معبد انامل الحرير في صالون عواطف الزين الثقافي



الديوان - متابعات

إبراهيم فرغلي: «الخيال»… عماد النص الأدبي

خلال محاضرة في صالون عواطف الزين الثقافي

الكتابة في حياتي منهج يومي… فأنا أكتب لكي أعيش وأعيش لكي أكتب

استضاف صالون عواطف الزين الثقافي الكاتب الروائي المصري إبراهيم فرغلي، ليتحدث عن تجربته الإبداعية، بحضور عدد من رواد الصالون والمهتمين بالأدب. وفي بداية الأمسية قدمت الكاتبة الصحافية والناقدة عواطف الزين فرغلي ملقية الضوء على أهم أعماله، وأشارت إلى عمله الأخير «معبد أنامل الحرير»، مؤكدة أنها قرأت جانبا كبيرا منه ووجدت أن فكرة نص يكتب عن كاتبه هو فكرة فريدة وتستحق التأمل خصوصا أنها كتبت ببراعة.

وعبر فرغلي عن سعادته بالدعوة للصالون وشكر القائمة عليه والحضور وبدأ الحديث عن تجربته قائلا: «اود القول انني حتى اليوم لم أجد إجابة شافية لسؤال مثل لماذا تكتب؟

هذا في تقديري أصعب سؤال سئلته، وللآن لن تقنعني أي إجابة حاولت اقتراحها. أكتب لأنني لا أجيد التحدث. أكتب لأنني مصاب بفوبيا المنصة. أكتب لأنني خجول. أو أكتب لكي يقرأني الناس. أكتب لنفسي. أكتب لكي أعيد رؤية الحياة بشكل أكثر عمقا. أو لكي أحافظ على توازني النفسي. أو ربما أكتب لمجرد أن نداهة الفن ندهتني كما يقال.

لا إجابة في الحقيقة، وقد تكون كل الإجابات صحيحة، لكن الحقيقة الوحيدة التي أعرفها أنني أكتب كل يوم تقريبا، وأخصص منهجا صارما لكي تصبح الكتابة في حياتي منهجا يوميا. وهكذا أكتب لكي أعيش أو أعيش لكي أكتب».

ثم طرح سؤاله: «فكيف بدأ هذا الخيار إذن؟»، وأجاب: «بدأ مع موقف شهدته لرجل صعيدي تعرض لأزمة مالية في زيارة عابرة للمنصورة، ولم يكن معه مليما، واضطر لأن يعرض مشكلته على عابر من العابرين في منطقة ريفية، ثم أصابه ما يشبه الشلل، أو كأن كرامته فجأة انفجرت لأنه اضطر إلى السؤال. تحول إلى البكاء ثم إلى نوع من الجنون، على مدى يوم كامل لم أستطع أن أمحي مشهد الرجل من ذاكرتي. ثم وجدت في داخلي رغبة ملحة للتعبير عن هذا الموقف بشكل فني ولا أعرف لماذا. كنت قارئا نهما، وأحب كتابة موضوعات اجتماعية وسياسية او مقالات لنفسي، ولكن لم يخطر ببالي أن أكتب قصة أو أدبا.

هذه القصة كانت بداية تساؤلاتي الفنية التي تلاحقت بعد ذلك. ما هو الأسلوب؟ كيف تخلق أسلوبك الخاص؟ كيف تكتب نصا حديثا وغير تقليدي ولا يشبه ما يكتبه الآخرون؟ كيف تخلق شكلا خاصا لموضوع النص».

وأضاف: «جاءت إجاباتي في أعمالي القصصية المتتابعة: باتجاه المآقي، مجموعة قصصي الأولى التي دشنت بها نفسي ككاتب، ثم رواية كهف الفراشات التي أثبت بها لنفسي أنني أمتلك الشجاعة لكتابة رواية، وحاولت من خلالها رسم الملامح الأولى للنص الذي أطمح في كتابته، المزج بين الأسطورة والواقع الراهن، تأكيد أن النص الأدبي ليس نقلا للواقع بل كتابة أو اختلاق واقع موازي له، أن الخيال عماد النص الأدبي، ثم منها إلى مجموعة أشباح الحواس التي أردت فيها التثبت من عدة خصائص أسلوبية في التعبير عن الجسد والحسية وسوء الفهم المتبادل بين البشر بسبب امتلاكهم لغة لا يمكن لها أن تعبر تماما عن دواخلهم. وكيفية التعبير عن ذلك بنفس أو بنبرة إنسانية تتخلى عن الخطاب الأدبي الذكوري المعروف في الأدب العربي. وصولا إلى رواية ابتسامات القديسين وجنية في قارورة وفيهما حاولت التعبير عن قضية علاقة الأقباط بالمسلمين».

ثم بدأ طموحي لكتابة رواية تعبر مختلفة تماما تتجاوز الأشكال السائدة وتضع الفن والواقع محل اختبار.

وأضاف فرغلي:«حين شرعت في كتابة أبناء الجبلاوي للمرة الأولى قبل نحو أربع سنوات، توقفت لسبب قدري تمثل في غياب مخطوطة الكتاب فجأة في مرحلة كنت أنتقل فيها من منزل إلى آخر.

لا أعرف كيف تجاوزت هلعي، وغضبي، وقلة الحيلة، من فقداني مخطوط رواية كنت أرى فيها تجربة روائية مختلفة على الرغم من أنها اتخذت شكلا مختلفا تماما لاحقا عما خططته لها في البداية.

شغلت نفسي بكتابة (جنية في قارورة)، التي جاءتني كدفقة، وانتهيت منها في أربعة شهور، ودفعت بها للناشر، ودون أن أنتظر كالعادة صدورها، شرعت على الفور في استدعاء الرواية الجديدة (أبناء الجبلاوي) من الذاكرة».

لكن يبدو أنني مررت خلال تلك الفترة بمرحلة انتقالية بين حالتين، فقد كتبت جنية في قارورة على جهاز الكمبيوتر للمرة الأولى، وأظنني تحفزت، لا واعيا، لحماية كتابتي من مخاطر الضياع، خاصة وأنني لا أمتلك مكانا للكتابة وحتى هذه اللحظة. كما أنني بدأت أعلّم نفسي التحكم في أعصابي وكبح غضبي وانفعالاتي؛ لأنني أدركت أنني أحتاج طاقتي كلها للتركيز في كتابة العمل الجديد.

كنت قرأت كثيرا خلال تلك الفترة عن الرواية، كما قرأت«عددا من الأعمال التي جعلتني أشعر أننا في مصر ابتعدنا تماما عن مسار فكرة الرواية بالشكل الذي تطورت به مسيرتها في الغرب، وزاد الطين بلة أن ظهرت بعض التجارب التي جسّدت الارتداد بالرواية مرة أخرى إلى عصر الحدوتة، ولاقت جماهيرية جعلت البعض يتصورون أن مثل تلك الظواهر انتصار للخفة والبساطة».

وأردف قائلا:«كنت على مدى السنوات الثلاث التي سبقت كتابة هذا النص أقرأ الكثير ما يصدر لجيلي والأجيال الأسبق والأحدث. وباستمرار، لاحظت العديد من المثالب التي تعتور النصوص، إما أنها قصيرة النفَس، وتكاد تكون كتابة ذاتية لا تعبأ بأن النص في النهاية موجه لقارئ أيا كان، أو أنها تتكئ على الحدوتة فقط، أو أنها نصوص ذهنية تماما تفتقر للتخييل، أو أنها نصوص مباشرة تبدو كخطابات سياسية تتخفى في السرد الروائي».

وأوضح فرغلي أن سبب دراسته لإدارة الأعمال جاءت نتيجة تشوش في رغباته بين دراسة الأدب التي كان يفضلها ودراسة الهندسة لكي يكون مهندسا مثل والده وفي النهاية وبسبب ترتيب خاطئ لرغباته وجد نفسه ملتحقا بكلية التجارة الخارجية. وأوضح أنه حسم المسألة في النهاية حين قرر أن يعمل في الصحافة وهو لا يزال في الجامعة حيث التحق بمجلة روزاليوسف.

أثارت الشهادة اهتمام الحضور مثل الفنانة التشكيلية سكينة الكوت التي علقت على الكيفية التي تحدث بها فرغلي عن طريقته في الإبداع مقارنة بينها وبين عملية الابداع لدى الفنان التشكيلي، بينما أثار الكاتب زكريا عبد الجواد تساؤلا عن الكيفية التي يؤثر بها العمل الصحافي على الأديب والعكس، مبديا إعجابه بقدرة فرغلي على تنويع لغته في الأنواع المختلفة.

وتحدث الدكتور نزار العاني قائلا: تجربة الأديب والروائي ابراهيم فرغلي تستحق الوقوف عندها. تحدث ابراهيم عن الأرق الذي تلبّسه في محاولة إزاحة شكل ومضامين الرواية العربية ولو قليلاً عن تقاليدها التي استقرت عليها، وهواجسه التي تدفعه إلى التجديد.

لا يزال ابراهيم فرغلي مسكوناً بذلك الأرق والهواجس التي تحدث عنها في الندوة، وأنا أشهد، وقد أكتب دراسة عن روايته (أبناء الجبلاوي) المذهلة والمختلفة حقاً، وأظنها ستكون علامة فارقة وجريئة في مسيرة الرواية العربية المعاصرة.

2

معبد انامل الحرير في صالون عواطف الزين الثقافي

معبد انامل الحرير في صالون عواطف الزين الثقافي


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *