في وداع غيمة


بيضاء تتهادى في الأفق البعيد ماضية جهة الشرق كعادتها كل عام حين يتبخر البرد، وتجود الطبيعة بالدفء والأمل للخلاص من شتاء قاتم، لكننا نحتفل بشكل مختلف هنا في العراق فصحراء بيئتنا مثل صحراء أرواحنا ليست كتلك البلاد المثلجة الباردة الممطرة المخضرة على ، هي تحتفل بصدق في وداع الشتاء وغيماته البيض والزرق والسود والرمادية، وتنتظر الصيف لتحتفل فهو صيف رائق على أية حال مبهج هواؤوه عليل وسماؤه زرقاء صافية متسعة.
الصيف عندنا حارق طائش متوحش ليست لديه نوايا للرحمة فهو يحمل السيوف والخناجر ليطعن القلوب والأجساد ويقطع الأوصال بسموم لاهب لايترك أثرا للماء والبر، تنحسر المياه في الأنهار والجداول، ويتحول النهران الكبيران دجلة والفرات الى خيطين في الصحراء ضائعين، بينما ينتظر نهر ديالى ماتجود به بحيرة دوكان من بقايا ماء، ولاتعود الأهوار تنتظر الطيور المهاجرة، فكأننا في وداع حياة لا وداع غيمات راحلات الى الشرق يحملن معهن ذكرى موسم مر وإنتهى لنعود ننتظر متى يأتي البرد الشحيح والمطر الأشح في موسم جديد من مواسم الشتاء.
تلكم الغيمات يذكرنني برحيل عزيز، أو هجرة صديق قد لايعود، رحلة لارجعة منها، فالغيمة البيضاء لاتنظر الى الوراء، ولاتلتفت لتعرف من في الخلف، ولاحتى في الأسفل، ولاتنظر الى الأفق الممتد، هي تواجه المصير البعيد القاتل لتتناثر في الأجواء بعد مدة وليتها تستطيع أن تلتقط الصور، أو تطبعها على الأفق، لكن العزاء أنها ترتسم في الذاكرة، وتترك صورتها للموسم القادم لتعود محتفلة ظافرة ولكن بعد شهور من العذاب والإنتظار الذي يطبع حياتنا بالضجر والممل وحتى الحزن، فمن المؤسف أن تمر الأيام والأسابيع ولانرى أثرا لغيمة في سماوتنا المفتوحة والمتسعة والحارة اللاهبة التي عودتنا على تطرفها في الشتاء البارد والصيف الحار.
ترتفع درجات الحرارة وتسخن الأجواء، يتشوق الناس الى البرودة ويبحثون عن مكيفات هواء جديدة، ويحتاجون الى ضمانات بدوام التيار الكهربائي الذي يمكن أن ينقطع في أي لحظة لتتوقف معه الأمنيات وتستعر الأرواح المشتعلة، يخرج الناس الى الشوارع ليتظاهروا ضد الحكومة ومجلس النواب والمحافظين ومسؤولي الدوائر الخدمية ويتهمونهم بالتقصير والفساد وسرقة المال العام ووقف مشاريع بناء الدولة، وتشرع وسائل الإعلام بالتماهي مع الناس الضجرين وتنشر الغسيل وتبدأ بمناوشات مع الوزراء والنواب والمسؤولين الكبار وتكيل لهم الشتائم والتهم التي لاتعد ولاتحصى ومعظمها صحيحة.
يبحث الشبان عن طريق للهجرة، يمضون بعيدا الى الغرب بحثا عن أمل جديد، يصدمون حين يكتشفون إن ماكانوا يحلمون به مجرد وهم كبير لاحقيقة له، وإن كل خير وصلاح وجمال فيه هو للناس الذين يعيشون هناك، وليس للطارئين الباحثين عن فرصة بين ركام المشاكل والأعداد الهائلة للوافدين الذين دفعتهم الحروب الى أوربا ليصلوا، ومنهم من يغرق في البحر ويضيع أو يعثر على جثته فيطوى ويندثر ويتحول الى ذكرى ثقيلة على أهله ومحبيه.


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *