جوع الفلوجة


الفلوجة تجوع، والفضل يعود كما يقول صديقي أسامة حسين الذي يسكن في منطقة تسمى عامرية الفلوجة لأصحاب البايسكلات من أعضاء تنظيم مايسمى الدولة الإسلامية داعش الذين يصرون على البقاء في المدينة المنكوبة، ويتحضرون لمعارك تتكرر من حين لآخر ضد القوات العراقية كما كان الحال في أول أيام السيطرة الأمريكية على هذا البلد حين تحصن أكثر من ثلاثة آلاف عنصر مسلح في مدينة المآذن بعد أن تم حرق مقاولين أمريكيين وتم تعليقهم على جسر على الفرات،وكانت المعارك شرسة للغاية بين الأمريكيين والقاعدة في عهد حكومة السيد إياد علاوي، وتكرر المشهد مع جنود عراقيين ومواطنين أتهموا بالخيانة من قبل الجماعات الدينية المتشددة والمقاتلة.
لكن الفضل لايعود فقط لأصحاب البايسكلات، هناك مسؤولية تقع على القوات العسكرية التي سمحت لداعش بالتوغل والسيطرة، ومارست دورا متراخيا، وهناك مسؤولية على الحكومة المحلية في الرمادي التي تنازعت الأموال والمناصب والمكاسب ونسيت الناس العاديين يأكلهم الجوع والحرمان والحصارات والنزوح في الفيافي وفي المدن البعيدة، وشيوخ العشائر ورجال الدين الذين مارسوا المراهقة السياسية والتعصب، ولم يتصرفوا بحكمة فأصبحت المدينة نهبا للمتطرفين القادمين من دول أخرى بشعارات دينية زائفة موهومة، لاتحقق مطلبا حقيقيا، وكل مايترتب عليها إنها تترك المدن خربة مدمرة منهكة ويسيح أهلها في البلاد يبحثون عن ملاذ، بينما ييتم الصغار، وتترك النساء بلاحارس ويكن نهبا لمطامع النفوس الدنيئة، ويتكوم الصبية واليتامى والعاجزون في خيام النازحين بإنتظار من يغدق عليهم بفضل من طعام وشراب ودواء وغطاء.
القوات العراقية تقوم بعمليات عسكرية في مناطق مختلفة من محافظة الأنبار المضطربة، وحققت تقدما طيبا وتمكنت من السيطرة على الرمادي وجزر على الفرات وقرى ونواح عديدة لكن الفلوجة مدينة عثية فهي تضم مقاتلين من تنظيم داعش محصنين في المباني الحكومية ولديهم قدرات عالية، بينما يشكل وجود كثافة سكانية عائقا أمام تقدم تلك القوات التي يترتب عليها فعل الهجوم من أجل طرد المسلحين وإستعادة المدينة، ولكن من غير المعقول تجاهل الحاجة الى عملية نوعية كبرى لتأمين خروج الأسر الفقيرة والشيوخ والمرضى والنساء والأطفال، وتوفير الغذاء لهم، فالتنظيم المتشدد لايؤمن بمانفكر فيه من طريقة للحياة نظنها ناجعة ويراها طالحة وفاسدة ولايعبأ بكل مانقدمه من تلك التصورات وعينه على غاية واحدة هي تحقيق حلم لاأمل فيه على الإطلاق، وهو يمثل نهاية لفكرة الجنون العالي.
كل مانستطيع التفكير فيه الآن هو إنقاذ الفلوجة من داعش وحماية العزل، فهذه مسؤوليتنا جميعا كعراقيين دون التفكير بإنفعالات آنية غير مجدية، أو إتهامات ليست ذات قيمة أمام مسؤوليتنا الإنسانية.


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *