة الإرث، وصنعاء حافظة المخطوطات الإسلامية.

لكن انكفاء التاريخ وتدهور الحضارة في هذا الشرق والقصد الامبريالي المسبق في تدمير هوية هذه المنطقة ووقوعها على الخط المتصل بأزمة الشرق الكبرى في فلسطين، كل ذلك اكسب هذه الجغرافيا الممتدة من أفغانستان وصولا الى مصر ومرورا بهلالها الخصيب ويمنها السعيد مزيدا من التوتر المستمر، وقاد الى تدمير دولها وشعوبها فتحولت الى حزمة من الأزمات والمشاكل العسيرة الحلول وكان قدر هذه الشعوب أن تستوطن مراكز الحدث المستمر في التاريخ البشري وان تدفع ثمن استيطان هذه الجغرافيا المتوترة.

فالثروة الصادرة والكامنة فيها، والواقع المستقطب لازمات العالم فيها، والحد الفاصل في المكان الذي تشغله بين أوربا وآسيا وبين أوربا وأفريقيا جعلها بوابة اللقاء المرير دائما بين الشرق والغرب، بين الغرب المستعمر والشرق المستعمًر وعليها وعلى شعوبها أن تدفع ثمن ذلك اللقاء غير المتكافئ رغم أن هناك حلقات دافئة ومنفتحة في ذلك اللقاء، لكن المنحى العام فيه كان يأخذ دائما طابعا حساسا ومتوترا وسلوكا سياسيا ظاهرا في التدخل المباشر للولايات المتحدة الأميركية – أفغانستان والعراق-، او حالة الحصار الذي فرضته على دول معينة في المنطقة – ايران وقبلها العراق، أو المواجهة المباشرة مع دول أخرى – سوريا، او المواجهة غير المباشرة – اليمن، أو المراقبة والتلويح بحذر بسياسات ستفرض على دولة – مصر.

وكان من آثار ذلك التدخل والمواجهة الساعية الى فرض إرادة القوة الأولى في العالم التي تسعى الى التقمص أو الاستئثار بالإرادة الدولية أو ما يعبر عنها بالمجتمع الدولي، كان من آثارها البارزة للعيان الفقر والبطالة والفساد في تلك الدول التي تعد القاسم المشترك بين هذه الدول المعرضة الى تحديات السياسة الأميركية والتدخل في شؤونها، وقد اربكت سياسة الولايات المتحدة حكومات هذه الدول بفعل الابتزاز السياسي الممارس أميركيا تجاهها مما أثر سلبا في أوضاعها الداخلية والسياسية والتنموية، وهو ليس دفاعا عن حكومات هذه الدول بقدر التأكيد المقصود على الآثار السلبية الناجمة عن التدخلات الأميركية وصناعتها للأنظمة الفاسدة بعد ان انتهت الصناعة الامبريالية للأنظمة الدكتاتورية في التاريخ القريب جدا.

وقد انتهجت تلك الأنظمة الفساد المالي والإداري الواضح على أثر الابتزاز الأميركي لها بواسطة التدخل المباشر في القرار الوطني المستباح اميركيا، أو الحصار الاقتصادي والسياسي الممنهج أميركيا أيضا، مما راكم من حجم المأساة والمعاناة التي تعيشها شعوب المنطقة في ظل الفساد المستشري في هذه الأنظمة وطبقاتها السياسية التي تتشكل فيها صورة خاوية وجوفاء للمعارضة، وتلك أخطر أزماتها حين تتبادل الموالاة والمعارضة أدوار السلطة الجوفاء وخواء الفساد.

وقد وجدت هذه الحالة الشاذة وغير المسبوقة في تاريخ هذه الدول الحديثة ارتياحا أميركيا لظاهرة السلطة الجوفاء وخواء الفساد من أجل تكريس حالة الفشل في هذه الدول مما يجعلها عاجزة تماما وغير قادرة على مواجهة ومقاومة الإرادة الأميركية التي بدت أخيرا ومع سياسات ترامب مندفعة بالأيديولوجيا الأصولية المسيحية واليمينية المتطرفة والتي تجعل من هذه المنطقة عدوا ثقافيا وتاريخيا – اسطوريا وفق المبادئ المؤسسة للأصولية المسيحية، والتي عبرت عنها نظرية صدام الحضارات التي تستمد أصولها الثقافية والوهمية من خرافة معركة هر مجدون ذات المنحى الديني والاصولي الأميركي والتي تجعل من ثقافة ودين وشعوب المنطقة عدوها المكلل بالشر والعنف والإرهاب مما يجعل جغرافيا المنطقة أكثر توترا وقلقا تاريخيا.

 

ثم أضحت شعوب المنطقة بين مطرقة الولايات المتحدة العسكرية والاقتصادية وسندان الفساد في دولها وأنظمتها مما أدى الى ظهور معدلات مخيفة من الفقر والفساد والرشوة والمخدرات، وقد تحولت هذه المفردات الى ظاهرات سياسية واجتماعية قوضت مفهوم الدولة لدى المواطن.

فلم تعد الدولة موضع ايمان بالنسبة للمواطن الذي أدرك السرقة الكبرى للدولة على يد أنظمة الحكم ورجالات السياسة في دولته، ولم تعد بعد ذلك تشغل حيز الوجود السوسيولوجي الذي كانت تتشكل فيه هويته السياسية والقانونية، لقد دخلت الدولة في مرحلة خطيرة من التقويض البنيوي لها وقاربت أو أوشكت أن تدخل مرحلة السقوط التقليدي والتاريخي لها بعد انحيازها الى ظاهرة المُلكية السياسية أو التملك السياسي الذي تمارسه جهات وأحزاب وأفراد حازت عناصر القوة ونافست احتكار الدولة للقوة، بل وتغلبت على الدولة في استحواذها على القوة. وبذلك ينشأ حيز سوسيولوجي جديد وطارئ وبديل عن الدولة.

وهذا الحيز الطارئ والبديل عن الدولة أخذت تحكمه أنظمة ثقافية واقتصادية وسياسية ذا منحى متطرف وغير عقلاني وهو ما يبرر تصنيفها سوسيولوجيا باعتبارها إضافة الى ما تقدم تشكل آليات بنية التنافس والصراع والهيمنة استنتاجا جزئيا عن بيير بورديو الذي يحيل آليات ذلك التنافس والصراع والهيمنة الى اللاوعي– راجع المفاهيم السوسيولوجية عند بيير بورديو، د. جميل حمداوي – وهو جزء من العقيدة الاوربية حيث بإمكاننا ان نقول ذلك. فالحرب والصراع ديالكتيك الوجود وحتمية التاريخ، لكننا ننظر الى ذلك التنافس ومحاولات الهيمنة والرغبة في الصراع والهوس بالحرب باعتباره جزء من ترويض وتعليم ثقافي واجتماعي – تاريخي يتدرج في اطار عقائدي – ديماغوجي وايديولوجي.

وبخصوص الصراع في المنطقة فانه يسير أو يجري بوعي حاد لطبيعة هذا الصراع الثقافي والتاريخي الذي تعيشه جغرافيا هذه المنطقة، وقد أسهم في زيادة هذا الصراع الفساد المالي والتجاري الذي صار يشكل جزء أساسيا من بنية هذه الأنظمة الفرعية التي لا تنتمي الى الدولة ولا الى ظروف وأوضاع ما قبل الدولة، وهي ذات منحى هوياتي ضيق يتشكل في أنظمة الهويات الفرعية الطائفية والعرقية والتي تقتات على بقايا حطام الهوية الوطنية ومحاولة الاستحواذ عليها واحتكارها لطرف معين ومجتزأ، وتقوم أساسا في وجودها على نبذ الدولة وتقويضها وبوعي يمارس أداؤه بغض النظر عن كونه وعي زائف او وعي انتجته الظروف الطارئة والمعقدة في خارطة العمل لديها.

فالدولة صارت مستهدفة للمحو من الداخل بعد ان تهيأت أسباب المحو من الخارج لكنها بنفس الوقت غير قابلة للمحو التام بفعل الحاجة الى بقائها في سياق المصالح الضيقة والحادة من جانب الهويات الفرعية والطائفية والجماعات المسلحة التي تعمل وفق مبدأ الحماية الذاتية وتهدد القوة الموضوعية للدولة، وهو ما يدع دول هذه الجغرافيا تعيش توترات المحو وتناقضات البقاء مع انتشار السلاح والانفلات الأخلاقي الذي يضمن هيمنته وسلطته غير المبررة وغير الشرعية.

وقد ساقت الفوضى التي تمر بها بعض هذه الدول في هذه الجغرافيا المتوترة الى هذا المستنقع من العراك السياسي بعد ان نجمت تلك الفوضى عن ذلك التوتر الذي شهدته تلك الجغرافيا والمخطط له مسبقا في نظرية الفوضى الخلاقة والتي تكفلت عملية اسقاط الدول وليس مجرد اسقاط الأنظمة الدكتاتورية ومن ثم هدم الهوية الوطنية الجامعة تحت مسميات المكونات والشريك السياسي “الطائفي والاثني” كما روجت لها الليبرالية الأميركية فيما أطلق عليه مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي قام في جزء كبير منه على نظرية الفوضى الخلاقة وعملية محو الدول في المنطقة.

لاسيما وأن هذه الدول كانت تحمل خوائها أو إمكانية محوها بذاتها فلم تكن وليدة تطور تاريخي وتحول اجتماعي وثقافي يمنحها فرصة أو قدرة البقاء مما جعلها دول خاوية وخائفة استقوت عليها مجتمعاتها وتغلبت عليها في لحظة ضعف أنظمتها أو سقوطها فانخرطت تلك المجتمعات في توترات داخلية وإقليمية تشغل حدود هذه الجغرافيا بعد إزاحة الحدود بين الدول على امتداد تلك الجغرافيا على أثر سقوط أنظمة بعض دولها، فانعكست توترات المحو وتناقضات البقاء على هوية هذه الجغرافيا مما يزيد من توتراتها الحادة تحت تأثير ومخاطر محو الهوية الذي تستبطنه مشروعات العولمة ومشروع الشرق الأوسط الكبير ومشروعات الليبرالية الأميركية وصفقة العصر التي تؤمن المحو الكامل لهوية القدس الإسلامية والعربية.

 

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–2018Ⓒ


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *