من عتمة الحياة الى ضوء الكتابة


محمد الدسوقي

كل الجهات الجنوب .. لعواطف الزين .. أو الحاضر الذي لا يكف عن الاستمرار
———————————————————————————-
– أحب النصوص التي تكتب نفسها ، وأيضا تلك التي تجيء عن تجربة ، لا لأنها تكون صادقة فحسب ، بل لأنها تكون أكثر تعبيرا عن ماهية صاحبها وطريقة تفكيره ، وأيضا زاوية رؤيته للعالم ، ولعل أصدق تعبير عن هذه المعاني هو القول بأن الحياة كلمة ، وأن وراء كل كلمة كاتب ، يكتب الحياة وتكتبه ، فهو يعبر عن ذاته من خلال المواقف التي يعيشها ، فيبدو العالم مختلفا باختلاف المواقف التي يقابلها ، فتجيء الكتابة عفوية ، حتى ليصفها القارىء حين يقرأ بالبساطة والعمق في آن ، أو السهل الممتنع ، أو ما شابه من توصيفات ونعوت ، وهذا ما أزعم أنه ينطبق علي هذا الكتاب الوثيقة – كل الجهات الجنوب – للكاتبة / عواطف الزين – وهو تجربة واقعية عايشتها الكاتبة عبر رحلتها من الكويت وهو البلد الذي تعمل به ، إلي جنوب لبنان – مسقط الرأس – الذي احتله العدو الإسرائيلي في ذلك الوقت منذ 1982 وحتى عام 2000 فيما عدا مزارع شبعا ، وهذه الرحلة تمت في 12 مارس / آذار 1984 وكما تقول الكاتبة أنها لم تختر الذهاب إلي الجنوب طواعية ، فقد ظلت مترددة فترة ليست قصيرة وكثيرا ما تسأل نفسها .. لماذا ؟ ! كما تقول ” هل هو الخوف من مواجهة العدو وجها لوجه ، ولأول مرة ؟ أم هي صعوبة الطريق ولإغلاق المطار ؟ أم لأنني تركت الجنوب حراً ولا أريد أن أعود إليه مقيدا ؟

2

وفجأة يخطف الموت الأم ، فتحسم الكاتبة الأمر وتقرر السفر مهما كانت العواقب .. ورغم أن جغرافيا المكان كما هي ، لم تتغير ، إلا أن جغرافية الروح تغيرت ، وبدت – للكاتبة – الأشياء ليست هي ، ورغم أن الناس نفس الناس ولكنهم غيرهم ، تبّدل كل شيء ولم يعد أليفا ومألوفاً ، وهنا تصبح مهمة الكتابة هي التعبير عن الواقع بلا رموز ولا إشارات قد توحي بغير معناها ، بداية من المقدمة التي تقول الكاتبة فيها ” بالدم يسّطر شعب الجنوب – اليوم- ملاحم البطولة ليرسم من خلالها التاريخ الجديد .. ذلك التاريخ الذي لا يمكن أن يكون مشرقا إلا بالنضال من أجل الحرية والإنسان والوطن ” والجميل أن كلمة” اليوم ” تجيء معبرة عن الحاضر الذي نعيشه رغم مرور ما يقارب 34 سنة ، لكنه علي مايبدو طالما هناك – عدو – هناك مقاومة شريفة ، وطالما هناك مقاومة شريفة ، هناك الجنوب ، في ظل أمة كما تقول الكاتبة ” طمست معالم تاريخها بالسواد ، وغرقت في بحر الهزائم والمذابح ، وفوق كل ذلك تستسلم برضيً للعدو الذي تهادنه حينا وتعقد معه اتفاقيات مذلة ، منفردة وثنائية في السر والعلن ” وهكذا تبدأ الكاتبة رحلة العودة للوطن في ظل احتلال وطنها ، و الرحلة كلها يكتنفها التوجس ، ورؤية الأشياء علي غير طبيعتها ، والخوف من أذي الأخر ، والكاتبة في كل لقطة أو شعور كانت تحاول استعادة وطنها ، أو تريد أن تسترد أمانها في حضنه ، تلك كانت الرغبة الدفينة التي تتردد بداخلها كلما تعثرت رحلتها في عائق مما صنعه العدو المحتل ، وبداية من يوم السفر الذي توالت فيه صور الأم وكلماتها الأخيرة علي شريط تسجيل تقول فيه الأم لابنتها بقلق بالغ – أريد أن أراك ..أخاف أن أموت قبل أن تعودي .. وتتساءل الكاتبة وماذا يجدي السفر الآن .. أأذهب لأزور ترابك ؟! وتستطرد وهي تكمل ما يجول بخاطرها .. اليوم صار تراب الجنوب أغلي ، صار أطهر ، صار أقدس ، لأنه يضمك ويحتضن فيك المحبة والطيبة والكبرياء ” وتبدأ الرحلة الشاقة من دمشق إلي الجنوب في شكل حكائى ، فمثلا عند الوصول إلي أول عائق إسرائيلي تتوقف السيارة التي تقلها مع آخرين ، وتتجمد أمام الحاجز ، وتحاصر مجموعة بنادق السيارة ، ويهبط الجميع وهم يتبادلون نظرات التوجس ، فيما تكون فوهات البنادق مصوبة إلي الرؤوس ، ويتولي أحدهم إلقاء محتويات الحقائب علي الأرض ، دون أن يلمسها بيده ، بسبب الخوف والجبن ، ولهذا هو يترك لفوّهة بندقيته هذه المهمة البغيضة ، وتتكرر المواقف ، والصورة السردية هنا تحكي نفسها بلا افتعال ولا تعّمُل ، بمعني أن المواقف استنتجت لغتها التي تتوافق مع إيقاعها ووطأة أحدوثتها ، وكلما تعقدت المواقف واشتدت وطأة هيمنتها وتحققها ، اندفقت اللغة بعفويتها دون أن تكون مثقلة بدلالات أخري ، وليس المقصود هنا أن تجيء اللغة محايدة ، ولكنها لم تتورط في توليد فلسفتها الذاتية الخاصة ، وتواصل الكاتبة قص قصة رحلتها للجنوب المحتل ، وحال وصولها تهرع إلي غرفة أمها الحزينة ، وتري الحديقة الخرساء ، والأب المكلوم ، والأشقاء الحزانى ، وكأنها تريد أن تتأكد من موت أمها ، وتمرض ويتم نقلها إلي المستشفي ، وفيها ، تشتبك مع عالمها ، فتستمع إلى ما يدور حولها من أحاديث متفرقة ، وتري أفعال العدو ، وبطولات بعض المقاومين ، والخونة والعملاء من جيش لحد وغيرهم ، إلي أن تحين عودتها مرة أخري ، وتقول الكاتبة ” مثل انتزاع الروح من الجسد ، أنتزع نفسي من بحر الجنوب لأغرق في الشوق إليه ” ، وهكذا تكون رؤية عواطف الزين التثويرية الحزينة تشير إلي بذرة المقاومة التي انتابت الجنوب اللبناني ، وهو ما أصبح واقعا تؤكده الجملة المتفردة في نهاية الكتاب الوثيقة ” وكيفما اتجه فكل الجهات الجنوب ” نعم لقد اصبح الجنوب هو أزمة العدو الحقيقية ، و العدو نفسه يري أن الجنوب ” وحيدا منفردا متفرداً ” هو الذي يهدد وجوده حتى الآن ، وأصبح من المسّلم به أن المقاومة التي ولدت هنا ، ستبقي هي الحاضر الذي لا يكف عن الاستمرار !


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *