شذرات من فكر الشّاعر التّونسي يوسف الهمامي


الشّعراء كالقدّيسين من ناحية أنّ القداسة رحلة ترسم خطواتها الأولى في محاولة التّجرّد والانعتاق، حتّى تبلغ مقامها الإنسانيّ الرّفيع المتّحد بالحقيقة. كذلك الشّاعر، المجبول بالأثير، كما يعرّف عنه أنسي الحاج، يختلي بذاته الشّعريّة ويبتعد تدريجيّاً إلى عمق الأعماق حيث لا حسّ ولا بصر ولا سمع بل صمت بليغ من خلاله يتلمّس الحقيقة الإنسانيّة.

ليس الشّاعر من رتّب كلمات موزونة وقوافٍ منمّقة وحسب، وإنّما الشّاعر هو ذاك الّذي بلغ ما يشبه الاتّحاد بالعلو على الرّغم من أنّه ما برح يحاكي العمق، والواقع. ولئن بلغ هذا المقام استلزم رحلة في ذاته الإنسانيّة، تتدرّج من مبدأ مشروع إنسان إلى الإنسان، إلى الشّاعر.

نجد هذا التّدرّج الفكري الإنساني في شذرات الشّاعر يوسف الهمامي  مستفزّاً  بعمقه لا الفكري واللّغوي وحسب وإنّما بروحيّة الشّعر. فوإن غلب الوحي الشّعريّ دواخل الشّاعر إلّا أنّ شعره يطرح فكراً خاصّاً ينبع من عمق الشّاعر نفسه. وإذ نورد اصطلاح (مستفزّ) فذلك لنعبّر عن مدى جماليّتها الشّعريّة الّتي تأسر النّفس وتعرّفنا على شاعر ينقّب عن إنسانيّته في قلب الشّعر/ الوحي.

– الشّاعر الباحث عن ذاته:

هَمُّ الشّاعر إنسانيّ ذاتيّ بالدّرجة الأولى، إذ وهو الخاضع للحالة الشّعريّة والمسكون بها يكتشف في داخله آخراً. قد لا تكون شخصيّة الشّاعر مشابهة لقصائده إلّا أنّه لا بدّ أنّ قصائده عرّفته على ذاته المحتجبة فيها. (الشّاعر الشّاعر تكتبه قصائده)، قول للشّاعر يوسف الهمامي يبيّن لنا جليّاً الكائن الجميل المتخفي في كيان الشّاعر منتظراً يد القصيدة الخالقة. القصيدة تنبلج من عمق الشّاعر ولا علاقة لها بالخارج والظّاهر. هي تنبع من عمقه الّذي يدعوه مع كلّ قصيدة للبحث عن الأنا الشّعريّة.

(أَعتصمُ بي الآن
أحفر داخلي عميقاً
ثمّ أخيِّمُ..)

وكأنّي بالشّاعر يلجأ إلى مخدعه الصّغير الرّحيب، الذّات، يحفر عميقاً ليستخرج  ما لا يعرفه عن الشّاعر، أي الكائن الأبهى والأسمى. أم إنّ يوسف الهمامي يكتشف يوسفيّته  بأدقّ التّفاصيل الكيانيّة سائراً على درب الشّعر مستنيراً بوحيه، (ياء ، واو ، سين ، فاء../ الى أين أفرّ من سجون حروفي ..؟). في الحضارات القديمة الاسم يحمل معنى الشّخص، ولعلّ الشّاعر يكتشف شاعريّته على ضوء اسمه. أو لعلّ حروف اسمه دليله إلى ذاته. (أعتقد أنّني أصبحت حيّاً عندما انتبهت أخيراً الى طريق داخلي ينتهي بي إلى الإنسان.) ما يعني أنّ الشّاعر يوسف الهمامي يعتبر أنّ الإنسان ما لم يكتشف الطريق إليه يبقى في العدم، ولا يخرج إلى النّور إلّا عندما تتشكّل إنسانيّته. هذه الشّذرة بحدّ ذاتها تعرض فكراً رفيعاً، خاصّة إذا تلمّسنا تدرّج الكلمات (انتبهت، أخيراً)، الّتي هي بمثابة ومضة فكريّة تشكّل دعوة للقارئ للانتباه إلى عدم الغرق في موته البعيد عن الأنا العظيمة. كما أنّها إشارة إلى تحفيز القارئ على البحث عن ذات الطّريق كي تستيقظ فيه الإنسانيّة النّائمة/ المائتة. لكنّه في خضمّ هذا البحث يعيش صراعاً بين الإنسان والشّاعر (أريد أن أُعايشَنِي ولو مرة واحدة ولا أخرج منّي مهزوماً.). قد تحمل هذه الجملة معاني الإنسانيّة المتصارعة مع ذاتها، والشّاهدة للتّناقضات الجّمّة الّتي تحملها. إلّا أنّنا هنا أمام صراع بين الأنا الإنسانيّة والأنا الشّعريّة، ويستمرّ الصّراع حتّى يغلب الشّاعر الإنسان.

– الشّاعر الحزين:

تعريف الحزن هنا لا علاقة له بالاكتئاب واليأس، وإنّما له علاقة بالقداسة، كما شرحناها سالفاً. بقدر ما يقترب  الشّاعر من ذاته الشّعريّة ويلتصق بها، يعتمره حزن بهيّ يدعوه إلى المزيد من الاكتشاف، كما ينقّيه من شوائب الواقع. هذا الحزن البهيّ مرآة الشّاعر على العالم، ووعيه للواقع المختلف عن الجمال الشّعريّ.

(حزني من فصيلة أخرى
لم يسبق أن أينعت شجرته
على وجه الأرض.)

حزن الأرض باهت، مملّ وقاتل، وأمّا حزن الشّاعر فمحيٍ للجمال والإبداع. يزهر في داخله لكن من فوق، من حيث الوحي الشّعريّ، مصدر الجمال والنّور والأصول الشّعريّة. (أنا المشّاء ُ على الجراح.. هذا الشوك حبيبي..). معاناة حقيقيّة جرّاء الوعي الجمالي الإنسانيّ، تخلق علاقة حميمة بين الشّاعر والألم، فوكأنّي به يعانق الألم مترافقاً وإيّاه على دروب الشّعر. ولا يتوقّف عند هذه المرحلة بل ينطلق نحو التّبشير بهذا الحزن البهيّ،

(تعلّم كيف تحزن
كيف تتجرّد كشجرة اللّوز
عند الخريف..)

فللحزن البهيّ أدواته في إظهار بهاء الإنسان، وتحويله إلى إنسان كي لا يبقى مشروع إنسان. إنّه الالتزام بالبحث عن الحقيقة والاقتراب منها حدّ الاحتراق بنورها والذّوبان في أثيرها حتّى لا يبقى من الشّاعر إلّا الشّاعر. (أنا أحبّك..

ليس لي إلاّ أن أعترف بشعور هذا الإنسان الّذي لا ينطق إلّا على وَحْي…). وهذا الإنسان هو الشّاعر نفسه الّذي إذا ما نطق تلفّظ شعراً ووحياً.

– الشّاعر الصّامت:

(الماء ما زال يتهجّى .. لم يفكّ شفرة ظمئي بعد.). من شدّة الظّمأ العاشق تتفلّت الكلمات من الكون بأسره لتعبّر عن الشّاعر، فقد يبلغ ذلك الشّعور القاسي حين لا تستقيم الكلمات وبلاغة روحه الشّعريّة. ما يستدعي الصّمت، والإنصات إلى سكون الرّوح حتّى يتلمّس المعاني الأعمق، والأسمى.

(أنصتي
في صمت الاشياء تغني الكلمات..).

الصّمت المتكلّم، المعبّر عن كلّ الأسرار الكونيّة والمترجم لمعانيها. الصّمت الّذي يسكن الشّاعر لينصت أكثر إلى الوحي، ويستزيد من بئره العذب لتصوغه قصائده البهيّة على مسارح الشّعر.

(رذاذ يَسَّاقَطُ
على جانبيّ المساء
فماذا أقول..؟
كأنّي أسمعك أيّها الصّمت البديع)

الصّمت يتكلّم رذاذاً، كديمة رقيقة تهمس للشّاعر حضارة جديدة، غير تلك الّتي يحياها أو الّتي تعايش معها أو عرفها سالفاً. الصّمت الصّديق، الموجّه إلى الأنا، والهادي إلى المقام العشقيّ الأرفع حيث تستحيل الكلمات لغة أخرى يحاكي بها الشّاعر الحبيبة بذاته الكونيّة، (“أحبك “../ لا تكفي لاستدارة القمر..!!)/ (أتحسّسك بجانبي/ المكان يصدِّقُ أنّك معي..). فالشّاعر الشّاعر ذات كونيّة تتخطّى حدود التّراب وتحلّق في سماء الحرّيّة، وتسبح في أثير التّجرّد الخالص. (أنا الكثير…هذه الأرض لا تسَعني..).

“إنّها خلاصة الخلاصة، حصيلة التّجمّر في قيعان الذّات. مساحتها لا تسعها فكرة ولا يحدّها شعور غير الإنسان بملئه وبشتاته.”(يوسف الهمامي).


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *