النموذج التركي ….بين الرفض …والقبول !!!


كافة نماذج الانظمة السياسية تأخذ طابع التأييد او المعارضة ….كما أن هناك من الانظمة السياسية ما يأخذ طابع التأييد المطلق والمتواصل مهما كانت أخطاءه وايجابياته …ومهما كانت حسناته وسيئاته …ومهما تحدثت الوقائع والمعطيات عن حقيقة المواقف والأهداف والمصالح …. لان ما يحكم الموقف من أي نظام سياسي مسألتين هامتين :
أولا : مدي ديمقراطية هذا النظام واستجابته للغالبية العظمي من الارادة الشعبية وحقيقية مواقفه المتوازنة وعلى مسافة واحدة مع كافة الاحزاب والقوي والفعاليات السياسية ….الاجتماعية …والاقتصادية …وحتي صدق مواقفه مع كافة الاطياف والطوائف المكونة لهذا المجتمع .
ثانيا : قدرة هذا النظام على تلبية احتياجات ومتطلبات شعبه وفق منظومة اقتصادية واجتماعية في اطار علاقات داخلية متوازنة ….كما العلاقات الخارجية القائمة على احترام الدول والشعوب وأنظمتها السياسية وعدم التدخل بالشئون الداخلية للدول والالتزام بالقانون الدولي وضوابطه وأحكامه …كما الالتزام بمبادئ حقوق الانسان والحريات العامة والخاصة …ومدي تطبيق القانون وأحكام القضاء وعدم التدخل بهما .
هناك الكثير مما يحكم المواقف من أي نظام سياسي…. ونحن اذ نتحدث بهذه العجالة وعبر هذا المقال عن النموذج السياسي التركي ….فنحن لا نري فيه قدوة ….بعكس ما يري البعض الاخر …بأنه الامل والرجاء .
الموقف من النموذج السياسي التركي ليس كونه نظاما سياسيا يحكمه حزب اسلامي …لكنه بسبب حالة التأرجح …..وعدم التوازن بالقرار السياسي التركي على صعيد العلاقات الخارجية ….كما الخلل الواضح بالقرار التركي الداخلي والذي يأخذ طابع الحدية والدكتاتورية ….وعدم تنفيذ المبادئ الديمقراطية …..واتخاذ الاجراءات التي تؤكد ديكتاتورية النظام أكثر مما تبرز ديمقراطيته .
الديمقراطية ليست شعارات تردد ….وليس محاولة انتخابية والفوز بها ….لكنها ممارسة يجب أن تأخذ منحي متوازن ….وهادف ….علي اعتبار أن الشعب بكافة مكوناته وطوائفه يلزم النظام السياسي بخدمته والتعاطي معه بكل ايجابية ….وفق المبادئ الديمقراطية وقواعد ومبادئ حقوق الانسان .
النظام التركي ومن خلال هذا النموذج الذي حاول تمريره وتسويقه باعتباره نموذجا مثاليا …..وقع بالأخطاء والخطايا …..خاصة ما بعد أحداث تركيا الاخيرة والذي سيحمل هذا النظام موقف دفع الثمن اللاحق بإجراءاته المتخذة ….والتي أكدت من خلال الاعتقالات والاقالات والاجراءات غير القانونية أن هناك حالة من الارباك والتخبط …..كما أن هناك حالة من سبق الاصرار والترصد …..فلا يعقل اجراء الاعتقالات وتحديد القوائم بالألاف من الاسماء خلال ساعات قليلة ….وهذا ما يؤكد النوايا المبيته للنظام التركي في اتخاذه لمثل هذه الاجراءات والتي اوقعته في فخ شر أعماله …واقواله …..بين التغني بالديمقراطية والارادة الشعبية ….وبين الاعتقالات والاقالات وضرب مؤسسة القضاء والمؤسسة العسكرية وقلبهما رأسا على عقب .
الطفرة الاقتصادية ….ومعدلات التنمية …واليات الانتاج ….وحجم الاستثمارات ….كلها مؤشرات اقتصادية تنموية بفعل ارادة الأتراك جميعا …..كما المشاركة الخارجية في حجم تلك الاستثمارات …كما أن نسبة السياحة الي تركيا …وارتفاعها بالآونة الاخيرة ….بحكم اوضاع التوتر وعدم الاستقرار بالعديد من دول المنطقة العربية الجاذبة للسياحة .
أي أن الطفرة الاقتصادية ….وارتفاع معدلات السياحة ….ليست ثابتة بحكم عوامل عديدة …كما أن زيادتها ليس بحكم الحزب الحاكم في تركيا …..ولكنه نتيجة لتفاعل المجتمع التركي بكافة قطاعاته الصناعية ….التجارية ….الاستثمارية ….والسياحية ….والتي احدثت مثل هذا التطور الذي لا يثبت على حال بحكم ما جري ويجري من اجراءات وأحداث .
ليست مشكلة تركيا أن ما يحكمها هو حزب اسلامي ذات خلفية اخوانية …..ولا يشكل هذا هاجسا او مشكلة للمراقبين والمحللين ….والمتابعين للشأن التركي والعربي لكن المشكلة تكمن بمحاولة هذا النظام الخروج عن اطار الحدود …..ليدخل بحدود غيره ….وأن يخرج من شأنه الداخلي ليتدخل بشئون الاخرين ….أن يري في مواقفه الصواب ….والخطأ كل الخطأ بمواقف الاخرين الذين لا يتحلون بذات الفكر السياسي ….والمنطلق الايدلوجي واليات الحكم .
احترام الدول وشعوبها وأنظمتها ….وعدم التدخل بشئونهما الداخلية يعتبر مدخلا اساسيا وهاما بالعلاقات الدولية التي يمكن البناء عليها وهذا ما افتقده النظام التركي الذي جعل من العداء سيد الموقف مع أقرب الجيران من العرب في سوريا والعراق …..كما جعل من سياسة العداء سياسة قائمة ومستمرة مع أكبر دولة عربية لها وزنها وثقلها …..مكانتها الاقليمية والدولية .
مصر العربية ليست بحاجة الي الرضي العثماني التركي …..كما ليست بحاجة لاعتراف تركيا ….لكن المراقبين للأمور والمتابعين لمجريات الاحداث ….والقارئين للتاريخ يدركون ويؤكدون أن تركيا وغيرها من الدول بحاجة الي مصر ….هذه الحقائق السياسية تدركها الدول والانظمة وخاصة دول الاقليم لما لمصر من سياسة واضحة ومتوازنة بعدم تدخلها بالشئون الداخلية للدول ….كما رفضها بالتدخل بشئونها الداخلية ……كما أن قوة مصر واستقرارها ينعكس بالإيجاب على مجمل دول المنطقة …..باعتبار أن الامن القومي العربي لا يتجزأ …ولا يختزل ….وبالتالي فان التدخل التركي في الشأن السوري والعراقي يمس بالأمن القومي العربي …وبالتالي يمس بالأمن والمصالح العليا للأمة العربية وعلى رأسها مصر .
النموذج التركي ….نموذج صدامي عدائي قائم على التحالفات المنغلقة على حالها ….وفق أولويات ومنطلقات فكرية ايدلوجية …..تحاول أن تجد طريقها في دول المنطقة التي تقف سدا منيعا أمامها ….بمعني أن تركيا لا تخرج عن اطار الحلف الضيق …..وحتي عن اطار الحلف الاوسع بزعامة أمريكا وحليفتها اسرائيل …..مهما استمعنا للخطابات الرنانة …..والشعارات الكبيرة ….التي لا تغير ولا تبدل من حقيقة المواقف …وجذورها .
من هنا فالنموذج التركي كان بإمكانه كأحد دول الاقليم أن يكون أقوي مما هو عليه ….بعلاقات متوازنة ….وأن يحقق ما يتمني في نظرته ومشاركته للاتحاد الاوروبي …وما يمكن أن يحقق من استفادة من تجارة دولية مع الاتحاد ….كما استفادته من مجمل علاقاته مع الدول العربية .
تركيا دولة صناعية ومصدرة للعديد من المنتجات ….كما أنها دولة سياحية يزورها الملايين من السائحين ….أي أن تركيا ملزمة حتي وفق مصالحها العليا بإقامة علاقات طيبة مع الجميع …كما أنها ملزمة لمصالحها العليا لتحقيق أعلى درجات الامن والاستقرار ….كما أنها ملزمة بحكم مصالحها أيضا على تعزيز الديمقراطية والتعامل مع كافة الطوائف التركية على ذات المسافة سواء كانوا مؤيدين للنظام أو معارضين له.
تركيا ومصالحها يجب أن تؤكدها بسياستها الداخلية والخارجية …وأن لا تجعل من حزبها الحاكم انحرافا عن مصالحها وسياستها المتوازنة والمطلوبة …..فالأكراد قوة وعددا وطائفه لهما وزنهم وفعلهما داخل تركيا …وحتي داخل الدول المجاورة العراق وسوريا ….فكيف يمكن لنظام سياسي أن يقيم العداء للملايين من أهله ؟؟!! ….ربما قصور سياسي …وربما ايضا محاولة لاجتزاء الصورة ….وعدم القدرة على رؤية المشهد بأكمله ….مما ينعكس بالسلب على الحزب الحاكم الذي يبدي مواقفه بصورة منفردة….. ليؤكد نهج الاستفراد والتحكم من خلال القبضة الحديدية والتي لا تبني مجدا …..ولا تعمر بلادا …ولا ترضي شعبا …بل نتيجتها معروفة وواضحة ….والتاريخ قارئ لنتائجها ….ومؤكدا عليها .


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *