كيف كان جمعة الرفاعي يشبهني في جهته الناقصة؟


ما إن استقر ديوان الصديق الوسيم “جمعة الرفاعي” جهة ناقصة بين يدي، حتى دخلت حديقته بشغف الحب ومتعة التلقي، ثمة ما يشبهني، قلت لصاحبي الذي حمل الكتاب ممهورا بحبره السائل على جهة من القلب ناقصة تماما، إلا من ذلك الإهداء!

هل يحدث أن يشبه شاعرٌ شاعرا آخر؟ وهل يجرؤ شاعر أن يقول إن شاعراً ما يشبهني أو أشبهه؟ تجرأتُ وقلت إن جمعة هنا يشبهني كثيرا، وكثيرا جدا، ليس في عناوين القصائد فقط، ولكن ثمة لغة مشتركة واحدة، ومفردات متقاطعة، وعبارات مصوغة، كأنني صرت أشكّ في ذاتي، قصائده تشبه قصائد لم أنشرها بعد، وبعضها مخزونة في “وأنت وحدك أغنية”، هل عشنا التجربة ذاتها لنكون في مثل هذا الشبه؟ هل تمردنا على تلك المرجعيات وتلك الرجعيات لنكتب بلغة واحدة؟ مع أننا لم نتمرد، كل ما في الأمر أن الرؤيا صارت أوسع، والدنيا أرحب من نظرة حزبية أو معقل فكري معين. هل تمردت وجمعة الرفاعي على مرجعيات حزبية وفكرية أم أننا أصبحنا أقرب إلى الله في معرفة ما أودعه الله من جمال في المرأة والوردة والقصيدة؟ كنتُ قبل ذلك أخاف من الله وأخجل من الاقتراب من صنعته وروعة إبداعه، الآن صرت أكثر صداقة مع الله وأحب أن أتأمل صنعته ليمنحني بعض روح القدس لأكتب ما تراءى من هذا الجمال أو تخايل مني على قرب وبُعْد.

ثمة ما يجعلني متشابها مع الرفاعي في جهته الناقصة، وهو الشاعر المرهف الحسّ الودود الطيب، يعطيك ابتسامته اللطيفة قبل أن يلقي عليك وردته كجملة ترقص جذلى، كتب الغزل الذي تجسّ ناره جواه بكل تؤدة وصبر وأناة، جعل مساحة ممتدة للوقت في قصائده، فتح أبواب القصيدة وشرّعها على القرّاء، فضح أسرار الليل والسهر حتى الرابعة فجرا، فجّر قلبه في لغة الشعر، فتناثر قصائد تنزف وجدا. قال بصمت ما يقوله الآخرون بضجيج. تغزل ولم يشر إلى ملامح أو صفات أو أسماء، مسكون بالمرأة ككل شاعر مجنون، لكنها السكنى الناقصة، التي تجعله واقفا متربصا يقول ما يريد قوله دون أن يحترق بلهيب أنثى يخاف أن ترحل كعادتهن جميعا في الرحيل. كان خائفا حذرا يتقي شر الجمال بفيض الروح في قصائد مشتعلة.

وهو هنا بالضبط يفترق عني في أنني محترق حتى الرماد الأخير بالأنثى التي ذرت رمادي على أزهار حقولها، فنبتت وجعا مقدسا أبديا. جمعة لم يحترق بعد كما احترقتُ أنا، كان أقل جنونا، إنه متصيدٌ المرأةَ ليكتبها، فيتركها تمسّه مسّا لطيفا ناعما كقبلة خفيفة دون أن يسمح لها بالتغلغل في أعصابه، اكتفى منها بالماء والهواء ليزرع في ترابه قصائده، متحاشيا النار التي لو سمح لها فلن تبقي من نضارته ووسامته غير ما تأطر في صوره القديمة. فهل كانت امرأة واحدة أم أن القصائد عامرة بنساء كثيرات. ربما هنا أيضا بعض اختلاف بيننا، حتى قلت لنفسي: “كم امرأة في هذا الديوان يا جمعة”؟

جمعة الرفاعي يشبهني كثيرا، مع فارق في العمر والوسامة والنار التي فرقتنا، والمرأة التي التهمتني وحافظت عليه ليظل متوهجا. شكرا جمعة الرفاعي إذ جعلت الكون أطيب كأسا في لحظة عناق قصيدة، تعطيك نفسك قبل أن تملي عليك ملامح شاعرها الجميل.

1

* صدر الديوان عن دار الجندي في القدس، 2016، ويقع في (86) صفحة من القطع المتوسط.


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *