رتب لنا بيتنا، يا سيادة الرئيس


كثر الداعون في الفترة الأخيرة إلى ترتيب البيت الفلسطيني، وتوجه معظهم إلى السيد محمود عباس، مناشدين وطنيته ونخوته وكرمة بأن يرتب لهم البيت الفلسطيني، وهذا أمر حسن فيما لو كان السيد محمود عباس لا يعرف أن البيت الفلسطيني بحاجة إلى ترتيب، وأن ترتيب البيت حق من حقوق الشعب الفلسطيني، وله الأولوية على مقاومة المحتلين.
فهل يشك أحد في أن ترتيب البيت الفلسطيني هو اللبنة الأولى لمواجهة عدونا الصهيوني، وهو الأصل في التصدي للمستوطنين الغزاة، لذلك مثلت دعوة بعض الشخصيات والقيادات والكتاب والمفكرين الفلسطينيين لترتيب البيت، مثلت اعترافاً ضمنياً بأن البيت الفلسطيني أشعث أغبر، ومهلهل الأوصال، ومتناثر الأحزاب، ومبعثر الرؤية، وتائه في الغاية السياسة التي يفترس فيها الأسد اليهودي الأرض الفلسطينية كل يوم بأمن وسلام.
رتب لنا بيتنا يا سيادة الرئيس، دعوة تؤكد ضعف وهشاشة النظام السياسي الفلسطيني الذي رعاه الرئيس، وتؤكد في الوقت نفسه غياب الزعامة الفلسطينية، واضمحلال القادة القادرين على صناعة الحدث وترتيب الأوضاع، لذلك انقسم دعاة ترتيب البيت إلى قسمين:
القسم الأول: يمثله أولئك الخائفون على مستقبلهم، والذين ارتبط مصيرهم بمصيرهم الرئيس، فراحوا يتوسلون إليه أن يرتب لهم البيت بالشكل الذي يضمن لهم مصالحهم.
القسم الثاني: أولئك الكارهون لجيل الشباب، والخائفون من التغيرات الاستراتيجية التي ستعصف بالقيادة التقليدية، ولهؤلاء تحالفاتهم مع بعض الشخصيات المناكفة، ولهم مصالحهم.
ونسي الجميع أن الرئيس شخصياً هو المسئول عن حالة الفوضى السياسية التي تضرب أطنابها في البيت الفلسطيني، ألم يكن الرئيس هو المسئول عن شل فعالية المجلس التشريعي؟ ألم يكن الرئيس هو المتفرد الشخصي بالقرار السياسي؟ ألم يكن هو من ران على قلوب أعضاء اللجنة التنفيذية، حين طرد أمين سرها بشكل مخالف للقوانين؟ ألم يغيب عن قصد أعضاء المجلس الوطني، وهمش بعلم قرارات المجلس المركزي، وفرض على معظم قيادات حركة فتح أن تسبح بحمده خشية مواجهة تهمة الفساد والخيانة العظمى، كما حدث من النائب محمد دحلان؟ ألم يكن هو الذي لما يزل يرفض الدعوة لاجتماع الإطار القيادي لمنظمة التحرير، وهو الذي يقدس التنسيق الأمني؟ فكيف تطالبون بالمسئول عن هشاشة الوضع وهلهلته بترتبيه؟
إن كل متابع للمشهد السياسي الفلسطيني ليشهد بأن الوضع الداخلي الفلسطيني لم يشهد انقساماً أسوأ من الانقسام الذي نشهده في السنوات العشر الأخيرة التي صار فيها السيد محمود عباس رئيساً، وأن حركة فتح لم تشهد انقساماً أسوأ من الانقسام الذي تشهده هذه الأيام، وأن التنظيمات الفلسطينية لم تشهد حالة من التطنيش والتهميش مثل الذي تشهده في زمن محمود عباس، ولم يشهد المجلس المركزي تحقيراً لقراراته مثل التحقير الذي يشهده قرار وقف التنسيق الأمني من العدو الإسرائيلي الذي صدر عن المجلس قبل عام تقريباً، ولم ينفذ حتى اليوم؟.
رتب لنا بيتنا يا سيادة الرئيس؛ دعوة تحمل معاني العجز والإحباط وعدم الثقة بالنفس، وغياب الاستراتيجية الناظمة للعمل، وفقدان البوصلة السياسية، والاحتقار للقانون، وتعكس الانقياد الجبان للمصالح الحزبية والفئوية، والانقسام المقيت، ولا تبشر بخير لمجتمع يقاتل فيه الشباب الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة عدوهم الإسرائيلي من نقطة الصفر، في الوقت الذي لا تهش فيه قيادتهم، ولا تنش على مستوطن يهاجم فلاحاً فلسطينياً يحرث أرضه بالكرامة.
على النخبة السياسية والثقافية في فلسطين أن تكون شجاعة، وأن تتجرأ على قول الحقيقة في هذه الأيام بالتحديد، وليس بعد عدة أشهر حين يخلو موقع الرئيس، ليبدأ النفاق والتقرب إلى الرئيس جديد، والكشف عن عيوب الرئيس الراحل، على النخب الثقافية والسياسية أن تتجرأ في طرح رؤيتها، وأن تفصح علانية عما يدور بينها من أحاديث وراء الكواليس، فلا يصير أن يسب المثقفون والسياسيون سراً سياسة الرئيس محمود عباس، ليتسابقوا أمام وسائل الإعلام في مدحه وتمجيد تضحياته، والثناء على المعجزات التي حققها للقضية الفلسطينية، عليكم الجهر بما تهمسون، وأن يكون شعاركم: اتركنا كي نرتب بيتنا بأنفسنا يا محمود عباس، اتركنا نسترد بعض ما ضاع من أرضنا، اتركنا نلملم شمل قضيتنا ومجتمعنا وأهلنا وشعبنا، اتركنا نوحد حركة فتح كمقدمة لتوحيد الساحة الفلسطنيية، اتركنا ندبر أمرنا، ونرتب بيتنا، اتركنا يا محمود عباس كي نحشو بنادقنا بالغضب الشعبي؛ الذي سيتفجر حقداً مقدساً في وجه عدونا الإسرائيلي؛ اتركنا نقلقل راحته بعد أن نام كل الليل آمناً هانئاً بفضل تنسيقكم الأمني المقدس.


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *