قراءة في مذكرات عبد الستار الدوري المعنونة ( اوراق عتيقة من دفاتر حزب البعث )



عبد الستار الدوري ، المبحر في ماضي البعث على حصان من اوراق عتيقة

تعود معرفتي بالاستاذ عبد الستار الدوري الى بدايات عام 2000 ،وكان من الاعوام حاسمة  بما تلاه من احداث كانت فيه المعارضة العراقية منقسمة بين من يريد الخلاص  من النظام باي طريقة او وسيلة – وقلة ترفض التدخلات الاميركية وتطالب بعملية تغير وطنية مستقلة  الاداة والاهداف والارادة ،رغم انها  لاتمتلك القدرة على تحقيق هذا التغير ، ما يجعل مطلبها اقرب للامنيات  .   كنت مع الاستاذ عبد الستار على الطرف الاخر ،وقد تحمل مني انتقاداتي المنفعلة بالحدث ، برحابة صدر  دبلوماسي ، لاتفارق الابتسامة وجهه  ، وهو يرد باسلوب نقدي ساخر يضفي الاريحية على النقاش. الا ان قرائتي لمذكراته بقدر ما  اخذتني بالذكريات الى سنوات الحقد الشعوبي المجنون ضد كل ما هو قومي عربي مؤمن بالوحدة  من بعثي الجيل الاول ، والناصريين ، كشفت لي اسباب موقف الاستاذ الدوري او شئ من التفسير لاسباب استقالته من السفارة والالتحاق بالمعارضة . وكما يقولون لو عرف السبب بطل العجب .

ما يفهمه قارئ من  المذكرات: ان استقالة الاستاذ عبد الستار وبعض من رفاقه من الجيل الاول او المبشرين الاوائل  بافكار البعث . يمكن ان تُفسر على انها محاولة الجيل الاول من البعثيين من اطلق عليهم الاستاذ الدوري ( أعضاء المرحلة التبشرية لنشر افكار الحزب  والدعوة لاهدافه من قبل ان تتشكل اطره التنظيمية ) ، التنصل او التبرأ  من اخطاء الجيل الثالث ، الذي ما كان له ان يصل الى ماهو عليه من الامتيازات والمكاسب  لولا نضالات وتضحيات ذاك  الجيل الاول والثاني من البعثيين النجباء الذين وضعوا خارج عملية اتخاذ القرار بعد عام 1968، او انهم وضعوا  في موضع الاتهام  كمشروعات  مؤامرة على الواحد منهم ان ينتظر دوره في عمليات التصفية التي جرت لفكر الحزب واهدافه وبُناته الاوائل ، فلماذا يتحمل الجيل الاول وزر ومسؤولية  اخطاء  ما كانت ترضيهم اصلا ولا شأن لهم بها .  ان هذا التحول الكبير في موقف الاستاذ عبد الستار  يعكس حالة احباط وخيبة لنضالات  وتضحيات قدمها الجيل الاول من اجل اهداف لم يتحقق منها شئ – فالوحدة العربية التي كانت تحتل مساحات كبيرة من عقل الشباب البعثيين الاوائل ، فشل  من جاء بعدهم ، ممن تسلق على نضالاتهم ،  في انجازها ، بل يبدو الامر  وكأن الجيل الثالث ما جاء الا  ليقتل الحلم ويرسخ دعائم التجزئة والقطرية  كامر واقع ، يلغي تراث الحزب ،ويصطنع الخلافات  مع سوريا ، باخراج سئ لمؤامرات وهمية ،

المتتبع لمجريات الاحداث بعد وصول البعث للسلطة في عام 1968 ، لايحتاج لمستوى مميز من الذكاء  ليرى : وكأن الهدف من الحكم هو  القضاء نهائياُ على الحلم بالوحدة بين العراق وسوريا ، حتى الانجازات الكبرى التي حققها البعث كتاميم النفظ ، استثمرها النظام لتوسيع فجوة الاختلافات المصطنعة مع سوريا، ولو لصالح شركات النفط الكبرى ، والمشروع الاميركي  المطروح منذ عام 1957 ، الداعي لتحويل مسارات انابيب النفط العراقي من سوريا الى تركيا ، كرد فعل على نسف الضباط القوميين لخط انابيب النفط العراقي ابان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 .استثمر النظام اهم انجازاته التي يمكن ان تحسب بحسابات وطنية  – تاميم النفط –  ليحوله الى معركة ونزاع مع سوريا من يمتلك الاحقية بانابيب النفط ، سوريا ام العراق ، وبالعودة  للاوراق العتيقة  لمخططات السي .اي .ايه  ، ومراكز الدراسات الاستراتيجية الاميركية خاصة ، والغربية عامة ،يكتشف المرء وكأن الجيل الثالث ماجاء او وصل للحكم الا   لينفذ تلك المحططات  ، ويحمي مصالح الغرب والشركات النفطية الغربية الكبرى  .

ففي دراسة معنونة

John C . Campbell, Defence of The Middle East ,New York: Council on Foreign Relations ,1958.

طرح الخبير الاستراتيجي الاميركي جون كامبل  ، مجموعة من الاقتراحات  لمواجهة التيار القومي المتصاعد في سوريا ، والغاء الموقع الاستراتيجي لسوريا ،  اهمها :

1 : اقناع شركات النفط العملاقة المسيطرة على النفط العربي بدفع الدول المنتجة للنفط ، وكان العراق من اهمها ، الى تاميم  النفط ، كي تتولى حكومات  الدول المنتجة حماية انابيب النفط ومنشأته،  وسائل انتاجه وايصاله لاسواق الدول المستهلكة .عندها ستكون الدول المنتجة هي المتضرر الاول من اي عملية وقف لضخ النفط . جرب الرئيس الاميركي ريغان ذلك في خلافاته مع القذافي  بالامر بايقاف استيراد النفط الليبي كواحدة من افضل الضغوطات الاقتصادية  ليدفع القذافي للاستسلام للشروط الاميركية .

2 : العمل على تحويل مسارات انابيب النفط العراقي خاصة من سوريا الى تركيا . اي تفكيك ارتهان النفط العراقي من الشركات النفطية العملاقة لتصبح تحت نفوذ حلف الناتو مباشرة  من خلال تركيا – العضو في الحلف – ،وتحرير انابيب النفط من سلطة القوميين العرب في سوريا لصالح الناتو . لتنتهي  الى الضخ من على شواطئ  الارض العربية المغتصبة –الاسكندرونة – ، التي كان المبشرون البعثيين الاوائل يحلمون بتحريرها من الاحتلال التركي ، كما هو تحريرعربستان وفلسطين (ص :33 ، 118 ) ، جاء الجيل الثالث للبعث المتسلق على احلام جيل المبشرين ليبارك الاحتلال منعا لاي تقارب مع سوريا   .

نجح حزب البعث العراقي في ظل قيادة البكر – صدام ، تحت شعار ( امة عربية واحدة ) ، ( الوحدة ، الحرية ، الاشتراكي ) ، و ( نفط العرب للعرب )  ، من انجاز هذا المطلب الاميركي  خدمة للوحدة العربية على ما يبدو!؟ .

وللامعان في ترسيخ التجزئة ، وتعميق الهوة بين العراق وسوريا ، لجأ البعث في العراق  الى اختلاق   المؤامرات السورية  بين فترة واخرى حتى دون خجل من سوء الاخراج .

ففي شباط 1977، ولمواجهة تقليد شعبي عراقي قديم بالمسيرمن النجف الى كربلاء في العشرين من شهر  صفر ، أُتُهمت سوريا بانها وراء تنظيم تلك المسيرات مقابل  توزيع البرتقال على المشاة ، بغية نسف مرقد الامام الحسين ،مع ان هذا التقليد كان قد سبق وصول البعث الى السلطة في كلا القطرين بعشرات السنوات ،ومع ان بساتين كربلاء كانت من اهم مزارع البرتقال في العراق تزود به كل مدن الجنوب . كان مصير من انتقد اللعبة الدكتور عزت مصطفى العاني ، الطرد من الحزب والوزارة ، مع انه قبل وصول البعث الى السلطة كان الداعم  الرئيس ، ماليا ، الى حد انه باع  منزله والتبرع بثمنه للحزب ، يوم كان عزة الدوري ، الامي الراسب في صف الرابع الابتدائي ،  ليس الا عامل في محل بيع الثلج ، يستجدي  في الليل من الخيرين صدقات ربع الخمر ليعيش رب الخورنق والسديري هربا من عوزه وفشله وحالة الدونية التي كان يعيشها . تصرف الاول كبعثي من الجيل الاول  فطرد من الحزب ، ووقف الثاني موقف التابع الذليل فارتقى في الدرجات الحزبية والوزارية  .

تلاها التامر على الحزب والوحدة  فيما عرف بلعبة مؤامرة عايش – الحمداني في 1979 ، لهدم ما عُرف بالميثاق القومي للوحدة بين العراق وسوريا.  اخرج  صدام حسين بشكل سئ تلك المؤامرة السورية لتصفية الحزب وتحويله الى مؤسسه خاصة تعمل  لحسابه الشخصي ، مع ان الرئيس حافظ الاسد بحكم المنصب ، والتسلسل الحزبي هو من سيكون النائب الاول ، وفي حالة غياب البكر المتعب صحيا فهو الرئيس التالي بلا منازع غير  ، اي ان الاسد لم يكن  بحاجة لان يتامر على حق طبيعي له   بحكم المنصب والرتبة الحزبية   .

لم تتردد قيادة الجيل الثالث للبعث بالعراق حتى عن اهدار الحق العربي في مياه دجلة والفرات ، بعد تشغيل سد اتاتورك ، وما زلت اتذكر كيف ان وسائل الاعلام العراقية تنشر البوسترات ، وتعلن في التلفزيون الاعلانات ملقية  اللوم على سورية ،وليس تركيا ، باعتبارها هي السبب  في ما اصاب الفرات من شحة المياه ،.

ومن تكرار الاسماء  التي ترد بالمذكرات يلمس الانسان كيف عاش الجيل الاول  تراكمات من الخوف ، فهم متهمين بالتامر على الحزب والثورة ، الى ان يحين الوقت ليتحول الاتهام الى ادانة وطريقا للاعدام  ، فالمسالة مسألة وقت ومزاج ، تفضي الى الاعدام لاتشفع لهم نضالاتهم وجهودهم في بناء الحزب .شفيق الكمالي نموذج  منهم ، وهو الذي كان من اوائل  من بشر بانبثاق حزب البعث  في سوريا ، واول من نقل منشوراته الى العراق . ولم يكن مصير باني الهيكل التنظيمي لفرع الحزب في العراق او القائد الاول للحزب الشهيد فؤاد الركابي ، بافضل من رفيقه شفيق . حتى   عبد الخالق السامرائي ،  المتهم بالتامربسبب تمسكه بمبادئ الحزب  الاصيلة ورفضه للبذخ والدكتاتورية  والقمع ، كان يشكل تهديدا للنظام وهوحبيس سجنه ، محروم من التواصل مع احد ، مع انه هو  من كسب صدام حسين للحزب ، ورشحه للمشاركة في محاولة  اغتيال عبد الكريم قاسم  . وغانم عبد الجليل ،وعبد الله سلوم السامرائي الذي غُيب في متاهات المجهول  وغيرهم من ابناء الجيل الاول  . لذلك ارى ، الان ،  في الاستقالة وكانها انعتاق من  حالة خوف مركب ، شديد ودائم عند الرفاق المبشرين الاوائل من هفوة غير محسوبة يمكن ان تصدر منهم او من احد اقاربهم لتنطبق عليهم تهمة الخيانة والتامرعلى الحزب والثورة . او يتم تصفيتهم بحوادث السيارات كما حصل  لعبد الوهاب كريم وغيره ، او يودع في السجن  ويطارد بقية حياته كما حصل مع النقيب محمد علي سباهي ،والعقيد سليم الامامي ، عضوا اول مكتب عسكري للحزب .

تلك هي بعض الخواطر الاولية  التي اثارتها المذكرات عندي ، وكنت كثير اللوم والانتقاد لكل من الاصدقاء عبد الستار الدوري وصفاءمحمد علي ( الذي يصر الاستاذ الدوري على ان يلحق اسمه  بصفة عنجور دون ان يوضح لماذا ) ، وصفاء الفلكي ، وغيرهم ممن تمسك بالحزب واحلام الوحدة  بمرحلة مبكرة ، لعل معظم اعضاء الجيل الثالث  لم يكن قد سمع ، بعد ، باسم الحزب ، او حتى بشعار الوحدة

لاشك ان عبد الستارالدوري الشاب الحالم بالوحدة  منذ سني مراهقته المبكرة ، واصل ارتباطه بالحزب  وسعيه مع رفاقه  من اجل الاقتراب من الوحدة  او السير في طريقها  ، ومع ذلك ظل سعيدا ان يغرق بحلمه وينام في العسل  . فهو يقول او يرى انه كان بعثيا او يعتبر نفسه كذلك حتى قبل ان  تتشكل هيكلية الحزب التنظيمية  في العراق ، متاثرا بافكار  صديقه شفيق الكمالي وما يجلبه من ادبيات ومنشورات حزب البعث  خلال زياراته لاهله في مدينة  البوكمال السورية   فقد كان يؤمن بقوة باهداف الحزب واطروحاته من خلال النشرات التي كان يجلبها شفيق  الكمالي ومنذ ان كان شاب يافع في المرحلة الثانوية . ادرك ان اهم ما يميز فكر البعث هو اولوية  الوحدة كهدف رئيسي لايمكن ان يتحقق هدفا الحرية والاشتراكية من دونه  ،  . ظل الحلم بالوحدة  يكبر من خلال ارتباطه  بالحزب ، ويشعر بالرضى رغم ان التزاماته الحزبية  كثيرا ما كانت بالنسبة  عائق لتحقيق طموحاته الشخصية في واقع الحياة الدراسية لشاب ينحدر من عائلة محدودة الايراد ، يامل هو او اهله ان يكمل دراسته  ليغدو عونا لهم في التخلص مما يعانونه من عوز وحاجة  .

شهد السجن اربع مرات ، مرتين في العهد الملكي ، ومرتين اخريين في العهد الجمهوري ابان تصاعد المد الشيوعي، وفي المرة الثانية أبان العهد الملكي قاده السجن ليس فقط الى طرده من كلية الاحتياط ، كظابط برتبة ملازم احتياط ، بل ظل يطارده هاجس الحصول على شهادة حسن السلوك من مديرية الامن العامة  كشرط للحصول على وظيفة مدنية كمدرس. بشرط اخر يسبقه وهو ان يعلن برائته من حزب البعث  ، ففضل التمسك بامل الوحدة مع معاناة التشرد والفقر بل العجز عن اعانة العائلة الفقيرة.

فهو ابن العامل البسيط في السكك الحديدية ، الذي امتزج عنده الحلم الوحدوي بالامل في ان ينهي حياته الجامعية ليتخرج من كلية الاحتياط كظابط احتياط ، يمكن ان يسهم براتبه  في تحمل بعض المسؤوليات العائلية ، ويعين والده في اعباء  المصروفات المنزلية .  الحلم بالوحدة ، جعله عرضة للسجن ثم الطرد من كلية الاحتياط يوم تخرجه .مع ذلك ظل حلم الوحدة ينمو ويزدهر في صفوف الحزب ، ويغدوا أُس الاساس ( حسب تعبيرات عفلق ) لحل كافة الاشكالات السياسية ، الاقتصادية والاجتماعية التي تضفي بظلالها على حياته الشخصية  المنفعلة بالطبيعة الطبقية لعائلته ، ما كان  يرجح  ان يكون  عبد الستار الدوري ، افتراضا ،  عضوا في الحزب الشيوعي  لا في تنظيم قومي عربي . لكنه متاثرا باحداث ثورة مايس 1941 ، ثم نكبة فلسطين ومجموعة الاصدقاء ، وجد بالوحدة  الحل ، والامل ، ولا حل غيرها .  حالة اقرب للرومانسية في عالم السياسة ، عاشها الجيل الاول من الشباب البعثيين كمتصوفة نساك قبلوا بكل اشكال المعاناة من اجل تحقيق الوحدة للانطلاق نحوتحريرفلسطين وعربستان والاسكندرونة . يدرك الان عبد الستار أنه  كان يعيش وهما وليس حلما ، من نوع  (مظاهر الاوهام الرومانسية  الطاغية في فكر وثقافة الجيل الاول من البعثيين العراقيين ) يطارده بعد السجن  لاكثر من عام ويعيق  حصوله على موافقة الامن العامة على تعيينه مدرسا  .

لعل الكتابة تختزل الاحداث في بضعة دقائق او انفعالات  آنية ، لكن من عاش تلك المعاناة – لشخص مثله ، يعترك في وجدانه  امل ابيه (ان يرى لديهم اخيرا معيل  لاعبائهم المعاشية  ، ورافدا جديدا ومرموقا لراتب الوالد المحدود جدا ، جدا )  . وبين الحلم في ان تتحقق اهداف البعث واولها الوحدة   كحل للخلاص من كل  معاناة  هذه الحياة القاسية .  كانت الغلبة للحلم الوحدوي .دون التخلص من ضغط الحلم الابوي في من يمكن ان يساهم معه في معيشة العائلة . فكان صراعا  شعوري ينغرس في تفاعلات لاشعورية داخلية ظلت  الغلبة فيه لحلم الوحدة  ، التي ضاعت او ضيع الجيل الثالث من البعثيين هذا الحلم   لحساب الطموحات الشخصية لصدام حسين ، وذبح الحزب والوحدة قربانا لتلك الطموحات . فلماذا على الجيل الاول ان يبقى مخلصا لحلم مذبوح ، ولم يكن الذباح من اعداء الوحدة من شعوبيين او دعاة الاقليمية بل ممن أسماهم ميشيل عفلق  ” وحدويو التجزئة ” ( في سبيل البعث ، ص : 234 ) .

تغطي رحلة الاستاذ عبد الستار الدوري من خلال بحثه عن الاوراق العتيقة في مذكراته مساحة زمنية واسعة تصل لاكثر من نصف قرن مليئ بتسارع الاحداث ، لذلك فان مناقشة ما ورد فيها من افكار قد يحتاج لكتاب بحجم ضخم لايقل عن ضخامة المذكرات نفسها . لذلك سيتناول هذا العرض بعض الاحداث والشخصيات الاكثر بروزا فيها ، عدا شخصية الكاتب ، كان عبد الكريم قاسم وعلي صالح السعدي ، والشهيد فؤاد الركابي من اكثر الاشخاص الذين احتلوا  حجما من الحديث في المذكرات ، التي كتبت بلغة انيقة ، بليغة ، واسلوب ينحو نحو مناهج البحث الخاصة بالتحقيق التاريخي  .

لم يكتفي كاتب االمذكرات فيها  بسرد ما عاش وشاهد بنفسه فالكاتب على مايبدو كان قد اطلع وراجع كل ما كتب من مذكرات وحتى دراسات عن المرحلة ،، فيجد القارئ نفسه وكانه امام دراسة او بحث تاريخي  مقارن لمجريات الامور في المرحلة التي غطتها المذكرات ،  بل ان كاتب المذكرات ظل على ما يبدو  يتابع كل ما كتب من مذكرات ودراسات وملاحظات ممن ساهم في احداث المرحلة من قيادات وكوادر  الشيوعيين والبعثيين القدامى  فكاتبها يتوقف بين الفينة والاخرى  ليعرض ماجاء في مذكرات الاخرين من سرد لحدث ما او واقعة ما ليناقشها ، يعرض وجهة نظره الخاصة او حتى وجهات نظر اخرين ، تلك التي تنفي او تؤكد حقيقة الواقعة  ، لنراه ينتقل بنا من شخصية كاتب المذكرات او السيرة الذاتية الى  نزعة  الباحث الذي ينقل الراي الاخر ليصحح معلومة ، يواجه الراي بالراي ، والحجة بالحجة الموثقة . حتى اني شعرت بالغيرة والحسد في انه قرأ اكثر مني مما كتب عن المرحلة .

يسرد الكاتب بلغة ادبية جميلة وبليغة كيفية  تشكل النويات الاولى من خلايا البعث وتوسعها تدريجيا وببطأ بسبب اصرار  الامين القطري للحزب فؤاد الركابي على ضرورة الاهتمام بالنوع دون حساب للكم ، ” والرفض المطلق لظاهرة التوسع الافقي في التنظيم وعدم الانجرار الحماسي وراء مغريات الكسب الخزبي غير المدروس ” ( ص : 53 )   ، وتمسكه بالقيم والمثل والوصايا الاخلاقية ، التي هي نتاج تفاعل ما عُرف به المرحوم فؤاد من التمسك الشخصي بالقيم الاخلاقية العالية والسيرة الحسنة والتهذيب الراقي ، مع القيم الاخلاقية الجديدة التي طرحها الحزب ( ص :53-54 ) .  رغم ان الشهيد فؤاد لم يسلم من النقد غمزا ولمزا في بعض الاحيان كما سنناقش ذلك في الجزء الثاني من هذا العرض

يذكر الكاتب بتفاصيل دقيقة اثر حرب السويس على العلاقة بين البعث وعبد الناصر( ج2 : ص : 7-31 ) التي ظلت محكومة بالعقدة البعثية : ( كنا على العموم نزايد على الاخرين ، ……لتبدو وكأن تلك الاجراءات المصرية  هي من بنات افكار حزبنا ومن صلب عقيدتنا واهدافنا ) ، تلك العقدة التي ظلت تتفاعل الى حد طعن مشروع الوحدة السورية – المصرية بالصميم ، لاعتقاد قيادة البعث انهم الاولى  بحكم سورية ، تحت ظل زعامة اسمية لعبد الناصر، والا فعلى الوحدة السلام  .فالرغبة في الحكم لا الوحدة هي الغاية التي يركض ورائها قادة البعث السوري . عبرت هذا الانحراف والنزعات الذاتية عن نفسها بوقت مبكر جدا من قيام وحدة مصر وسوريا ، يوم استقال الوزراء البعثيين من حكومة الجمهورية العربية بحجة دكتاتورية عبد الناصر ، واعلان التشفي والفرحة بالانفصال من خلال برقية التاييد التي رفعها للانفصاليين  اهم زعيمين بالحزب : صلاح البيطار واكرم الحوراني .

النقد المستعجل للمذكرات هي انه في حين نجد الكاتب يدون صفحات طويلة مؤرخا للحركة الطلابية التقدمية ( يسارية كانت او قومية ) ابان العهد الملكي ( ص:63-110 ) بما يجعل من المذكرات مرجعا مهما  لمن يرغب الكتابة عن الحركة الطلابية في العراق ، الا انه يمر مرورا عابرا بالحركة الطلابية التي قادت لاسقاط النظام الدكتاتوري الفردي لعبد الكريم قاسم ، مع انه كان مسؤولا عن عن المكتب الطلابي او التنظيم الطلابي في الحزب

يتبع

drmalhussaini@gmail.com


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *