لازمة الحياة


خولة الوريدي

قصة قصيرة

قبيل آذان الفجر بكثير تسلل بكل هدوء كلص خائف من تحت اللحاف, تتلمس قدماه المرتعشتان موطئهما بحذر مرة تلو الأخرى كي لا يتعثر في أبنائه السبعة الممدودة أجسامهم على طول الغرفة كجذوع النخل,
فتح ضلفة الباب ومرق خارجا. تنفس الصعداء وكأنه نجا من الصراط,
لا زال المكان يئن تحت وطأة الظلام..الا أن عيناه لم تخطئا شبكة الصيد المعلقة على حائط خرب.وضعها بعناية كعادته في سلة تفوح منها رائحة السمك النتن المقزز للنفس في هذا الصباح الباكر.
——————
على منحدر ضيق بين الحقول أسرع الخطى يتدحرج كصخرة يدثره الظلام والسكون من كل مكان,…
توجست نفسه.وتسارعت دقات قلبه…ومع كل خطوة يخطوها تهتز وتقفز السلة الفارغة وراء ظهره صعودا وهبوطا,وبين الحين والآخر تمتد يده اليها ليثبتها دون جدوى على ظهره…
———————–
على شط النهر وقف متأهبا يغالب شوقه.وكأنه وصل أخيرا بعد غيبة طويلة الى حبيبته.انفرجت سريرته ولمعت عيناه وكادت تطير ابتسامة من بين شفتيه..وبصوت كله شجن وتوسل الى مولاه.بسمل ولهح لسانه بالدعاء…
-يا فتاح,يا عليم, يا رزاق..تردد صدى صوته على حافتي النهر الموحش…تناهت الى أذنه أصوات الحشرات والضفادع عميقة لا تنتهي مع سكون الليل وسواده ووحشته…
وبخطوات ثابتة تقدم يغالب عباب الماء الجارف وقسوة البرد, يعالج شبكته بيمناه حتى غاب نصفه الأسفل في الماء ,فنشرها أمامه بكل حب وحنان كما تنشر الأم رداءها على أطفالها..غارت الشبكة منحدرة ببطء الى الأعماق وهو يرقبها بتفان وأمل في رزق وفير يكفيه لقوت عياله الجياع ينتظرون عودته بصبر في كل حين….
————————
…وبعد برهة من الانتظار والترقب وعدم معرفة ما يحدث تحت الماء الساكن.. بدأ يجمع أطراف الشبكة شيئا فشيئا في يديه حتى كانت في نهايتها فلم يجد شيئا الا من عوالق وطحالب الماء..فرماها وجمعها..ثم رماها وجمعها…وبقي كذلك على هذا حال في حركاته الآلية دون أن يشعر بالضيق والتعب..ولا للزمن من حوله يمر مر السحاب في سماء خريفية تدفعها رياح موسمية بجنون….
الوقت قارب الزوال ..والحر شديد لا يطاق.. وتكبد ت الشمس قبة السماء وانعدم الظل..تسللت حبات العرق المالحة الى جفنيه وفمه وهو لا يحيد عينيه عن مكان الشبكة..خطف حفنة من الماء.رش بها وجهه.. فانتعش منتفضا..عصر الجوع بطنه عصرا فأحس بألم تشنجت له أمعاؤه ,شد الحزام عليها حتى تهدأ ولا تؤلمه ..كاد أن يستكين الى الراحة..فتذكر أطفاله وصراخ زوجته الشمطاء عند عودته, عاود المحاولة في مكان آخر يتوسم خيرا لعله يغنم بصيد ينجيه من الزفة والشتيمة المرتقبة مساء….
دون جدوى..مالت السماء الى الغروب وبدأت برودة المكان تقرص جلده الخشن العاري..حمل سلته الفارغة عائدا رائحتها الكريهة تذكره بأنه صياد يقتات وعياله بما يجود به النهر من سمك, في صباه كان يزيغ من المدرسة ليجلس الى حافة النهر ويراقب عن كثب الصيادين وهم يخرجون شباكهم مليئة بالسمك,فيعجب كيف تعلق كل هذه الأسماك في شبكة من الخيط, فعشق الماء والشبكة واتخذها مهنة,متثاقل الخطى يزحف نحو البيت..مهموم النفس مكدر البال…تتصارع في رأسه وتتلاطم هواجس وأفكار موحشة غريبة,فتملأ رأسه طنينا كطنين الدبابير أوهي أشبه بأمواج تتلاطم فتنكسر على صخرة صماء..لم يكن ليعير للوقت والزمن ولا للمارة التي ترمقه وتحييه بالا واهتماما..فتتعجب منه ,وهو البشوش والمبادر للتحية والسلام في كل حين…..
كاد أن يصطدم بقامة الحاج محمد تعترض طريقه وهو يبادره بالسلام ويمد يده كالمصافح. قائلا:
– خذ نصيبك من مال الله…
تلعثم لسانه وارتبكت رجلاه فلم تعد تقويان على حمله وغابت الكلمات ولم ينبس ببنت شفة وكأنه أبكم ,امتدت يده المعرورقة وهي ترتعش.. أحس بدفء الراحتين..نظر اليه بعينين غائرتين فاضت بدمع حار على وجهه الشاحب وشفتاه اليابستين من الجوع والعطش وحر الشمس تمتم بالشكر والدعاء ولم يسمع الحاج منها الا وشوشة خافتة…وانصرف وهامته منحنية من ثقل الهموم وصروف الدهر القاسية, و السلة الفارغة تهتز وتتخبط وراء ظهره كعادتها……..
تتمة(لازمة الحياة)
بعد برهة من الانتظار والترقب ..وعدم معرفة ما يحدث تحت الماء.. بدايجمع الشبكة شيئا فشئا في يده اليسرى حتى كانت في نهايتها فلم يجدشيئا الا من عوالق الماء..فرماها وجمعها..ثم رماها وجمعها…وبقي كدالك في حركاته الالية دون ان يشعر بالضيق والتعب..ولا للزمن من حوله..
الوقت قارب الزوال ..اشد الحر.. وتكبد ت الشمس قبة السماء..تسللت حبات العرق المالحة الى جفنيه وفمه..وهو لا يحيد عينيه عن مكان الشبكة..خطف حفنة من الماء.رش بها وجهه.. فانتعش منتفضا..عصر الجوع بطنه ..كاد ان يستكين الى الراحة..فتدكر اطفاله..وصراخ زوجته الشمطاء عند عودته..
عاود المحاولة في مكان ا خر لعله يغنم بصيد ينجيه من الزفة والشتيمة المرتقبة مساء..
دون جدوى..مالت السماء الى الغروب..حمل سلته الفارغةعائدا.ثقيل الخطى..مهموم النفس مكدر البال…تتصارع في راسه اوحش واغرب الافكار.فتملاه طنينا كطنين الدبابير…
لم يكن يعير للوقت والزمن.ولا للمارة التي ترمقه وتحييه بالا..فتتعجب منه .. وهو البشوش والمبادر للتحية..
كاد ان يصطدم بقامة الحاج محمد تعترض طريقه.وهو يبادره بالسلام. ويمد يده كالمصافح. قائلا: خد حقك من مال الله…
تلعثم…لم يكن يقوى على النطق ولو ببنت شفة..امتدت يده المعرورقة وهي ترتعش.. احس بدفء الراحتين..نظر اليه بعينين غائرتين فاضت بدمع حار على وجهه الشاحب…وانصرف منحني الهامة…


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *