امرأة العمر الواحد



مادونا عسكر/ لبنان

قراءة في القصّة القصيرة “امرأة اللّيلة الواحدة” للكاتب فراس حج محمد.

 

أولا: القصة:

امرأة الليلة الواحدة

تعرّينا بشكل كامل، وعند منتصف الليل جئنا على موعدنا المتّفق عليه، تناولنا لأول مرة على مهل تلك الشهوة المختزنة، كانت ناعمة كأنثى خاصة، برائحة خاصة، تسلقتها وتسلقتني، أكلتها وأكلتني، تبادلنا المواقع والأوضاع. تحسستني من أسفلي حتى أعلاي، ودرستُ جبالها وأوديتها ومنعطفاتها بهدوء شرس.

كنتُ محتاجا لأبكي مرات وأنا بين ذراعيها، وهي كانت بالفعل تبكي وهي بين ذراعيّ. فتحتْ شهية الحديث على آخرها، أخرجت كلّ ذلك المحتقن في داخلها. تسرد قصتها وأوجاعها، وتبدل أحوالها.

في تلك الليلة الممتدة من منتصفها حتى ساعات الفجر الأولى، لم تترك شيئا إلا وتحدثت به، كانت عارية تماما، وكنت متحررا أنا كذلك مما يعيق الكلام وحريته، كانت في تلك الليلة حرّة، وكنت كذلك حرّا.

كانت امرأة شرسة وهي تمارس كل جنونها ومجونها معي. تسألني: هل تشعر بالذنب؟ فأجبتها: وأيّ ذنب أكبر من ذنب هذه الحياة التي جعلت كلانا موجوعا مهموما عطشا، يعاني ما يعاني من جوعه وسهره وقلة حيلته؟ تنقضّ عليّ كلبؤة مرةّ بعد مرة. أملأ كأسها أربع مرات، وتملأني. تشرب دون أن تسكر سكرها الذي يفقدها توازنها الأخير. فلم تعطِ موعدا آخر للقاء قريب.

كانت أحيانا بين كل كأس وآخر تبكي وتتحدث. تضحك وتسرد، تصمت وتشرب، تأكل مني وتتابع، وأنا كنت أقودها نحوي بعنف ذكوريّ لم تعهده منذ سنوات. تشتاق لأن تكون لي، وتكون معي ولو لليلة واحدة. ولكنها تحذّرني من إعادة الكرة مرّة أخرى.

– هي ليلة واحدة. خذ فيها ما تشاء وكن فيها ما تشاء. سأغيب بعدها ولن تظفر بي. فلا تحاول الاقتراب مني. فلو وقعتَ ثانية بين يديّ لن أرحمك.

كنت أسمعها وهي بكل اصطلاء نفسها بشهوتها الحارقة الملتهبة. كانت معي، وكنت معها. وكنتُ أراودها عن نفسها في مرّة أخرى. وهي لا تستجيب غير أن تكون أنثاي ليلة واحدة فقط. ستنسلُّ وتهرب. ولن تعود. حذّرتني وهي تشتعل باكية مرة وضاحكة مرة ومتولهة تسيل خلاياها مرة ثالثة.

اقترب موعدنا من الذبول. لم أكن نعسا، ولم تكن تعبة، كانت تريد المزيد من الكؤوس. لم يكن باستطاعتي أن أملأ كأسها لخامس مرة. ودّعتني وهي تضمر غيابا قاسيا، وأنا ودعتها بخوف من الفراق العديم الفائدة. تطلب قبلة أخيرة لختام تلك الليلة. منحتني قبلتها الممتدة ومنحتها قبلة موجوعة بالخوف. انطفأنا كشمعتين وصلتا إلى منتهى الطريق.

ها هي غائبة الآن، وقد تركت شراشف الليل غرقى بالندى والعرق والماء. لم تحاول ترتيب الفراش، تركته فوضويا كأرواحنا المتعبة، ولم تعد إلى ذلك الفراش لليلة أخرى لتملأ ما فرغ من كأسها وليسكن ما تلظى من دمائها. وتركت دمائي فائرة فيّ تتصبب عرقا على بقايا ليلة كان عمرها ثلاث ساعات ليس غير.

ثانيا: القراءة

بنى الكاتب فراس حج محمد  قصّة (امرأة الليلة الواحدة) على الرّمزيّة المضلّلة، وتعمّد استخدام مصطلحات دلاليّة مرادفة للعلاقة الحميمة بين الرّجل والمرأة، ليخلق نوعاً من الإبداع السرّياليّ/ Surréalisme أو الفواقعيّة أي “فوق الواقع” . فانطلق من الواقع الجسدي ليعبّر عن عالمه الخاصّ الدّاخليّ والباطنيّ.

تسيطر الرّمزيّة على النّص بل تحكمه. وللوهلة الأولى ينتاب القارئ إحساس بلقاء فعليّ بين شخصين، ما يلبث أن يبدّله الكاتب وينتقل به إلى الضّفة الأخرى من الحلم. وإذ نستخدم مصطلح (الحلم)، نعتمد على ما ورد في القصّة من دلالات زمنيّة (في تلك الليلة الممتدة من منتصفها حتّى ساعات الفجر الأولى). ترمز هذه المرحلة الزّمنيّة إلى فترة النّوم، أو التّأمّل، أو الخلوة مع الذّات، ما يكشف لنا رمزيّتها، ويمكّننا من ربطها بالحلم أو العقل الباطن، وبالتّالي ينتفي واقع العلاقة الّذي حاول الكاتب الإيحاء بها. ولمّا كان الحديث عن كشف لما يدور في باطن الشّاعر اعتبرت الرّمزيّة أساساً في النّصّ يُعتمد عليه لكشف مقاصده.

يكثّف الكاتب استخدام المصطلحات المرتبطة بالعلاقة الجسديّة الحميمة المدعّمة بالرّمزيّة، ما ستظهره لنا اللّغة الأدبيّة، إن من ناحية المعنى الأوّل الحقيقيّ وإن من ناحية المعنى المجازي. وما العبارات الدّلاليّة (امرأة الليلة الواحدة، تعرّينا، الشّهوة المختزنة، تبادل المواقع والأوضاع، الكأس…) سوى تركيز على الإبداع التّضليلي وتكثيف للصوّر الرّمزيّة بهدف تعميق الفكرة الأساسيّة الّتي تدور حولها القصّة، ألا وهي لقاء مرجوّ غير قائم واقعيّاً.

كان يمكن للكاتب أن يسرد أحداث القصّة ويعبّر عن هواجسه ومكنوناته بعيداً عن الرّمزيّة والإيحاءات الجنسيّة، إلّا أنّ اللّغة الأدبيّة ستبدو باهتة وعاديّة. ما يؤكّده الحوار الافتراضي التّالي: (تسألني: هل تشعر بالذّنب؟ فأجبتها: وأيّ ذنب أكبر من ذنب هذه الحياة الّتي جعلت كلانا موجوعاً مهموماً عطشاً، يعاني ما يعاني من جوعه وسهره وقلة حيلته؟). الشّعور بالذّنب مرتبط ارتباطاً وثيقاً بعدم اللّقاء، أو البعد بين الطّرفين. فنشهد حالة ضمنيّة للكاتب تعبّر عن رفض للواقع، للحياة، للظّروف القائمة والممانعة للّقاء. وبالتّالي بحث الكاتب في لغته السرياليّة الخاصّة عن واقع أقوى من واقعه وأشدّ تأثيراً.

سبق التّعرّي المجيء المتّفق عليه. وبالتّالي فالتّعري الكامل يشير هنا إلى قدرة الخيال على استيعاب اللّقاء بين الطّرفين. وهو مرادف للتّحرّر استناذاً للغة الكاتب (لم تترك شيئاً إلا وتحدثت به، كانت عارية تماماً، وكنت متحرراً أنا كذلك مما يعيق الكلام وحرّيته، كانت في تلك اللّيلة حرّة، وكنت كذلك حرّا.). فالعري والتحرّر يترادفان ليبيّنا تفلّتاً من كلّ عائق، أو حاجز ماديّ أو روحيّ لتتشكّل لدينا فكرة انتفاء اللّغة الجسديّة ويتعزّز مبدأ الحلم. كما تترادف الشّهوة مع التّحرّر بشكل أو بآخر فالكاتب لم يقطع فكرة التّحرر بل واصل جملته حتّى النّهاية. والشّهوة لا تحتّم حصول اللقاء الحميم، لأنّ الاشتهاء ليس مقتصراً على الجسد. الشّهوة هنا تشير إلى الشّوق المشتعل بين الطّرفين حتّى حدوث اللقاء. يؤكّد المعنى عنصر البكاء في القصّة الدّالّ على ألم الشّوق والبوح. وما الجملة التّالية (تنقضّ عليّ كلبؤة مرةّ بعد مرة. أملأ كأسها أربع مرات، وتملأني. تشرب دون أن تسكر سكرها الذي يفقدها توازنها الأخير. فلم تعطِ موعدا آخر للقاء قريب.)، سوى حركة استفزاز لمشاعر المحبوبة لدفعها إلى البوح إلّا أنّها تبدو أكثر إتقاناً للصمت. (تأكل مني وتتابع، وأنا كنت أقودها نحوي بعنف ذكوريّ لم تعهده منذ سنوات.).

وبالإشارة إلى الأكؤس الأربعة، نحن أمام دلالة على عناصر الطّبيعة الأربعة (التراب، والماء، والهواء، والنّار) يشير إليها الرّقم (4) كدلالة رمزيّة. كما أنّه يمثل الارتكاز أو اكتمال القاعدة المادية وحضور الوعي.  فالكاتب ممسك بما بين يديه أو ما يقوى عليه ألا وهو الواقع، وأمّا ما يرجوه فغير ممكن، (لم يكن باستطاعتي أن أملأ كأسها لخامس مرة.). لفظة خمسة ساميّة مشتركة وتعني في اللّغة السّريانيّة القبض على الشّيء، ما يدعم ما سبق وذكرناه عن انتفاء قدرة الكاتب على تحقيق هدفه.

يشكّل القسم ما قبل الأخير من القصّة ما يشبه اللقطة التّأسيسيّة  الّتي تحدّد اتّجاه الشّخصيات في المشاهد السّينمائيّة/ Master scene. وهنا ينقلنا الكاتب فعليّاً من الرّمزيّة إلى الواقعيّة ليحدّد اتّجاه مشاعره، وهواجسه وأفكاره. (اقترب موعدنا من الذبول.) هذه الجملة بدّلت مسار النّص، بل سيصطدم بها القارئ لأنّها لا تشير إلى ذروة العلاقة الحميمة لا من بعيد ولا من قريب. ويسدل الكاتب السّتارة على حلمه دون أن يمسك القارئ بخيوط الواقع. دليل آخر على انتفاء العلاقة الجسديّة الواقعيّة، وتعزيز فكرة الحلم أو التّوق إلى لقاء مرجوٍّ.

امرأة اللّيلة الواحدة هي امرأة العمر الواحد، امرأة وحيدة/ unique. تمسك العمر من بدئه حتّى منتهاه، وتستحوذ على كلّ خطوة فيه، لكنّها أشبه بحلم، أو رؤيا بعيدة، تقترب حدّ الابتعاد وتبتعد حدّ الاقتراب. (ها هي غائبة الآن، وقد تركت شراشف الليل غرقى بالندى والعرق والماء. لم تحاول ترتيب الفراش، تركته فوضوياً كأرواحنا المتعبة، ولم تعد إلى ذلك الفراش لليلة أخرى لتملأ ما فرغ من كأسها وليسكن ما تلظى من دمائها. وتركت دمائي فائرة فيّ تتصبب عرقاً على بقايا ليلة كان عمرها ثلاث ساعات ليس غير.) ويظلّ الكاتب واثقاً متحيّراً، مدركاً مرتبكاً، تجتمع في رؤاه كلّ الأضداد ولا يعود إلى مكانه هانئاً فالانتظار والرّغبة بلقاء حتميّ يحيطان بوجدانه، ويقضّان مضجعه، ويؤرقان لا وعيه.


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *