الوقتُ مُشْبَعٌ بالثرثرة



أنا لا أحبّ تتابع السنواتِ
وأكره الروزنامةَ والأجندةَ
وتاريخَ ميلادي وأعيادَ ميلادِ الأصدقاءِ والقربى
وذكرياتِ حبيبتي المبتعدة!
وأكره يومين آخرين بعيدين قريبينِ؛
الأولَ من ينايرْ
والآخيرَ من شهرِ ديسمبرْ!
وأنسى طوالَ العام هذا المفترسَ الأكولَ
يقضمني يوما فيوماً
ويجعلني محتاجاً لمراجعة الطبيب أكثرَ
أكثرَ من أيّ عامٍ مضى
وتقلُّ بعد قليلٍ شهوتيَ المعتادةَ
وشهوتي للحب تأخذ بُعدا افتراضيّاً مريضاً
وأكون مضطراً وأنا أرى تجاعيد وجهي والأبيض في شعر رأسي وجسمي
وتساقط الشعر عن ساقيّ وصدري
أشعر أنني صرت أقرب للعدمْ
فلا أفكر بالساعةِ والتاريخْ

وبعد أنْ صرتُ فوق الأربعينْ
أكره أن أجالس العجائز المفخخينَ بالحكمةِ الزائدةْ
أهربُ نحو أفلام الرعب والموسيقى الصاحبةِ وأفلامِ (البورنو)
والكثير من الأفلام الهندية الراقصةْ
وأسمع أكثرْ
أليسا وهيفا وعاصي وراغبْ!
وتقلّ رغبتي بفيروزَ وأمِّ كلثومٍ وأفلام السينما القديمةْ!
وأكره كتب “البيان والتبيين” و”الأمالي” و”أدب الكاتب” و”مقدمة ابن خلدون” وكتبَ التفسير!
أهرب نحو الأساطير والكتب الخفيفة
والنكت التافهة وحكايات الحشاشينْ
وأصادقُ جحا وأشعبَ
وأستمعُ إلى الكوميديا
وأشاهد بنهمٍ كبيرْ
مسرحيات “الزعيمْ” و”سيدْ زيّانْ” و”سميرْ غانمْ”
وأضحكُ أكثرَ مما ينبغي لعمري أنْ يضحكْ
أضحكُ حتى البكاءْ
وأنام مرتاحاً لا أفكر ببداية العامِ
ولا بنهايتهْ
وأصحو باكرا جداً أصلي الفجر قبل الضوءْ
وأكتب فصلا جديدا من قصيدتيَ الغزلية
وأبعث عبر البريدِ مغازلاتيَ المعتادةَ الشرحِ والشكوى!
وأنتظر الردّ من امرأة أقول لها، كأنّني ابن عشرين عاماً،
بشغفٍ وارتباك مع كثير من سوء النية الطيبة:
“أحبك”
وأنسى أنني قد صرت فوق الأربعين
فلا أريد أن أكبرَ
ولا أحزنْ
ولا أنْ أصبح فيلسوفاً أو حكيماً أو شخصاً جديراً بإمامةِ الناسِ في المسجدْ
أو تقديم الفتوى للمحتلمين مع زوجاتهم!
أريد أن أنسى هذا العالمَ والتاريخ والأجندةْ
وأظل كما كنت مراهقا لا يستولي علي النضوجُ والاتزان!

لذلك كله أرى الشتاء ثقيلا كمعطف ومنعطف حادّ
والصيف أقل جنونا من نسائمه الخفيفة الهبوبْ
والربيع خادعاً وخذولاً
والخريف بداية موتْ
والنوم مضيعةٌ للوقتْ
وسأنسى عن عمدٍ تعاقب الليلِّ والنهارْ
ولذلك أيضا سأحبك أكثرْ
وأهبُك قصائدَ أكثرَ حيويةً ومشاغبةْ
لتشعري مثلي بأنك ما زلت طفلةً
لم تبلغي مثلي حدّ الأربعينْ
تبحثين عن قطعة حلوى مع كل قصيدة حبّ صباحية!
عندها لن أشعر أنني في الأربعين من عمري
وسأنسى الأجندة والروزنامة وأتابع يومي بصخبٍ جمّ!
31-12-2015


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *