الجمال في قلب المأساة



مع انعطافة القرن العشرين كان المزاج الفكري و الابداعي الغربي يستعيدا الزخم الرومانتيكي المجدد للحياة و الرومانتيكية هنا ليست مجرد تيار ادبي ظهر في سياق تاريخي معين ،انها اطار ادراكي للعالم في مقابل العقلانية و ما حركة و جدلية كل الفكر الانساني الا مراوحة بين المثالي و المادي،الرومانتيكي و العقلاني.

نيتشه محطم الايقونات العتيد انبرى لمهمة تخليص البشرية من اوهامها-بحسب رأيه-فقام بشقلبة كل المفاهيم اذ اعلن موت الاله ليهدم الميتافيزيقاو وضع نظاما اخلاقيا بديلا للاخلاق المسيحية يقوم على اخلاق القوة مستوحى من اخلاق النبالة،و هزئ بالعقل باعتبار انه “لا توجد حقائق بل توجد تأويلات،و بالعودة الى التراث اليوناني يستحضر نيتشه ثنائية ابوللو/ديونيسوس،الاول اله العقل و الثاني اله الغريزة و هكذا وضع نيتشه الغريزة و الارادة و الجمال كبدائل لمفاهيم المنطق و العقل و الاخلاق.
يدعو نيتشه الى “التأويل الجمالي للوجود”حيث الفن و الابداع هما صوت الحياة و حقيقتها الخالصة ، وفي هذة النقطة بالذات تأثر جبران بنيتشه حين اعتبر ان الجمال كامن في كل مظاهر الوجود ،فاذا المرء اكتشف الجميل في الشىء فقد ادرك كنهه.فالجمال و القبح اعتباريان كما قرر المعتزلة و المثل الامريكي القائل ان الجمال في عين الرائي يشير الى الجانب الذاتي في عملية ادراكنا للوجود.
خلال القرن 19 كان الوعي الرومانتيكي ساريا عبر رؤى عديدة حيث ظهرت الحركة البوهيمية في حي مونمارتر الباريسي الشهير بحي الملذاتو هي حركة من المبدعين المتمردين على كل القوالب الاجتماعية الجاهزةو تمثلت اقانيمهم في “الجمال،الحب،الحقيقة”
جسد فيلم”مولان روج”بطولة نيكول كيدمان تاريخ تلك الجماعة و الفيلم يحمل اسم ملهى ليلي يقع في قلب الحي المذكور، كما جسد بودلير في وقت سابق نموذجا ثوريا للمزاج الجمالي الجديد من خلال “الداندية” التي هي اسلوب حياة يتبنى موقفا خلاقا حيث الرجل العصري هو الذي يبتكر ذاته يوميا و هو ايضا يجعل من سلوكه و ملبسه قطعة فنية فالفرد هو تحفة وجوده ،و هو وجود يعتبر نفسه ابداعا فنيا. لعل ذلك يفسر مقولة بول سيزان في ان “اكثر الاشياء جاذبية في الفن هوشخصية الفنان نفسه”.هذة الرؤية البودليرية تقوم على فكرة ان الابداع ليس مقصورا على الفن لكنه امكانية متاحة لكل شخص اذا عرف كيف يحيا.
بشكل مشابه،يتبنى اوسكار وايلد مفهوم”الجمالية”الذي يحمل شعار ان المرء ليس من حيث يكون و لكن من حيث يتصرف،اي لا يهم للمرء تحقيق كينونة ما بل ان يتصرف بما يعكس حريته الشخصية المبدعة.كانت تلك الافكار بداية ظهور الحركات الطليعية في الادب و الفن و التي قدمت المبدع كشخص يتنازعه مزاجان؛ذهن ارستقراطي في الذائقة و التأنق و سلوك بروليتاري في البساطة و التعامل.(اشتراكية وايلد أنموذجا).
لاحقا ظهرت نماذج مشابهة و حالمة .بعضها اصبح حركات ثقافة مضادة كالهيبيز و السوريالية النخبوية في فرنساو كلها تتخذ من التمرد الخلاق طريقة تفكير و نمط حياة.
يشير فوكو الى ما يسمى جمالية الاتيكا .و الاتيكا في هذا السياق هي فن الوجود في مقابل الاثيكا او الاخلاق.
انها “حد تحولي” يقلب سلوك الذات من ممارسة آلية الى تقنيات قادرة على اعادة انتاج الذات.
كانت الاتيكا تمثل سلوك الفرد اليوناني حيث الاخلاق غير مقيدة بضوابط اجتماعية و لا معيار فيها للصواب و الخطأ لانها محكومة بجمالية الفعل الفردي و اسلوبيته التي يصوغها الفرد بحسب قدرته و استعداده لان يكون جميلا ،و يعتقد فوكو -ضمنا- ان الاتيكا المستوحاة من اليونان هي البديل الاخلاقي الافضل لانها لا تخضع لخطاب سلطوي يقولب السلوك بل هي اخلاق تتحدد من خلال حرية الفرد في الفعل فكلما تحرر ،كلما امكن له ان يكون اجمل .
استراتيجية القلب النيتشوية التي وضعت الارادة مكان العقل و الجمال مكان الاخلاق اسست لما سمى “علم جمال الحنين” حين ينتزع الانسان الجمال من عمق مأساة الحياة و حولت الجمال من قيمة مجردة الى حدث و فعل علينا تخليقه باستمرار .
في كل ذلك (مع فوكو و نيتشه تحديدا) سعي لتحويل مسار الفلسفة(يندرج الجمال ضمن مبحث القيم في الفلسفة) من المتعالي و المجرد و الخطاب المنغلق على نفسه الى المعيشي و الاعتيادي و اليومي .
بعد ان اصبح كل شىء سطحيا و مبتذلا بسبب العقلانية المفرطة التي حولت الوسائل الى غايات ،طرح الآن تورين -في رؤية رومانتيكية شاعرية – فكرة “اعادة الافتتان بالعالم “حيث تستعيد الذات الفردية مكانتها رغم الضربات المتوالية عليها من فكر ما بعد الحداثة الذي يعتبر الذات مجرد نتاج فج واقع تحت قبضة الايديولوجيات و المؤسسة و علاقات القوة و الضبط الاجتماعي .

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *