صناعة التطرف والرؤوس الشيطانية



التطرف، مصطلح يُستخدم للدلالة على كل ما يناقض الإعتدال، زيادة أو نقصاناً، وعادة ما يستعمل لوصف المنهجيات التي تستخدم العنف والتحريض وبث الكراهية في المجتمعات سواء كانت بعناوين دينية او سياسية أو اجتماعية. وقد يعني التعبير استعمال وسائل غير مقبولة من المجتمع مثل التخريب أو العنف للترويج لفكر ما.
ليس هناك طائفة دينية او عرقية او قومية بعينها تدعو نفسها بالمتطرفة، كما انه لا يوجد حزب سياسي يدعو نفسه بمتطرّف يميني أو متطرّف يساري، غير ان مواقفه وايديولوجياته ومنهجيته في الخطاب والتصرف هي من توضح صورته.
التطرف على كل مستوياته ينبع من اختلال وظيفي اقتصادي وفكري، تؤججه وتوجهه قناعات دينية هكذا يصف علماء الاجتماع.
ولعل ابرز الجهات التي تصنّف بأنها متطرّفة هي (النازية-الفاشية- منظمات التكفير الإسلاموية- الحملات الصليبية- التمييز العنصري أي التفرقة بين الشخص الأبيض والملون- الصهيونية- اللجان الثورية والتصفية الجسدية ليبيا- الراديكاليون السياسيون يدعون بالمتطرّفين أحيانا، بالرغم من أن مصطلح راديكالي يعنى به التوجه إلى جذر المشكلة أصلا.
وفي كلا الاحوال يعتبر اللجوء إلى العنف (بشكل فردي أو جماعي) من قبل الجهة المتطرفة بهدف فرض قيمها ومعاييرها، أو بهدف إحداث تغيير في قيم ومعايير المجتمع الذي تنتمي إليه وفرض الرأي بالقوة، هو أحد أشكال الإرهاب، والإرهاب المنظم.
والقول بأن التطرف هو أحد أوسع الأبواب التي تؤدي إلى الإرهاب يحتمل الكثير من الواقعية خاصة بعد أن ثبت أن 95% من حالات الإرهاب، والإرهاب المنظم، التي اجتاحت العالم خلال الخمسين عاماً الماضية كانت نتاجاً للتطرف.
واذا ما استثنينا ضحايا الحربين العالميتين، فإن أرقام ضحايا التطرف هي الأعلى في تاريخ الحروب.
فالحروب الصليبية استخدمت التطرف كقاعدة لتكفير المسلمين، كذلك قامت حروب دموية بين المسيحيّين الكاثوليك والمسيحيّين البروتستانت في إيرلندا وقبلها ارتكب المسيحيّون البيزنطيون مذابح بشعة بحق المسيحيّين في مصر. بسبب التطرف أيضا.
اما العنف بين أتباع المذاهب الخمسة في الدين الاسلامية، ولعل آخرها وأبرزها الاحتراب في العراق للاعوام (2006 – 2008).
اما ما ارتكبه “داعش” او ما يعرف بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام من مجازر وفظائع بحق الايزيديين والمسيحيّين والتركمان والشبك والشيعة والسنة فيكاد يفوق الخيال بالكم والتفنن بالاساليب.
المنطق القائل بأننا كلما تقدمنا في الزمن ازددنا تطورا، يبدو انه يشمل جميع النواحي الحياتية فمع وجود كل تقنيات الابداع البشري في التواصل وتقريب المسافات وتجاوز المشاكل التقنية والفنية، الا ان هذا التطور لم يمنع الفكر المتطرف من ان يكون مسخرا له فان نهايات القرن العشرين شهدت انتشارا واسعا للتعصب الديني، والفكر المتطرف ادى الى صراعات مذهبية وخصوصا في شرق المنطقة العربية، وصارت وسائل التواصل مساحات لترويج الافكار المتطرفة او للصراع الفكري وبث مقاطع ومشاهد مروعة لعمليات القتل.
العالم اليوم يكاد يشتعل في اغلب مناطقه ان لم نقل جميعها وهذا التوقد في الدول والتهيئة للاشتعال حتى تلك البعيدة عن مناطق الصراع ناتج من وجود عدة عوامل غير ان اهمها ينحصر في امرين:
الاول: تهيئة مناخ التطرف من خلال عوامل عدة اهمها (الاعلام المقلوب) كونه يزيف الحقائق وينمي روح الكراهية ويركز على أصوات المتطرفين ويحاول صدمهما الواحد الاخر، وكما هو معروف بأن اغلب الحروب تبدأ بحرب اعلامية تتصاعد لتغذي الحروب الداخلية او الاقتتال الطائفي او حتى الصراع المسلح.
الثاني: وجود أمراء الحروب وتجار السلاح الذين يمكن وصفهم (بالرؤوس الشيطانية) تلك الرؤوس التي تهيأ وتخطط وتساعد على اشعال الحروب من اجل مصلحتها الخاصة ومن ثم تنسحب عنها لتترك شعوب تلك المنطقة تواجه مصيرها المحتوم لتنتقل الى موقع آخر وهكذا…
وعلى هذين العنصرين ينشط العالم بشكل مجنون فالتقارير الاخيرة لمنظمات دولية تؤكد ان اغلب الدول تنفق مليارات الدولارات من اجل تحصين وضعها الداخلي من هجمات المتطرفين سواء بالانفاق العسكري او الاجتماعي لتحسين دخل الفرد وحمايته من الانجرار لهذا الوباء او حماية المناخ الذي اعتبر اساس مهم لنمو التطرف.
وكمثال على ذلك أفاد تقرير لوزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون) ان الاستراتيجية العسكرية الاميركية الجديدة تضع “الحرب الطويلة” ضد التطرف في طليعة اولويات الجيش الاميركي في المرحلة المقبلة متقدمة على مخاطر “حرب تقليدية” مع الصين او روسيا.
في منطقة الشرق اوسط العربية تكاد الصورة تتركز أكثر وتتخذ تداخلات معقدة فحركة (الربيع العربي) الاحتجاجي الذي اطاح بنظام القذافي في ليبيا سرعان ما اعتلت صهوته حركات التطرف لتحوله الى حرب واقتتال داخلي رغم ان غالبية السكان للبلاد هم من طائفة واحدة تقريبا، كذا الأمر في مصر التي تدخل الجيش لينهي النزاع في موضوع شرعية حكومة مرسي من عدمها لكن الأمر سرعان ما تحول الى نشاط مسلح بشكل هجمات متفرقة في هذا البلد.
وكذا الامر في سوريا الى درجة تكاد تختفي أي صورة من صور الحديث عن وجود معارضة معتدلة نتيجة تورط اغلبها بجرائم حرب او نشاط مسلح متطرف ضد طائفة ما او اقلية او ضد بعضها البعض.
وعودا على بدء وفي مجال محاربة التطرف على انه الاساس المغذي للإرهاب والتكفير، فقد عقدت الدول الكبرى عشرات المؤتمرات الكبرى لمناقشة مواجهة التطرف ووضعت الكثير من التدابير والاحترازات الامنية والتوصيات الاجتماعية والدينية وحتى المناخية في محاولة منها لتطويق هذا الوباء والحد من خطورته.
ولكننا لم نسمع ولحد الان ان هذه الدول ناقشت وبشكل صريح وواضح كيفية مواجهة او تحديد وتحجيم (الرؤوس الشيطانية) أي العنصر الاخر الاهم في تزويدها بالسلاح وهم تجار السلاح، وحتى الحديث عن ضرورة منع تدفق السلاح للجهات المتطرفة لا يعدوا ان يكون بشكل عناوين عامة لا تحدد بمسميات واضحة او شركات معينة وتبقى القضية مجهولة العنوان، وببقاء هذين العنصرين مطلقين العنان أي (الاعلام المقلوب المتطرف والرؤوس الشيطانية) فأي حديث عن إمكانية السيطرة على الارهاب او الحد منه لا يعدو ان يكون حديث اللعب على جروح الشعوب او تسفيه الموضوع الى درجة تضييع معالم حلوله.
* مدير مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *