بين غزة والقدس ذاكرة فلسطينية ومقاومة


سئلت امرأة يهودية عن حالها بعد أحد عشر عاماً من رحيلها عن بيتها في مستوطنة “قوش قطيف” في قطاع غزة، فقالت: ليس يهودياً من لا يحلم، وأنا يهودية أحلم بالعودة إلى بيتي في المستوطنة، رغم يقيني أن هذا الحلم صعب المنال في هذه المرحلة، ولكن الصعوبة لا تمنعي من مواصلة الحلم، وسأظل أحلم بالعودة إلى المستوطنة، ولو بعد حين.
المرأة اليهودية تحلم بالعودة لاحتلال قطاع غزة، والعيش فيه بعد طرد سكانه، والمرأة الفلسطينية تحلم بالعودة إلى أرض آبائها وأجدادها التي اغتصبها الصهاينة قبل عشرات السنين، وما بين الحلم بالعودة لاغتصاب الأرض، والحلم بالعودة وتحرير الأرض تتسع المساحة التي لا يقطنها إلا العدوان، وتقترب المسافة التي لا تقطعها إلا المقاومة، بعد أن أثبتت التجربة أن العدوان والمقاومة ضدان يسخران من أي مشروع تفاوضي يسعى لأن يفرق بينهما، فالعدوان يصبح شرعياً بلا مقاومة، والمقاومة تفقد شرعيتها بلا عدوان.
قبل أحد عشر عاماً، حين قرر رئيس الوزراء الإسرائيلي “أرئيل شارون” الانفصال عن غزة، والانهزام من طرف واحد في مثل هذا التاريخ 15/8/2005، فقد كان بذلك القرار أحادي الجانب قد انصاع لتعليمات المقاومة الفلسطينية، التي أجبرت جيشه على الفرار، وإن ادعى عكس ذلك، فقد أثبت الواقع في حينه أن المقاومة قد امتلكت ناصية المبادرة والمباغتة، وباتت تحفر الانفاق من تحت مواقع الجيش الإسرائيلي، وتقوم بتدميرها صباحاً، وأضحت المقاومة تطلق القذائف الصاروخية التي دوت فوق رأس المستوطنين الذين ماتوا رعباً، وتمنوا الرحيل حرصاً.
ورغم المشككين بانتصار المقاومة، والعابثين بقدرات الشعب الفلسطيني المقاوم، فقد تأكد الانهزام المذل للجيش الإسرائيلي أمام المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة سنة 2005 من خلال ثلاثة حروب متتالية شنها الجيش الإسرائيلي نفسه على قطاع غزة في غضون عشرة أعوام، استخدم خلالها كافة أنواع الأسلحة الأمريكية المتطورة، لتكون النتيجة المعلنة هي هزيمة الروح المعنوية للجيش الإسرائيلي، وسيطرة إرادة الحرية التي سكنت روح الشعب الفلسطيني.
إن انكسار شارون المتطرف أمام المقاومة ليقدم الدليل الشافي على الطريق الذي يجب أن يعتمده الشعب الفلسطيني خياراً لنيل حقوقه، ولاسيما أن طريق الاحتكام إلى المجتمع الدولي، والحق التاريخي، والقرارات الدولية قد أثبت فشله، وفق ما تؤكده الوثائق التاريخية التي تقول:
سنة 1929، وأثناء الانتداب البريطاني على فلسطين تفجرت ثورة البراق في كل أنحاء فلسطين، وكان السبب في الثورة التي قتل فيها 123 يهودياً، واستشهد فيها 116 عربياً، هو محاولة اليهود الاقتراب من مدينة القدس، ومحاولة مجموعة من اليهود أداء شعائرهم الدينية في المكان الذي يسميه المسلمون حائط البراق، والذي يسميه اليهود “حائط المبكى”.
لقد أجبرت الثورة العربية بريطانيا العظمي على تشكيل لجنة تحقيق دولية محايدة تقول كلمتها في ملكية حائط البراق، وقد ترأس اللجنة في ذلك الوقت وزير خارجية سويسرا، وكان نائبه مسئول كبير في البنك الدولي من أصل سويدي، لقد درس الرجلان كل الملفات وعشرات الوثائق التي قدمت من الطرفين، واستمعا لشهادات اليهود والعرب عدة أشهر، ليصدر قرار اللجنة الدولية المحايدة يقول: إن ملكية حائط البراق تعود إلى المسلمين، وأن حائط البراق أرض وقف تعود ملكيته إلى عائلة “بومدين” الجزائرية، وأن حائط البراق جزء من حي المغاربة. وعلى ذلك انتهى تقرير اللجنة الدولية الذي قدم إلى عصبة الأمم، التي احتفظت بالتقرير في أدراجها التاريخية دون أن تغير من الواقع القائم شيئاً.
معلومة تاريخية: لقد أزيل حي المغاربة العربي عن الوجود بعد يومين من احتلال القدس في يونيه 1967، وتم هدم 108 بيتاً عربياً، أقام اليهود الصهاينة الغزاة مكانها ساحة واسعة، تعرف اليوم باسم “ساحة حائط المبكى”.
حقائق تاريخية: الجيش الإسرائيلي الذي أزال حي المغاربة من القدس سنة 1967 حين كان منتصراً، هو نفسه الجيش الذي أزال مستوطنة غوش قطيف اليهودية من غزة سنة 2005 حين صار مهزوماً، وأزعم أن هذا خير شاهد ودليل على طريق الاندثار أو الانتصار.


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *