من عتمة الحياة إلي ضوء الكتّابة


‎محمد الدسوقى

سيّريّة نقدية لأعمال الكاتبة عواطف الزين
لا شك أن دراسة الأعمال الكاملة لكاتب أمر في منتهي الأهمية ، وقد لا يستقر في أبعاده بسهولة ، خصوصا عند التعرض لمن لهم تجارب متعددة في عوالم الكتابة المختلفة ، فضلا عما تحمله الأنواع الإبداعية التي كتبوا فيها الكثير من القضايا التي يمكن أن تكون لها خصوصية عند تناولها نقديا ، وربما يكون أسهل طريق لهذه الدراسة هو دراسة كل نوع من الأنواع الإبداعية مستقلا عن غيره ، ومحصورا في حدوده الفنية ، دون أن نغفل المشترك من الظواهر اللغوية والعلاقات الفنية المتباينة بين الأشكال والقوالب المختلفة ، ومن الطبيعي أن يفكر الكاتب الذي يشعر بأنه قد وصل إلي مرحلة من النضج الفني بأن يقرّر كتابة سيرته الذاتية مع عالم الكتابة ، وهو أمر طبيعي ، وإن كانت الأعمال الإبداعية تعد سيرة ذاتية لصاحبها ، اللهم إلا إذا شعر أحدهم أن سيرته الذاتية ذات مغزي وأثر كبير في مسيرته ، كما هو الحال في كتاب .. الأيام .. لطه حسين ، أما نحن هنا، فسنحاول تقديم سيرّية نقدية لأعمال كاتبة متمكنة ، من حق القارىء أن يقرأ عنها قراءة مستفيضة تضع إبداعها في حيزً من الضوء يليق بتاريخها الفني والإبداعي الكبير ، مذ بدأت مع عالم الصحافة ، بما لها من كبير علاقة بالواقع والأفكار المطروحة علي قارعة الطريق ، وبلغة خبرية تنقل الأحداث والوقائع كما هي ، والتي قد لا يتدخل فيها الكاتب الصحافي سوي بطريقة العرض المعتمدة مهنّيا في التعامل مع أفكار ومناحي الحياة المختلفة ، ولكن بعد تعدد الخبرات يصبح الصحافي ، ليس مجرد ناقل للحدث ، أو الصائغ للأخبار من هنا أوهناك ، بل يكون أكثر وعيّا بالكتابة الصحافية الفنيّة الراقية ، كما هو حال كاتبتنا ، حيث رسمت بقلمها بورتريهات لشخصيات شهيرة وظهر هذا واضحا في كتابها ” أنا وحكايا النجوم ” ، ثم انتقلت إلي كتابة تجربتها الخاصة التي اعتمدتها في كتابها الإنساني التسجيلي ” عزيزي .. النابض حبا ” كما قدمت مقالات نقدية وتحليلية لأعمال مسرحية ، وسينمائية ، وتليفزيونية عديدة ،وروائية أيضا ، وهناك مقالات وأوراق عمر نشرت في صحف ومجلات كويتية ، تجسدت في كتابها ” أوراق ملونة “وكتابها ” الثقافة وطن ” ثم كتابها البديع الشبيه بأدب الرحلة ” كل الجهات الجنوب ” وهو تجربة إنسانية عايشتها الكاتبة تعبيرا عن ممارسات العدو الإسرائيلي في جنوب لبنان ، ويبدو أن كاتبتنا لم تقنع بهذا النوع من الكتابة فحسب ، فارتقت إلي عالم القصة القصيرة التي أنجزت فيها ثلاث مجموعات هي ” زمن الصداقة الآتي ، ولو ينطق البحر، و أوراق امرأة ، ” ، بعد ذلك كان من الطبيعي أن تنتقل الكاتبة من كثافة القص ، إلي رحابة الرواية ، فأنجزت روايتها الطويلة ” فتاة المقهي الوحيدة ” ولم تكتف الكاتبة بذلك ، بل إنها ولجت عالم الشعر واللغة المقطرة ، فقدمت ديوانها البديع “أسطورة عشق ” ولعل القارىء أدرك أن هناك تسلسلا زمنيا طبيعيا ، بداية من عالم الصحافة إلي عالم القصة ، فالرواية ، فالشعر ، ويبدو أن الإبداع هو الإبداع في أي فن وبأي طريقة ، ويبدو أيضا أن طريقة التسلسل الزمنية التي مرّت بها الكاتبة في تعاطيها للكتابة ، بدّت كما لو كانت أشبه بالمراحل الفنية كما أشرنا ، وكأنها مراحل نضج للحرف وتجلياته ، ولهذا سنتابع سيًرّيتنا النقدية في مقابل سيّريّة الأعمال الإبداعية وزمن خروجها إلي الوجود ” من عتمة الحياة إلي ضوء الكتابة ” ومن حقها أن نقول لها لقد استوت كتاباتها كوجود مؤثر في محيطنا الإنساني والإبداعي علي حد سواء .

1- بين الصحافة والأدب
———————–
يهمني وأنا أبدأ قراءتي هذه بأن أشير أولا إلي أن عالم الصحافة هو عالم المتاعب كما يطلقون عليه ، ورب صحافي يكون له طاقة البحث في المصير الإنساني وعذابات الناس وآلامهم وتجارب حيواتهم ، أكثر من أي كاتب أخر ، وغالبا هذا النوع يشبه صاحب الرسالة الذي يحمل علي كاهله عبئا ثقيلا ، يدفعه دفعا إلي بذل الثمن راضيا ، من راحته ومراحه ، كنتيجة طبيعية لشعوره دائما بالمسئولية ، وكأنه وحده عليه مهمة إصلاح العالم ، أقول هذه المقدمة للكشف عن بنية الجانب الصحفي في حياة الكاتبة والإنسانة ” عواطف الزين ” وتحديد مفهوم ومنهج كتاباتها ، خاصة وأننا لسنا أمام مجرد صحافية تعمل في الصحافة نتيجة لتخرجها مثلا من كلية صحافة وإعلام ، أي تكون قد امتهنت مهنة الصحافة كنتيجة طبيعية لدراستها ، بل اتضح أن كاتبتنا أحبت الصحافة ودخلت عالمها باعتبارها الوسيط لمعرفة العالم وتشابكه وتناقضاته وظواهره وقضاياه ولهذا هي اتخذت الصحافة ، أو اتجهت إليها حبا في الكتابة التي هي في نظرها هي روح العالم وقلبه النابض ، والأهم أن تكون كاتبتنا لها موقفها الذي يستخدم زاوية للرؤية تهدف إلي الكشف عن رؤيتها للعالم من حولها عبر عدد من العلامات المهمة التي ترسم صورة للمشهد الثقافي والاجتماعي والسياسي للواقع الذي تعيشه بوعي فكري راق جدا والذي جاء أغلبه في سياق إنساني ينتصر للقيم الجمالية في جوانبه المتعددة ، وليست الجمالية المقصودة هنا ترتبط بجماليات اللغة ، أو السياق الفني للكتابة فحسب وان كانت موجودة – ولكن المقصود أيضا هو جماليات البحث عن الجمال في أي شيء ، والتأكيد علي القيم العليا فيما تكتبه في الثقافة بوجه عام ، فهي ترتكز غالبا علي أداة نقدية له تذوقها الخاص ، والذاتي جدا ، ولكنها لا تبتعد عما يتعاطاه المجتمع الذي تعيش فيه ، ولعلنا نحاول أن نتعرف علي الوعي الذي تمثلته الكاتبة في تقديم تجاربها بداية من تجربتها الذاتية مع ابنها عبد العزيز الهاشم في كتابها الصادر في العام 2011 وهو حالة خاصة جدا من خلال ما تمتلكه الكاتبة من قانون داخلي ينأي عن الثرثرة والتكرار ، أو المدح و القدح في عالم الكتابة بوجه عام .
– عزيزي .. النابض حبا .. عواطف الزين
– ————————-
حاولت وأنا أقرأ كتاب عواطف الزين – عزيزي .. النابض حبا – أن ألتزم بما كتبته الكاتبة عن تجربتها مع طفلها – عبد العزيز – وعدم الدخول إلي اشكاليته بإسقاط تجربتي الخاصة عليه ، فأنا تقريبا عشت وأعيش هذه التجربة مع ابنتي البالغة من العمر 24 سنة ، ولكنني لم أستطع كتابة حرف واحد عنها حتى الآن ، ولهذا ابتعدت كثيرا عن كتاب ( عزيزي النابض حبا ) بعد قراءته لأبتعد عما أوقعه الكتاب في نفسي من مشاعر تطابقت في أحيان ، وتباينت في أحيان أخري مع ما عاشته كاتبتنا في تجربتها الإنسانية البديعة ، وأنا أغبطها علي قدرتها علي كتابة هذه التجربة المبدعة والمهمة ، وأظن أنها قد تكبدت من المعاناة الكثير ليتسنى لها خوض تكرار الألم ، ولهذا آثرت الصمت لبعض الوقت ، حتى لا أَدخل القارىء في إشكالية أخري ، وحتى يتمكن من التعايش الكامل مع هذه التجربة برحابتها ورحابة كونها في صورتها التي كتبتها بها المؤلفة / الأم ، ولعل تجربة الكتابة عن هذا الكتاب تقتضي تجزيىء النص / إلي حقلين ، الحقل الأول هو أن الكتابة تقترب كثيرا من لغة الأدب علي الأقل في شكل الحكاية / السيرة ، مثلما نقرأ قولها “كان عزيز يراقب ما يحدث أمامه حتى يخفت إيقاع الفناجين ويغيب وجه البائع خلف البنايات الشاهقة ، كنا معا نحّول الشرفة إلي ساحة للبهجة – والانجاز – فهو يري ، ويسمع ، ويتكلم ويتعلم وأنا أكتب وأواكب وأعيش ما أشاهده من حولي ، فتأتي الكتابة نابضة بصخب المكان ، كنت اشعر وإياه أننا نري العالم كله ، ونسمعه ، ونحسه ، وننتقل في جهاته الأربع من مكاننا عبر ازدحام الشارع بالوجوه والتفاصيل … ” أما الحقل الثاني فيبدو كما لو كان سجلا تقدم فيه الكاتبة المعلومة حتى ليبدو الكتاب أشبه بدراسة علمية للحالة الإنسانية التي وجدت طفلها عليها ، كما نري في هذا المقطع بداية من تعريفنا بمرض ابنها ” كان عليّ كأم أن أعرف الكثير أو القليل عن المرض – التفسير العلمي الدقيق له وأسبابه المتعلقة بالكروموزومات – وغيرها من التفاصيل حتي يسهل التعامل مع طفلي ، وكما أصبح معروفا فإن الإصابة بمتلازمة داون – تحدث للجنين ، ولا تحدث للطفل بعد الولادة ، وتعود التسمية إلي الطبيب البريطاني ” جون لانغدون داون ” الذي كان أول من وصف هذه المتلازمة في عام 1862 وسماها بداية باسم المنغولية ووصفها كحالة إعاقة عقلية وذلك بسبب رأيه أن الأطفال المولودين بمتلازمة داون لهم ملامح خاصة في الوجه والعينين تشبه العرق المنغولي … ” بالنهاية الكتاب يتضمن تجربة واقعية حاولت الكاتبة تقديمها كنوع من المعرفة والعلم بهذا المرض الذي أصبح وكأنه نتيجة طبيعية لأمراض عصرنا الحديث الذي أراه مدانا إدانة كاملة في خروج أبنائنا إلي الحياة بهذا الشكل ، وغيره من الأمراض التي باتت تصيب الصغار قبل الكبار ، بل أنها تصيبهم وهم في بطون أمهاتهم دون جريرة أو ذنب ، أنه العجز والقهر الذي نعيشه ، علي الأقل في – عالمنا العربي – وقد خرج مجسدا في أجيال مشوهة أو قاصرة ، وبالتأكيد غير قادرة علي العيش دون مساعدة ، وغالبا ستظل تحت رحمة الآخرين إن شاءوا أحسنوا إليهم أو تركوهم في الضلال تائهين ، ولا أظن أن عرض الكتاب هنا قد يفيد أحدا ، فقراءة الكتاب مهمة للغاية لندرك حجم أحزاننا وكيفية التغلب عليها ، بمعني أن هذا الكتاب فيما أري هو صرخة أم عربية في وجه التخلف والقهر والإهمال الذي يضرب بلداننا الغارقة في الفقر والمرض والتخلف ، وليس أمام شعوبها إلا الاستسلام لأقدارهم ، ومن الجميل في هذا الكتاب وهذه الكتابة أن الكاتبة تنتصر للحياة دون أن تشعر القارىء أن أمثال – عبد العزيز الهاشم – ليسوا كوائنا من نوع مختلف ، عن أقرانهم ، ولكنهم ” هم الحقيقيون” بل إنهم من نوع خاص ربما نغبطهم علي خصوصية لم نصل إليها ، فشخصياتهم تتسم بالطيبة والنوايا الحسنة ، والرضا والبراءة ، والجمال ، وهو ما أشارت إليه الكاتبة في أكثر من موضع بأنها تعلمت منه أكثر مما علمته هي ، بل لعلها حدقت كثيرا وتأملت في ذاته ذاتها ، لتعرف قيمة ومعني حياتها أكثر ، فبرغم ما عانته الأم من مكابدات ، لدرجة الإحساس أحيانا بالعجز والقهر ، إلا أن اليأس لم يتسلل إليها أبدا ، بل إن ما قدمته لعزيزها ، ليس أكثر مما قدمه هو لها وهو ما أشارت إليه الكاتبة بقولها ” كنت أسأل نفسي من الذي يعلم الأخر ؟ أليس هو الذي يعلمني كيف أهدأ وأتجاوز حزني ، أوقلقي ، أو ألمي ؟ انه أكثر حنانا عليّ من نفسي ” ذلكم هو عزيز عواطف الزين النابض بالحب كما بدا لأمه أكثر نضجا ووعيا في حنانه وصدقه وعاطفته المشبوبة بالسلام الذي نفتقده بيننا في هذا العالم .
…. يتبع ….


1 التعليقات

    1. محمد الدسوقي

      أسعدني بالتأكيد النشر هنا في صحيفة الديوان – وقريبا تكتمل قراءتي النقدية لابداعات الكاتبة المهمة عواطف الزين

  • أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *