حكاية الشاعر محمود درويش مع الغريب


قبل مبادرة السلام العربية بسنوات، حين كان المجتمع الإسرائيلي يفتش عن موطئ قدم للتطبيع مع بلاد العرب، وحين كان يحرص على عدم إغضاب الجماهير العربية، والتقرب إليها بشتى السبل، في تلك الفترة أصدر وزير التعليم الإسرائيلي السابق “يوسي سريد” تعليماته بتدريس بعض قصائد الشاعر الفلسطيني محمود درويش في المدارس الإسرائيلية، لكن رئيس الحكومة في حينه “إيهود باراك” خضع لضغوط اليمين الذي هدد بإسقاط حكومته إذا لم يلغ قرار وزير التعليم. وبرر باراك قراره بأن الجمهور الإسرائيلي ليس مستعداً بعد لخطوة من هذا النوع.
وبعد رفض المجتمع الإسرائيلي لمبادرة السلام العربية، وبعد رفضه لخارطة الطريق، ولمقررات مؤتمر أنابولس، وبعد رفض المستوطنين للتنازل عن شبر من أرض فلسطين للفلسطينيين، وبعد أن صار المجتمع الإسرائيلي صاحب كلمة الفصل في مجمل السياسة الخارجية للعدد من الحكومات العربية الخاضعة لسيادته، يقيم معها التحالفات، ويعقد معها اللقاءات الثنائية، صار مجرد تطرق إذاعة الجيش الإسرائيلي “جال تساهل” لشخصية الشاعر محمود درويش، ولعرض بعض أشعاره جريمة هزت وزيرة الثقافة الإسرائيلية “ميري ريغيف”، وأملت عليها كتابة رسالة إلى وزير الحرب “أفيقدور ليبرمان”، تطالبه باتخاذ إجراءاته ضد إذاعة الجيش التي فقدت صوابها، وراحت تذيع برنامجا مخصصا لـ “شاعر النكبة الفلسطيني” محمود درويش” وتناقش قصائده الموجهة ضدّ مواطني دولة إسرائيل، والتي يقول في بعضها:
أنا عربي، أنا لا أكره الناس، ولا أسطو على أحدٍ،
ولكني إذا ما جعت أكل لحم مغتصبي،
حذار حذار من جوعي ومن غضبي، أنا عربي.
وزير الحرب الصهيوني “أفيغدور ليبرمان” دعا قائد إذاعة الجيش للاستجواب، ويفكر في اتخاذ إجراءات عقابية ضد الإذاعة، التي دافعت عن برامجها، قائلة: إن بثها التثقيفي يهدف إلى إثراء ومشاركة المستمعين بعدة افكار، وإن المادة الصوتية التي بثت عبر إذاعة الجيش تحدثت عن شخصية الشاعر درويش وعن الشعر الذي كان يلقيه.
فلماذا حركت قصائد محمود درويش كل هذا الغضب الذي عزف التطرف عل عصب المجتمع الإسرائيلي، حتى صار لا يحتمل سماع أغنية تتحدث عن فلسطين؟
إنها المعطيات السياسية الجديدة التي لا تشير إلى انحراف المجتمع الإسرائيلي في السنوات الأخيرة باتجاه التطرف، فهذا هو الفهم الخاطئ لتفسير طبيعة التجمع اليهودي في المنطقة العربية، والصحيح هو أن المجتمع الإسرائيلي بات أكثر جرأة في الإفصاح عن مكنون تفكيره العنصري، ومضمون تطرفه العقائدي، ولاسيما بعد أن استجلى حقيقة الواقع العربي المخنث، الذي عزز التطرف في إسرائيل دون خشية من أي ردة فعل عربية أو دولية، وهذا الذي حفز رئيس الأركان الإسرائيلي غادي أيزنكوت” ليعين الحاخام المتطرف “أيال كريم” حاخامناً أكبر للجيش الإسرائيلي، وهو الحاخام الذي دعا لاغتصاب العربيات الجميلات، وهو صاحب مقولة: إن تعاملك مع المتوحشين برقة، هو وحشية مرفوضة ضد الرقيقين.
حين عاد الشاعر الفلسطيني محمود درويش إلى مسقط رأسه بعد أربعين سنة من الشتات واللجوء، لم تبهره مشاهد الحضارة والمدنية والشوارع العريضة والتقدم العمراني الإسرائيلي، فقد تأكد من زيف المشهد، وأنه هو صاحب البيت، وأن هذا اليهودي غريب، فقال:
سلم على بيتنا يا غريب،
فناجين قهوتنا لا تزال على حلها
هل تشمُّ أصابعنا فوقها؟


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *