فرح الهاشم: كويتية تبحث عن هويتها في السينما


فرح الهاشم

كويتية تبحث عن هويتها بصناعة الأفلام : نسخة أنثوية من وودي آلان
فرح الهاشم: السينما الكويتية تحتاج لمعجزات.. وأفلامي وحياتي لا ينفصلان

حوار: إبراهيم فرغلي

انتبهت لاسم فرح الهاشم عقب قراءة مقال عن فيلمها الأخير “ترويقة في بيروت”، لكني لم أنتبه لكونها كويتية إلا قبل أن ألتقي بها لإجراء هذا الحوار بفترة وجيزة. وهذا في حد ذاته كان أحد المحاور الداعية لإجراء هذا الحوار. شابة في العشرينات تصنع فيلما عن علاقتها بمدينة لها سحرها الخاص هي بيروت، وتحاول أن تتأمل سر هذا السحر في فيلم عصي على التصنيف، فلا هو سيرة ذاتية، ولا هو فيلم وثائقي، ولا هو روائي تماما، ينتمي لسينما المؤلف، يبدأ كقصيدة، وينتهي بنفس الحس الشعري، يتحرك فيه الممثلين كما لو أنهم شخصيات واقعية تسجل أفكارها عن مدينة ملتبسة، لكنهم في الحقيقة يمثلون تلقائيتهم، وهو ما يظهر قدرات المخرجة الشابة، والتي تمثل في الفيلم أيضا، في إعداد الممثلين الذين تتعامل معهم.
في الفيلم تتحدث فرح الهاشم باللهجة اللبنانية البيروتية، وبالتالي لا تشعر إلا أنها لبنانية؛ خصوصا ان ملامحها أيضا التي تبدو مزيجا بين أجنبية وعربية تؤكد على هذا الانطباع. لكني ما أن أجلس معها حتى أدرك أنها كويتية تعرف جيدا المجتمع الذي تنتمي إليه. وفي الحقيقة تعبر الهاشم عن شخصية عولمية، متعددة الثقافات، والهويات، تتحدث العربية بمخارج الفاظ واضحة جدا وقوية، ولكن حين لا يسعفها المعجم تطعم الحوار بكلمات إنجليزية أو فرنسية. شخصية إنسانية يبدو الفن كأنه يعمق هذا الجانب في شخصيتها.

فرح الهاشم

فرح الهاشم

الأهم من هذا كله، هو أنني بعد بدء الحوار بقليل أحسست أنني أجلس مع نسخة أنثوية من وودي آلان. شخصية تلقائية، تبدو السينما بالنسبة لها انعكاس لحياتها، مثقفة، تعبر عما تريد بوضوح، وتتحدث بحماس شديد، لكنه ليس حماس بعض من نراهم مزهوين بذواتهم، بل حماس شخصية تبحث عن ذاتها بعمق ومحاولة جدية للفهم. فهم ذاتها، ودورها في الحياة.
تقول فرح الهاشم :”انا لا أجلس أمام الكاميرا لأقول هذه قصتي .صحيح أنا احب وودي آلان، وأعتبره أبي الروحي في السينما، لكن الفرق أنه عادة ما يبدأ افلامه كسارد يعرف بنفسه أو بشخصيته في الفيلم ويحكي تفاصيل من حياته كتمهيد. لكني لم أرغب في ذلك. في الفيلم أقول أني عندي مشكلة مع بيروت، وأريد فهم علاقتي بها. وتركت شخصيات مختلفة تتحدث عن علاقتها ببيروت، وفي النهاية أعلق تعليق اخير يعبر عن اكتشافي لطبيعة علاقتي ببيروت من خلال تقاطع وتراكم خبرات أبطال الفيلم في علاقتهم هم ببيروت. وخصوصا ان أبطال العمل أغلبهم من المهاجرين الذين يشعرون أن علاقتهم بالمدينة مركبة لكنهم يشعرون انهم لا يمكنهم الابتعاد عنها.
لكن لماذا بيروت؟ بداية فرح نصف كويتية ونصف لبنانية، وقد قضت فترة دراستها الجامعية لدراسة فنون الاتصال والإعلام في الجامعة الأمريكية ببيروت، وعملت في الصحافة هناك، وهذا جزء واحد من إجابة السؤال، أما الجزء المتعلق ببيروت نفسها فعنه تقول فرح الهاشم :”بيروت فيها سحر، بسبب مآسيها. الناس لديهم قابلية أنهم يعيشوا رغم كل شئ وأيا كانت الظروف. هناك نوع من إرادة الحياة، مدسوسة بالهواء، لديهم إرادة غير طبيعية للحياة، فتظل فكرة التشبث بالمرح غير طبيعية عند سكان بيروت. ومن الممكن أن يقرروا السهر والمرح وقضاء أوقات سعيدة في مكان عام، بينما قد يكون هناك انفجار قد حدث على بعد خطوات من المكان. هذه الروح هي التي يتنسمها من يعيش في بيروت، وحين يرحل عنها يشعر أنه يود العودة لها، رغم أنها كمدينة قد تكون الحياة فيها صعبة. المدينة هلكت ورغم ذلك ما أن يرحل منها اللبنانيون إلا ويرغبوا في العودة لها مهما طالت فترات اغترابهم. فلماذا؟ وما هو سبب هذا السحر؟ أو السر؟ الفيلم محاولتي للإجابة عن السؤال”.
ترويقة في بيروت عرض عرضا تجاريا وحيدا في بيروت، لكنه عرض في مهرجانات سينمائية عديدة، وقريبا سيعرض في الكويت. حيث جاءت فرح لتصور فيلمها الجديد عن الكويت، اختارت له اسم “قصة غير مكتوبة”، وتعمل الآن على الانتهاء من السيناريو، واختيار الممثلين، لتبدأ التصوير خلال هذا الشهر.
يأتي تصوير فيلم عن الكويت في إطار بحث فرح الهاشم عن هويتها، ومحاولتها لفهم المجتمع الذي تنتمي إليه، ايضا لتأمل التغيرات التي مرت بها الكويت خلال العشر سنوات التي عاشت خلالها خارج الكويت، فبعد أن انتهت من دراسة الإعلام، والعمل في الصحافة وتأسيس مجلة، والعمل كمراسلة، كان السؤال في أعماقها لا يزال ملحا: “وماذا بعد؟” .
تقول الهاشم أن السينما أنقذتها، وأوجدت الإجابة الصحيحة عن السؤال. ذهبت إلى نيويورك لدراسة السينما، وتخصصت في الإخراج، ثم انتقلت إلى لوس أنجلوس لدراسة أكثر تخصصا في استوديوهات يونيفرسال، وفي الأثناء صنعت عدة أفلام قصيرة، بينها فيلم “سبع ساعات” الذي شارك في مهرجانات دولية في باريس ولوس أنجلوس، وحصد عدة جوائز سمحت بعرضه في أكثر من ثلاثين مدينة في ارجاء العالم.

فرح الهاشم

فرح الهاشم

مع ذلك فهذا كله شئ وصناعة السينما في الكويت شئ آخر، فالكويت رغم أنها تمتلك حركة مسرحية نشيطة جدا، وتعتبر رائدة الدراما الخليجية بلا منافس، لا تمتلك الحد الأدنى من البيئة التي تناسب توفر مناخا لصناعة سينما.
تقول فرح:” الكويتيون يحبون السينما مثل أغلب شعوب العالم، ويعشقونها كفرجة، ولكن لا ينظرون لها كفن يعبر عنهم حتى الآن. وعلى مستوى الجيل الذي أنتمي له لم أعرف أحدا يتضور لعمل فيلم سينمائي، أو ينشغل بالموضوع بطريقة تجعل الأمر بالنسبة له مسألة مصيرية. ولكن الآن هناك أعمال أو مبادرات لمخرجين شباب كويتيين تتمثل في أفلام قصيرة. وهذه بداية جيدة.
السينما ليست عملا تنجزه في فترة وانتهى الأمر، بل عمل يحتاج لالتزام حقيقي، وتصوير وفريق عمل، وحياة الشخص الذي يمنح نفسه للسينما مرهقة، والمجتمع الكويتي بشكل عام مدلل أو مجتمع مرفهين، فالحياة هنا بشكل عام مريحة، وانا تعريفي للراحة هي الكويت على سبيل المثال. السينما عكس الراحة تماما.
لذلك ابحث عن كويتيين عاشوا في الخارج، درسوا في الغرب أو في لبنان أو المنطقة العربية واكتسبوا خبرات من الخارج، وشاهدوا سينما فرنسية أو امريكية، ولديهم حس فني ولو بسيط فيمكن هؤلاء يمكن ان يهتموا بالسينما, ان تكون لهم محاولات، ولكن هناك آخرون ليست لديهم هذه الخبرات ويعترفون بتواضع أننا ليس لدينا مقدرة على صناعة السينما. الآن توجد حركة لإنتاج وصناعة الأفلام القصيرة من الشباب الكويتي، وهذا يكفيني، لست مهتمة إذا كانت بطيئة أو سريعة. لأنه حتى في امريكا والغرب لم يكن هناك اهتمام بالأفلام القصيرة إلا قبل ثلاثة أو اربعة أعوام، لأن الآن أصبح هناك حركة قوية لتسويق كافة الأفلام وليس الأفلام الروائية فقط.
ترى فرح الهاشم ايضا ان طبيعة الحياة، والمعاناة هي التي توفر القصص الملهمة للفن عموما، فالدنيا، كما تقول: بها فقير وغني، الفقير لديه قصص للتعب والمثابرة، لكن في نفس الوقت الحاجة أم الاختراع كما يقال، تصنع الابداع، ومثلا السينمائي الفرنسي جان لوك جودار لم يصبح عظيما هكذا في يوم وليلة ، كان من طبقة ثرية لكنه تخلى عن الثروة ليصنع نفسه بنفسه، وكان يقوم مثلا بسرقة كتب أبيه ليبيعها ليكون أي مبلغ يمكنه من إنتاج أفلام قصيرة، وتعلق على ذلك ضاحكة :أنا لم أفعل ذلك بعد، وتضيف: كتب جودار مقالات نقدية، وعمل في أشياء عديدة حتى يمكن أن يوفي احتياجاته. وبالتالي لم يكن مشواره حتى يصل للنجومية سهلا هو وكل صناع موجة السينما الجديدة في فرنسا. وهذا باختصار طريق كل من يود أن يحقق شيئا في صناعة السينما.
تعتقد فرح الهاشم، أن الثقافة سلاح مخرج السينما، وتتذكر مقولة لمخرج سينمائي تجاوز التسعين درسها في نيويورك كان يقول لهم أنهم من دون تعلم الفلسفة لا يمكن لهم أن ينتجوا سينما حقيقية. تقرأ كثيرا وتحب الأدب، مولعة بالموجة الجديدة للسينما في فرنسا، التي انتشرت خلال الخمسينات والستينات، على يد رموز هذه الحركة وعلى رأسههم جودار وتروفو، وترى أن السينما الفرنسية انتهت مع أفول هذه الموجة، خصوصا وأن أغلب السينما الأوربية الآن تتجه للتشبه بسينما هوليود.
تبقى الإشارة أن فرح الهاشم قدمت سبعة أفلام قصيرة وشاركت بها في مهرجانات عديدة، منها سبع ساعات، وفراولة، مارلين مونرو في نيويورك، فوبيا الحرب، وغيرها، وفيلمها الجديد عن الكويت هو فيلمها الثامن، والثاني روائيا.


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *