فسيخ وبطاطس وبطيخ


سجين فلسطيني وجندي إسرائيلي تحت العلاج
رقة المشاعر، والعاطفة الجياشة من جهة، والعنف الثوري والغضب الصارخ من جهة أخرى، هذا ما يميز الأسرى الفلسطينيين خلف القضبان، فتراهم في المواجهة مع العدو، وفي التصعيد أسود لا يهابون الموت، يضحون بالنفس، فإذا جلس الأسير على سريره، واختلى بنفسه، يرق ويشف حتى يصير ريشة على جناح طائر تداعبه الريح، هكذا هو الإنسان عنيف مع السجانـ ورقيق إذا وقف خلف شبك الزيارة، إنه يذوب في حضن الحنين، حين يقبل بعيونه الدامية جبين أمه الحبيبة، وشعر طفلته، ولو سألت غالبية الأسرى: من أحب الناس إليك؟ سيقول: هي أمي،
وقد سمعت آهات ذلك الحب في عيد الأم، حين كانت تغني فايزة أحمد ست الحبايب يا حبيبة، وحين كانت تقول: يا أغلى من روحي ودمي، يا حنينة، وكلك طيبة، يا رب، يخليكِ يا أمي، يا ست الحبايب، يا حبيبة، كنت أسمع تنهد السجناء، وهم يفيضون أسى وحنان لأمهاتهم.
في حديثي مع السجناء، كنت أوصيهم بأن يتفاءلوا دائماً، فالغد أجمل، وكن أحرضهم على عشق الأمل، وأن يكثروا من الخيال، وأن يرسموا لأيامهم القادمة صورة جميلة، وأن يتخيلوا أنفسهم وقد خرجوا من السجن، وقد التقوا مع الأهل، كنت أوصيهم بأن يتركوا اللحظة، وأن يسافروا بالخيال إلى حيث يحبون، وأن يعانقوا الأحبة كما يتمنون، وكنت أحياناً أرقب ملامح الأسرى وهم يجلسون على الأسرة، في تلك اللحظات التي يخيم فيها الصمت على السجن، ويغرق كل سجين بهواجسه وأحلامه، كنت أتفرس في الملامح، فهذا وجهه مشرق، يعيش مشاهد جميلة، وهذا وجهه يعبس، يتخيل مشاكل معينة، وهذا تطوف ابتسامة على محياه، وكأنه في لقاء خاص، وهذا تتغير ملامح وجهه، وكأنه في شجار أو عتاب أو خلاف.
ورغم حديثي المكثف عن أهمية الخيال، وركوب حصانه والخروج إلى الآفاق، فقد وقعت في مصيدة الحاضر في إحدى المرات، حين كنت في مستشفى “سوروكا”، وبصفتي سجين عسكري كما نسمي نحن أنفسا، أو سجين أمني كما يطلق علينا السجان، فقد كانت تخصيص غرفة منعزلة في المستشفى، فيها ثلاثة أسرة، واحد لي، واثنان للحراس.
وقد تصادق ذات مرة أن جاء مصاباً إلى المستشفى جندي إسرائيلي، فأنزلوه على سرير في الغرفة نفسها التي أقيم فيها، وكان لا يفصلني عن الجندي المصاب إلا سرير السجان.
هو جندي إسرائيلي صغير السن، مصاب بجروح خفيفة، هو طليق، ويقيم على سريره، وأنا أسير فلسطيني، كبير السن نسبياً، مقيد بالسرير، وأقيم على سريري، ولا قاسم بيننا إلا الألم، ولا فاصل بيننا إلا السجان، الذي قد يكون وحشاً وقد يصير الإنسان.
فما الذي حدث بعد ساعة من تضميد جراح الجندي الإسرائيلي، واستقرار حالته؟
لقد بدأت وفود الزائرين من اليهود تهل على سرير الجندي المصاب، فهو حامي حمى إسرائيل، وهو بطلها القومي، وهو النموذج الرائع للتضحية، فكانت تصل إلى الجندي كل خمس دقائق باقة ورد من مجموعة طالبات مدارس، وبعد دقيقة، بطاقة تهنئة من إحدى المؤسسات، وبعد دقيقة ابتسامة مودة من وفد يمثل حركة نسائية، وبعدها هدية من وفد يمثل الجريح، وبعد ذلك وفد يمثل أرض إسرائيل، وبعدها وفد يمثل أمهات الجرحى، وهكذا توالت الوفود، بترتيب ونظام، أمام عيني أنا السجين الفلسطيني المخرب لأمن الدولة العبرية، فكانت الوفود تمر عن سريري، وتلقي إلي نظرة ازدراء شامتة بصمت.
عند المساء، كان الجندي الإسرائيلي الجريح مطوقاً بأكاليل الورد، التي سيطرت على المكان، وزحفت حتى اقتربت من سريري الذي غرق في بحر من الأحزان، حتى جزعت نفسي من الوحدة والإهمال، فما هذا التكريم لهذا الجندي، وما هذا التحقير لهذا الأسير؟ لقد شعرت وكأن الزوار اليهود يتعمدون قهري وإيلامي، وهم يبالغون في رش كلمات الحنان على جبين الجندي الإسرائيلي.
عند المساء لم أعد أطيق رؤية الوفود الزائرة، فأمسكت بشكير السجن، وألقيته على رأسه، وحجبت فيه عيني التي غرقت بالدموع.
لقد تنبه سجاني “موريس” ذو النظارات الطبية إلى حالي، وأدرك بإنسانيته حرارة دموعي المكبوتة، وحزني الغائر، فرفع البشكير عن رأسي، وقال بالعبرية:
لا تحزن “أبو شمالة”؛ أنت عند شعبك أكثر منه أهمية، وسيأتي يوم تعود فيه إلى
بيتك، ويأتي إليك مئات المهنئين!.
لقد أيقظني سجاني “موريس” من غفوة المقاربة، وأعاد لي بكلماته البسيطة زمني الذي ضاع مني في لحظة، وأهداني اتزاني الذي احتجت إليه، ورد لي بكلماته نظرتي المتفائلة للحياة.
بعد سنوات تحررت من الأسر، وزارني في ديوان العائلة في خان يونس عشرات آلاف المهنئين، ولمدة عشرة أيام بلياليها، وليس مئات المهنئين فقط.
يتبع


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *