العدالة الاجتماعية في ظل الاقتصاد الريعي العراق والنرويج-مثالاً



 بعيداً عن السجال الذي لم يُحسم بين الدولة الريعية والاقتصاد الريعي حول أيهما يولد الآخر ولكن هناك شبه إجماع حول مصدرهما أي إن مصدرهما هو الريع الخارجي، فالاقتصاد الريعي هو الاقتصاد الذي يعتمد في دخوله النقدية على العالم الخارجي كنتيجة لتصدير الموارد الأولية التي تتسم بتذبذبها وانخفاض مرونة الطلب عليها.

وإن اعتماد الاقتصاد في توليد دخوله النقدية بالاعتماد على الريع الخارجي يولد الكثير من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، في حال انعدام الرؤيا الستراتيجية وغياب الإدارة الكفوءة والإرادة الحقيقية لدى أصحاب القرار والمسؤولين الحكوميين. وعلى الرغم من تداخل تلك المشاكل فيما بينها التي يولدها الاقتصاد الريعي، إلا إننا سنركز قدر الإمكان على مسألة غياب العدالة الاجتماعية في ظل ريعية الاقتصاد، مع التطرق إلى المشاكل الأخرى بقدر الضرورة.

أن ارتفاع مساهمة النفط في تمويل تنمية الاستهلاك على حساب تنمية الإنتاج يفضي إلى غياب تحقيق العدالة الاجتماعية ما بين أفراد الجيل الحالي من ناحية(من له علاقة بالحكومة ومن ليس له علاقة بها) وغياب العدالة الاجتماعية ما بين الجيل الحالي والأجيال المستقبلية من ناحية أخرى، وذلك لان النفط هو ثروة ناضبة وغير متجددة، فان عملية استخراجه وتسييله إلى أوراق نقدية وتوزيعها بشكل استهلاكي لكل من له علاقة بالحكومة ستؤدي إلى زيادة رفاهية من حصل عليها مع حرمان الآخرين منها من الجيل الحالي، وكذلك حرمان الأجيال المستقبلية منها بسبب نضوبها أو انخفاض أهميته الاقتصادية بفعل التطور التكنولوجي الباحث عن البدائل التي تغني عن النفط والتي أخذت تتطور شيئاً فشيئاً وما النفط والغاز الصخريين إلا مصداق لهذه البدائل.

في الوقت الحاضر يشكل النفط العنصر الرئيس من الريع الخارجي بالنسبة للبلدان النفطية ومن بينها العراق، ولذا دائماً ما يوصف الاقتصاد العراقي بالاقتصاد الريعي، ولإثبات مدى إتصاف الاقتصاد العراقي بهذه الصفة لا بد من اللجوء إلى بعض المؤشرات الاقتصادية المهمة كالناتج المحلي الإجمالي والإيرادات العامة والصادرات السلعية، ومعرفة مدى مساهمة النفط فيها، فكلما ترتفع نسمة مساهمة النفط فيها كلما يدل ذلك على ارتفاع ريعية الاقتصاد والعكس صحيح. فبالنسبة للمؤشر الأول تتراوح نسبته ما بين 45-55% من الناتج، وأكثر من 90% من الإيرادات العامة والصادرات السلعية كذلك.

وفي ظل هذه النسب التي تؤكد ريعية الاقتصاد العراقي بامتياز، أن أبرز ما يؤكد على غياب العدالة الاجتماعية بين أفراد الجيل الحالي هو تنعم الأفراد الذين يعملون مع الحكومة ولو بشكل نسبي من النفط في حين ان من لا يعمل معها لا يمكن أن يحصل على حقه من النفط إلا بمقابل إظهار ولاءه لها، وبهذه الكيفية فإن مقولة “النفط ثروة عامة للجميع” تصبح فارغة المحتوى ويكون واقع الحال هو “النفط ثروة خاصة بالحكومة ومن يبدي موالاتها”.

ومع ارتفاع نسبة تغطية النفط للنفقات الجارية إلى أكثر من 80%، والتي تشمل تقريبا 3 مليون شخص تحت ما يسمى القوى العاملة الممولة مركزيا 2016، بالإضافة إلى المتقاعدين والرعاية الاجتماعية، فيكون العدد الإجمالي المستفيد من الثروة النفطية حالياً كنتيجة لارتباطه بالحكومة 7 مليون شخص تقريباً، أي ما نسبته 20% من عدد السكان البالغ 36 مليون تقريباً، ولذا فإن أكثر من 80%من أفراد الشعب العراقي لا يتمتعون بحقوقهم من النفط بل يعانون من الفقر الذي بلغت نسبته 22.5% حسب ما أشارت إليه وزارة التخطيط، وكذلك ارتفاع نسبة البطالة التي تتراوح ما بين 30-40%، وأخذت تتفاقم حتى بين أصحاب الشهادات العليا، وسوء الخدمات والبنى التحتية وغيرها.

أما غياب العدالة ما بين الجيل الحالي والأجيال المستقبلية يمكن التأكد منها من خلال ارتفاع نسبة استهلاك الثروة النفطية لصالح الجيل الحالي الذي لم تتحقق العدالة بين أفراده كما أشرنا إليه أنفاً. فالعراق حالياً يمتلك 143 مليار برميل[1] وعلى افتراض أن متوسط الإنتاج سيكون عند 4.5 مليون برميل، فإن عمر النفط لا تتجاوز مدة بقاءه أكثر من 89 سنة، فما بالك إذا ازداد متوسط الإنتاج النفطي أكثر من هذا المعدل؟! أو انخفضت أهميته الاقتصادية قبل نضوبه بفعل إيجاد البدائل المنافسة له.

وما يزيد غياب العدالة الاجتماعية سوءً هو المديونية التي تتحملها الأجيال اللاحقة كعبء اضافي لعدم تمتعها بالحقوق المالية النفطية كنتيجة لنفاذ النفط او انخفاض اهميته او عدم استثماره من قبل الإدارة الحالية بالشكل الذي يضمن حقوق الأجيال اللاحقة، مع تمتع النسبة الأقل من الجيل الحالي بالحقوق النفطية بفعل ارتباطهم بالحكومات التي لا تتطلع إلى الاهتمام بالشعوب ومستقبلها وذلك من خلال استثمار الثروات النفطية في بناء اقتصاد متين يكون قادر على ضمان حقوق الجيل الحالي والأجيال اللاحقة، كما فعلت النرويج وغيرها.

وينبغي ألا ننسى أن غياب العدالة الاجتماعية لا تكمن بذات العائدات النفطية بقدر ما تتعلق بسوء الإدارة لتلك العائدات وغياب الإرادة الحقيقة، وانعدام الرؤيا الاستراتيجية التي من خلالها يتم الوصول إلى بناء اقتصاد سليم وتوزيع عادل للثروات بين الجيل الحالي والأجيال المستقبلية.

 وما يدُل على هذا الكلام هو بعض التجارب الدولية ومن بينها التجربة النرويجية، حيث عملت النرويج على إنشاء صندوق تدار من خلاله العائدات النفطية وذلك بما يسهم في تحقيق العدالة الاجتماعية مع تجنب الاقتصاد النرويجي من الإصابة بالمرض الهولندي، وهذا التجنب من الإصابة بالمرض الهولندي يؤدي إلى استمرار توفر فرص العمل للأجيال الحالية وكذلك تحسين كمية ونوعية الخدمات التعليمية والصحية والبنى التحتية وغيرها، المقدمة لهم.

ويعد بمثابة أداة لإدارة التحديات المالية للسكان المسنين وتراجع عائدات النفط لكن وفق اطارٍ محدود، أي يمكن السحب من الصندوق لتمويل الموازنة العامة عند انخفاض أسعار النفط على أن لا يتجاوز4-3% من عائداته وذلك من أجل الحفاظ على قيمته الرأسمالية، وهو بهذه السياسة يهدف إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بين الجيل الحالي والأجيال اللاحقة.

فالصندوق النرويجي الذي يعرف بـ”صندوق المعاشات التقاعدية الحكومية العالمية” والذي تم إنشاءه في عام 1990 وبدأ الاستثمار الفعلي عام 1990، وتبلغ قيمته الحالية حسب ما اعلن موقعه” تريليون دولار[2]، فهو استطاع أن يحقق العدالة الاجتماعية حيث إن الأجيال اللاحقة تستطيع أن تستخدم أموال الصندوق لصالحها عندما تنفذ الثروة النفطية أو تنخفض أهميتها. أما بين الجيل الحالي فقد يتم استخدام نسبة معينه منه عند حصول الاضطرابات الاقتصادية لضمان حماية واستمرار أداء الاقتصاد، وهذا الاستمرار بحد ذاته هو حماية أفراد المجتمع من البطالة مع توفير الخدمات المذكورة آنفاً.

ففي الوقت الذي تمتلك النرويج ثروة نفطية أقل من العراق، مع الأخذ بعين الاعتبار الفرق في التعداد السكاني، حيث يتجاوز عدد سكان العراق (البالغ 36.936 مليون نسمة)[3] أكثر من 7 أضعاف عدد سكان النرويج (البالغ 5.170 مليون)[4]، إلا إنها استطاعت أن تحقق العدالة الاجتماعية بين الجيل الحالي والمستقبلية من خلال الصندوق السيادي الذي بلغت قيمته التريليون دولار كما أشرنا آنفاً.

بينما العراق وعلى الرغم من ضخامة ثروته النفطية (143.07مليار برميل) التي تشكل أكثر من 27 ضعف ما تمتلكه النرويج الذي يبلغ (5.14 مليار برميل)[5] وكذلك ارتفاع إنتاجه اليومي البالغ 3481000 برميل مقارنة بإنتاج النرويج البالغ 1577.1 إلف برميل يومياً، مع الأخذ بعين الاعتبار الفرق في التعدد السكاني، إلا إنه لا يزال لم يحقق العدالة الاجتماعية، ليس هذا فحسب بل لا يزال يعاني من المديونية حتى وإن يصرح بعض أصاحب الاختصاص إن حجم الديون العراقية لا تشكل خطراً وهي ضمن الحدود المقبولة! لان التجارب الناجحة لا تقبل بهذا المنطق، إذ إن الخيار السليم هو تعويض الأجيال المستقبلية وليس القبول بمستويات متدنية من عبء الجيل الحالي.

غياب الإدارة الكفوءة وضعف الإرادة الوطنية وفقدان الرؤيا الستراتيجية التي تجعل صورة المستقبل حاضرةً أمام الجميع في الوقت الحاضر، هي الأسباب التي تكمن وراء غياب العدالة الاجتماعية.

فالحل يكمن في بناء إدارة كفوءة ذات إرادة وطنية ولديها بعد استراتيجي لمعرفة إلى أين تريد الوصول، مع الاهتمام بتوفير مناخ الاستثمار الذي يشجع القطاع الخاص على دخول الإنتاج الحقيقي وتعويض دخول الدولة فبدلاً من أن تهتم الدولة في دخول دائرة الإنتاج بنفسها واستنزاف الموارد النفطية تستطيع توفير هذه الموارد للأجيال القادمة والاعتماد عليها وقت الضرورة فقط وفقط إطارٍ محدد كما فعلت النرويج.

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *