تعويم الجنيه والنتائج المترتبة على ذلك وأثرها على الاقتصاد المصري


تعتبر آلية سعر الصرف العنصر المحوري في اقتصاد المالية الدولية، وهذه الأهمية مصدرها تعقد مشاكل التمويل على المستوى الداخلي والخارجي، خاصة بالنسبة للبلاد السائرة في طريق النمو، التي تتميز بانحصار إمكانيات موارد التمويل الذاتي بصفة خاصة والتمويل الداخلي بصفة عامة.
إن آلية سعر الصرف تعتبر عنصر القطب في الفكر المالي الحديث نظراً لما تكتسبه من أهمية بالغة في تعديل وتسوية ميزان المدفوعات للبلاد السائرة في طريق النمو، والتي تتميز بوجود عجز هيكلي مزمن تبعا للسياسات الاقتصادية الكلية في مجال التنمية المتبعة حيث ينظر إلى حركة رأس المال الأجنبي كمحرك أساسي في عملية تمويل الاستثمارات وكذا الاستهلاك الخاص بقطاع العائلات والمشاريع.
وقد أصبحت أنظمة أسعار الصرف المتعارف عليها، كسعر الصرف العائم والثابت عاجزة عن إيجاد فعالية التوازن في ميزان المدفوعات للبلدان النامية، وبالنظر إلى سياسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية الغير متوازنة والمتكافئة تعرف ثقل المديونية الداخلية والخارجية المتزايدة، وإن المنظمات المالية والنقدية الدولية تقترح التخفيض في حجم هذه المديونية وتبعا لذلك التحكم في ميكانيزم أسعار الصرف لإيجاد حلول ناجحة لعملية التنمية.”تعويم” الجنيه، يعنى أن يتم ترك السعر في السوق الرسمية بالبنوك العاملة في السوق المحلية، ليتحدد وفقًا لآليات العرض والطلب – قوى السوق- ،
– كمثال المستوى الحالي للسعر في السوق السوداء والذي يصل إلى 13 جنيه للدولار وهو ناتج عن تفاعل العرض والطلب إلى جانب جزء من المضاربات – ، ولا يتدخل البنك المركزي في تحديد السعر، في حين يعنى “التعويم المدار” أن يتم خفض عنيف لمستوى السوق السوداء ثم بعدها يتدخل البنك المركزي في السعر جزئيًا.
أنه عندما يتحول البنك المركزي من تحديد سعر الصرف الأساسي الذي تحاذى عليه البنوك، ويكون لديها هامش محدد للحركة أعلاه أو أدناه في حدود ثلاثة قروش، عندما يتحول من هذا النموذج الذي هو أقرب للتعويم المُدار الذي يبقى تحت التحكم والسيطرة من البنك المركزي، إلى عروض البيع والشراء في السوق ليتحدد السعر بناء على العرض والطلب، لان ذلك يعنى بدء التعويم الكامل للجنيه “تحديد سعر صرفه مقابل العملات الأخرى بناء على التفاعل الحر تماما بين العرض والطلب عليه”
ولو أقر البنك المركزي قاعدة قابلية تحويل الجنيه في كل العمليات الجارية والرأسمالية والتحويلات، يكون التعويم قد اكتمل. و أنه في كل الأحوال، فإن تراجع الجنيه سيعنى موجة من ارتفاع الأسعار لأن كل السلع المستوردة ” قيمتها 350 مليار جنيه في العام المالي الأخير” وضمنها السلع الأساسية سترتفع أسعارها بنفس نسبة انخفاض الجنيه أمام الدولار وباقي العملات الحرة.
 وأن موجة ارتفاع الأسعار السلع المستوردة ستتبعها السلع المحلية المناظرة أولا ثم كل السلع، لان هذه الموجة التضخمية القادمة سيعانى منها الفقراء والطبقة الوسطى والتحديد كل من يعملون بأجر، حيث تتحرك أجورهم بمعدلات أدنى من الارتفاعات السريعة في الأسعار، وبالمقابل فإن شركات الصرافة المملوكة في غالبيتها للإخوان والسلفيين، حيث كانت رموزهم ضمن تجار العملة في السوق السوداء في زمن تجريمها، سوف تتزايد ثرواتهم تبعا لحجم ما بحوزتهم من دولارات وعملات حرة، حيث سترتفع قيمته مقدرا بالجنيه المصري
تفيد النظرية الاقتصادية الكلاسيكية أن تخفيض سعر الصرف من شأنه أن يحفز الصادرات ويحسن من وضع الميزان التجاري بالحد من الواردات، وهى أمور قد تنطبق على الحالة المصرية وقد لا تنطبق ذلك أنه من غير الواضح ما إذا كانت الصادرات المصرية تتمتع بالمرونة اللازمة للتوسع والاستفادة من الميزة التنافسية التي يمنحها تخفيض سعر الصرف، خاصة أن نحو نصف الصادرات المصرية من المواد الخام البترولية، وهذه تشهد انخفاضا مع انخفاض أسعار البترول العالمية.
صحيح أن الصادرات المصرية في أعقاب تعويم الجنيه في ٢٠٠٣ قد شهدت ارتفاعا كبيرا في الفترة بين ٢٠٠٤ و٢٠١٠ بحيث نمت الصادرات الصناعية بمقدار ٢٠٪ تقريبا سنويا، ولكن من الصعب الحكم بأن تعويم الجنيه قد كان هو العنصر الفاصل خاصة وأن ثمة عناصر أخرى كانت قائمة على رأسها سياسات دعم الصادرات والوضع الاقتصادي العالمي الأفضل قبل الأزمة المالية في نهاية ٢٠٠٨. وإنه يتوقع الوصول بسعر صرف الجنيه إلى السعر وجذبه للاستثمار في مصر وتوفير استقرار اقتصادي يتمثل في توحيد سعر الصرف بالبلاد. إن المستثمر الأجنبي يضع أمامه عدة مؤشرات اقتصادية قبل الاستثمار في أي دولة ومنها نسبة عجز الموازنة والاحتياطي النقدي وقانون الاستثمار
والأول والثاني متدهوران في مصر، والثالث يجري إعداده منذ أكثر من عام. ووصل الدين الخارجي للبلاد حتى منتصف عام 2014 وفقا لآخر بيانات من البنك المركزي المصري إلى 46.067 مليار دولار، أي أنه يعادل ثلاثة أضعاف احتياطي البلاد الدولية، كما أنه يمثل 16% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، ويصل نصيب الفرد من الدين الخارجي إلى 506.4 دولارا. وبلغ الدين العام المحلي للبلاد نحو 1.816 تريليون جنيه (254 مليار دولار) وذلك حتى نهاية شهر يونيو الماضي هي حالة التعويم الحر دون أي ارتباط ويتم هنا تحديد سعر صرف عملة البلد في سوق صرف حرة باستمرار فليس هناك سعر صرف ثابت بين هذه العملة وعملة التدخل أو أي سلة من العملات وإنما يتغير السعر بسوق الصرف يوميا حسب تقلبات العرض والطلب، تتأثر هذه التقلبات بدورها بالتوقعات والحاجيات المختلفة للمتعاملين في السوق من جهة وبالمؤشرات الاقتصادية والنقدية للبلد من جهة أخرى، وقد تتدخل السلطات النقدية أحيانا وعند الضرورة للحيلولة دون المبالغة في المضاربات والحفاظ على النظام في المعاملات المصرفية داخل السوق.
وتنسجم هذه التوقعات مع ما قاله بنك الاستثمار “فاروس” الأسبوع الماضي، حيث توقع خفض قيمة الجنيه أمام الدولار، قبل اجتماعات لمسئولين مصريين مع ممثلين لصندوق النقد الدولي من المقرر عقدها الجمعة المقبل. وتقع مصر تحت ضغط الشروط التي وضعها صندوق النقد الدولي لمنحها قرضا بقيمة 12 مليار دولار على مدار ثلاث سنوات، ومنها مرونة سعر صرف العملة المحلية بما يتوافق مع قيمتها الحقيقية.
 أن قرار تعويم الجنيه لن يحل أزمة العملة بقدر ما سيزيد الأوضاع سوءا، وسوف يؤدي ارتفاع جنوني للأسعار وزيادة كبيرة في الدين الخارجي. و إن هذا كله سيؤدي إلى تدهور الوضع المعيشي للمواطن الذي لم يفق بعد من إقرار ضريبة القيمة المضافة الذي ترتب عليه ارتفاع أسعار بعض السلع بنسب تصل إلى 30%.و أن سبيل الخروج من الأزمة التي يعانيها الاقتصاد المصري هو زيادة الصادرات المرتبط تحققها بمناخ سياسي مستقر.  و أن الأمر مرهون بقدرة القطاع المصرفي الرسمي على تلبية كامل احتياجات المستوردين من العملات الأجنبية، و إن “هذا أمر صعب بالنسبة للبنوك التي تعاني من عجز في توفير العملات الأجنبية”.و أن الأزمة تتفاقم مع تراجع حصيلة الموارد الرئيسية للنقد الأجنبي من سياحة واستثمار أجنبي مباشر ودخل قناة السويس والتصدير، و أن البنك المركزي سيعتمد في اتخاذه قرار خفض الجنيه على القروض المرتبطة بفوائد ومواعيد سداد. أما تداعيات خفض قيمة الجنيه أمام الدولار مرة أخرى هذا العام فتشمل زيادة تكلفة الواردات؛ مما سيؤدي إلى موجة جديدة من غلاء السلع في بلد يستورد نحو 60% من احتياجاته الغذائية

    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *