ثيمة ” الرؤيا “و دلالتها في مسرحية ( لا تقصص رؤياك) لإسماعيل عبدالله..


هايل المذابي.

هايل المذابي.

تطالعك مسرحية ( لا تقصص رؤياك) للكاتب الإماراتي إسماعيل عبدالله والتي أخرجها محمد العامري و كانت ضمن عروض الدورة الثامنة من مهرجان المسرح العربي المتنافسة على جائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي للعام 2016 والذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح و تستضيفه الكويت.. يطالعك من عنوان المسرحية (لا تقصص رؤياك) بتناص جريء مع قصة يوسف عليه السلام و قول يعقوب له (لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك إن الشيطان للإنسان عدوٌ مبين) ليتضح أن الكاتب يستعير هيكلا تاريخيا و نفخ فيه من روحه ليتحدث من خلاله بما لا يجب الإفصاح عنه إلا بهذه الطريقة ثم يستخدم كل الرموز الممكن استخدامها وتوظيفها في العرض في قصة يوسف و بعيدا عن موضوع السينوغرافيا و الديكور و الإضاءة التي كانت جميعها متناغمة مع مضمون العرض و إيديولوجياته نقف على نقطة القوة و الثيمة الكبرى في العرض و هي ثيمة الرؤيا…

الرؤيا في دلالتها الأصلية هي وسيلة الكشف عن الغيب أو هي العلم بالغيب، والرؤيا لاتحدث إلاً في حالة الإنفصال عن عالم المحسوسات، ويحدث الإنفصال في حالة النوم فتسمى حينئذ حلماً، وقد يحدث في اليقظة لكن ترافقها آنذاك البرحاء، والبرحاء أيضا هي نوع من الإنفصال عن العالم المحسوس، واستغراق في عالم الذات، ففي الرؤيا ينكشف الغيب للرائي فيتلقى المعرفة كأنما يتجسد له الغيب في شخص ينقل إليه المعرفة .

والرؤيا تتفاوت عمقاً وشمولاً بتفاوت الرائين ، فمنهم ممن يكون في الدرجة العالية من السمو، من يرى الشيئ على حقيقته، ومنهم من يراه ملتبساً ، بحسب استعداده، فأحياناً يرى الرائي في حلمه وأحياناً في قلبه وبقدر مايكون الرائي بقلبه مستعداً لاختراق عالم الحس أو حجاب الحس، تكون رؤياه صادقة، ومن هنا تفضلها الرؤيا في الحلم، لأن خيال النائم أقوى من خيال المستيقظ ، أي أن النائم يخترق بطبيعته حجاب الحس، ولذلك فإن الرائي بقلبه يكون بفضل البرحاء نائما عما حوله مستغرقا في الرؤيا .. وابن عربي يشبه الرؤيا بالرحم ، فكما أن الجنين يتكون في الرحم، يتكون المعنى كذلك في الرؤيا . والرؤيا بهذا نوع من الإتحاد بالغيب يخلق صورة جديدة للعالم ، أو يخلق العالم من جديد ، كما يتجدد العالم بالولادة . والرؤيا تعنى ببكارة العالم ، كما يعنى الرائي بأن يظل العالم له جديداً، كأنه يخلق باستمرار . ومن هنا ضيقه بالعالم المحسوس لأنه عالم الكثافة، أي عالم الرتابة والعادة ، وانشغاله بعالم الغيب الذي هو مكان التجدد المستمر من حيث أنه احتمال دائم .. ومن هنا يرفض الرائي عالم المنطق والعقل، فالرؤيا لاتجيء وفقا لمقولة السبب والنتيجة ، ولكن بشكل خاطف مفاجئ بلاسبب أو تجيء إشراقاً، إنها ضربة تزيح كل حاجز أو هي نظرة تخترق الواقع إلى ماوراءه وهذا مايسميه ابن عربي “علم النظرة ” وهو يخطر في النفس كلمح البصر، وبما أنه يتم دون فكر ولاروية ودون تحليل أو استنباط ، فإنه يجيء بالطبيعة كلياً ، أي لاتفاصيل فيه . ومن هنا يجيء بالتالي غامضاً، فالغموض ملازم للكشف، سوى أنه غموض شفاف لايتجلى للعقل أو لمنطق التحليل العلمي وإنما يتجلى بنوع آخر من الكشف ، أي من استسلام المتلقي له فيما يشبه الرؤيا ..
والرؤيا لا تدرك إلا بالرؤيا. فما يتجاوز منطق العقل لا يصح أن نحكم عليه أو له بهذا المنطق ذاته.

والرؤيا من هذه الناحية تكشف عن علاقات بين أشياء تبدو للعقل أنها متناقضة ولايربط بينها أي شكل من أشكال التقارب . وهكذا تبدو الرؤيا في منظار العقل متضاربة وغير منطقية . وربما بدت نوعاً من الجنون..

والرؤيا هنا تتجاوز الزمان والمكان, أي أن الرائي تتجلى له أشياء الغيب خارج الترتيب أو التسلسل الزماني و خارج المكان المحدود وامتداده, فالسبب هنا متساوق مع النتيجة و ليس بينهما أي فاصل زمني, العلاقة السببية تنحل هنا إلى علاقة وظيفية بين التأثر و التأثير. في الأولى فاصل زمني, و لكن التأثر و التأثير يحدثان في اللحظة الواحدة ذاتها..
و هكذا يمكن وصف الرؤيا بأنها استمرار للقدرة الإلهية, و غنى الرؤيا مرتبط بغنى صاحبها, أي بقدرته على الخلق والابتكار..
يقول ابن خلدون صاحب المقدمة أن الرؤيا مطالعة النفس لمحة من صور الواقعات فتقتبس بها علم ماتتشوق إليه من الأمور المستقبلية ثم يقرن الرؤيا بالجنون ، ويقول ابن خلدون عن المجانين في معرض حديثه عن أولئك الذين يُخبرون بالأحداث والكائنات قبل حدوثها بطبيعة خاصة فيهم يتميزون بها عن سائر الناس ولايرجعون في ذلك إلى صناعة بل يتم ذلك بمقتضى الفطرة أنه يلقى على ألسنتهم كلمات من الغيب فيخبرون بها .

ولطالما قُرن بين النبي والمجنون في التقليد الديني القديم .
يقول جبران خليل جبران في حديث له عن وليم بليك” لن يتسنى لأي إمرئ أن يتفهم بليك عن طريق العقل فعالمه لا يمكن أن تراه إلا عين العين.. و لا يمكن أبدا أن تراه العين ذاتها..
والفرق بين رؤية الشيء بعين الحس و رؤيته بعين القلب هو أن الأولى تجعلنا نرى الشيء الخارجي ثابتاً على صورة واحدة لا تتغير أما الرائي بالرؤية الثانية عين القلب فتجعل ما نراه غير مستقر على حال.. بل يتغير مظهره و إن بقي جوهره ثابتاً. و هذا يفسر المشاهد الغريبة المتغيرة في مشاهد العرض المسرحي ( لا تقصص رؤياك) أي أن تغير الشيء تغيراً مستمراً في نظر الرائي يدل على أن هذا الرائي يرى بعين القلب لا بعين الحس, و يعني أن رؤياه إنما هي كشف فالتغير هو مقياس الكشف.. و من هنا يظل العالم في نظر الرائي الكاشف في حركة مستمرة و تغير مستمر…
ويعتقد هسرل أن الأشياء لا تتبدى للوعي مبعثرة متفرقة .. بل تظهر بصورة كلية.. ملتحمة الأجزاء .. لا ينفصم أحدها عن الآخر.. فنحن لا نرى في البداية ساق الشجرة ثم نرى فروعها ثم أوراقها.. بل نراها ملتحمة.. و لا يعني هذا أننا قد بلغنا الغاية في تلك النظرة . فإن رؤيتي للشيء لا تتم أبداً في الوقت الحاضر لأن لكل رؤية مستقبلاً و ذلك لأن رؤيتي للشيء لا يكون أبداً تاماً.. إنه يشير إلى أفق أو مجال من الإمكانيات اللامحدودة في الإدراك..
كل الأشياء التي عاشها منار بطل المسرحية هي تعبير لرؤياه و أما المريدين الذين يحملونه على متن السيارة فلها و جهان الأول تناص مع قصة يوسف عليه السلام في قول إخوته ” يلتقطه بعض السيارة” و الوجه الآخر هو بلوغ الذروة من المغزى العام للمسرحية و هو أن كل تلك الفئات التي ظهرت طيلة مشاهد المسرحية و تعبر عن فئات المجتمع العربي تنتظر المخلص و هذا الأخير بالضرورة يجب أن يكون صاحب رؤيا و هذا يتحقق في شخصية “منار” بطل العرض.. كيف?
إن الطموح الجوهري للشرقي العظيم هو أن يصير نبياً، والألماني أن يكون فاتحاً والروسي أن يكون قديساً والإنجليزي أن يكون شاعراً كبيراً والفرنسي أن يكون فناناً قديراً ..
و للنبي خاصيتان متلازمتان في التقليد الديني، الأولى هي أن نبوءته مفهوم جديد أو رؤيا جديدة للإنسان والكون..
والثانية هي أنها تنبئ بالمستقبل وتتحقق ويشير المعنى الذي اتخذته كلمة نبي في العربية إلى أن النبي يتلقى الوحي أي أنه ليس فعالاً بل منفعل، يُعطى رسالة فيبلغها ولذلك يسمى رسولاً، إنه مستودع لكلام الله، وليس فيما يقوله شيءٌ منه أو من فكره الخاص، بل كل ما يقوله موحى من الله، والنبي راء وسامع لما لا يرى ولا يسمع، يرى المجهول والمستقبل ويسمع أصوات الغيب..
وللنبوة مستويات أيضاً، فمن الأنبياء من يكمل مهمات تاريخية عظيمة كأن يحرر بلاده، أو يفتح بلاداً أخرى..
والنبوة بهذا ليست كلاماً فحسب، وإنما هي عمل كذلك، فالنبي هو أيضاً يقاتل ويحارب في سبيل العدالة، ومن الأنبياء من يرى ملاكاً يكلمه ناقلاً إليه الوحي، ومنهم كموسى من يكلمه الله مباشرة وهذه الحالة حالة نبوية فريدة..
بكلام أقرب تجسد في نهاية المسرحية جوع العالم إلى قائد يقوده و جوع للقدوة الذي يقتدي به الناس و هذا لا يحدث إلا عندما تفشل الزعامات أن تكون أهلا للمسؤولية ولما يجدر بالقائد أن يكونه بل إنها تجسد حالة الفوضى والتردي والنكوص التي آل إليها الوضع العربي و الزراية التي بلغها في معيشته..

و الحاجة إلى من يقود الناس نلمسها في رمزية اسم بطل العرض ” منار” الذي يرمز إلى أن كل القيم الدينية قد تشوهت بوجود مزيفين كل من يخالفهم فدمه حلال يمارسون القتل والإرهاب باسم الدين كما نرى الواقع ويجسده العرض (لاتقصص رؤياك) الذي ناقش أهم موضوع حيوي تعيشه المجتمعات العربية وتشتكيه و لعلنا لن نبالغ في هذا خصوصا حين نعرف أن آخر التقارير تؤكد أن عدد الملحدين في الوطن العربي قد وصل إلى خمسة وسبعين مليون ملحد.. أليس الناس في حاجة إلى ” منار ” ليجدد لهم دينهم ..!


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *