نجمة النمر الأبيض نموذج لرواية الفقد والسعي!



آمال عوّاد رضوان

الخبر: في قاعة كنيسة مار يوحنا المعمدان الأرثوذكسيّة في حيفا، وتحت رعاية المجلس المليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ/ حيفا، أقام نادي حيفا الثقافيّ أمسية ثقافيّة بتاريخ 6-10-2016، تناولت رواية “نجمة النمر الأبيض” لد. محمد هيبي، وذلك وسط حضور كبير من الأقرباء والأصدقاء والأدباء من المثلث وحيفا وسائر الجليل، وقد رحبّ المحامي فؤاد نقارة مرئيس ومؤسس النادي بالحضور والمشاركين، منوّهًا إلى توضيح بعض ملاحظات مهمّة وأساسيّة حول نشاطات النادي وبرامجه القادمة، ثمّ تولّت عرافة الأمسية أميمة محاميد، وتحدّث عن الرواية كلّ من: د. لينا الشيخ حشمة وبروفيسور إبراهيم طه، وكان مداخلة قصيرة لعروس الدامون غدير بقاعي، تتوافق ومضمون الأمسية والرواية، وفي نهاية اللقاء شكر المحتفى به د. هيبي الحضور والقائمين على الأمسية والمنظمين والمشاركين، ثمّ تمّ التقاط الصور التذكاريّة!

كلمات التقرير بالتفصيل:

مداخلة المحامي فؤاد نقارة مؤسس ورئيس نادي حيفا الثقافي: الأخوات والإخوة مساؤكم خير، باسم المجلس المِلّيّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ في حيفا، وباسم نادي حيفا الثقافي وباسمي، نرحّب بكم في قاعة كنيسة القدّيس يوحنا المعمدان الأرثوذكسيّة، في لقائنا الثقافي مع الاخ د. محمد هيبي ومناقشة روايته الأولى “نجمة النمر الابيض”. أطلب من الحضور المحافظة على الهدوء، وإغلاق الهواتف النقالة، والامتناع قدر الإمكان عن إعطاء ملاحظات لغويّة وأخرى، حفاظا على احترام المشاركين في المداخلات من على المنصة.

أشكر جميع الإخوة من أعضاء نادي حيفا الثقافي الذين يعملون بكل الجهد والطاقة تطوّعًا لإنجاح نشاطات النادي، وأخص بالذكر الإخوة: المحامي حسن عبادي، والشاعرة آمال عوّاد رضوان، وخلود فوراني سريّة، وفضل الله مجدلاني ود. جوني منصور، وأشكر المجلس المِليّ الأرثوذكسيّ الوطنيّ في حيفا، ممثّلًا بالإخوة أعضاء المجلس الأستاذ جريس خوري والمحامي كميل مويس، فلولا دعم المجلس المليّ الكامل غير المشروط لبرنامج النادي واستخدام هذه القاعة لنشاطات النادي، لما تمكّن النادي من القيام بنشاطاته. الشكر أيضًا للمشاركين الدائمين الذين أصبحوا جزءًا أساسيًّا من برنامج النادي، فالحُلم بإقامة النادي راودنا منذ مدة طويلة وحققناه، فأصبحَ مؤسّسة ثقافيّة لها اسمها على مستوى الوطن، ومِن ضمن أهدافنا تقريبُ الأدباء والمثقفين من بعضهم البعض، والتعارف فيما بينهم، وإيجاد دفيئة حاضنة للفكر والثقافة المتنوّرة، وأهداف اخرى حققناها في العمل المتواصل من نشاطات النادي، حيث أصبح اللقاء أسبوعيًّا كلّ يوم خميس، له صبغة ثقافيّة واجتماعيّة بامتياز، بحسب ما نلمسه ونسمعه من الأخوات والإخوة المشاركين والمُتابعين.  وفي هذه المناسبة نبارك للأخ الزميل والأديب سعيد نفّاع بخروجه إلى الحرّيّة يوم الاثنين 10-10-2016، والنادي بصدد الاحتفاء به بإقامة أمسية لأديبنا المُحرّر.

من لا يعمل لا يخطئ، وبما أنّ نشاط النادي تطوّعيّ، فأنا مستعدّ دائمًا لسماع أيّة ملاحظات بنّاءة، لِما فيه منفعة نشاطات النادي. أمسياتنا القادمة: *بتاريخ 13-10-2016 إشهار رواية “محاق” للكاتب ناجي ظاهر. *بتاريخ 20-10-2016 إشهار الطبعة الثالثة من الكتاب الوثيقة “يوميات طبيب في تل الزعتر” للدكتور الطبيب يوسف عراقي الحيفاويّ الأصل الذي سيحضر خصّيصًا من النرويج حيث يقيم، وذلك بمناسبة الذكرى الأربعين لمجزرة مخيّم تلّ الزعتر. *بتاريخ 03-11-206 إشهار “حكاية عشق” و “جداريّات نصراويّة” للأستاذ فتحي فوراني. *بتاريخ 10-11-2016 عكاظيّة حيفا الثامنة مع الشعراء عبد الرحيم الشيخ يوسف، وسماهر نجّار، وابتهاج داود خوري، وعرافة الشاعر أنور خير المواظب على حضور كلّ الأمسيات. *بتاريخ 17-11-2016 إشهار كتاب البحث في “أدب السجون في مصر وسورية والعراق” للدكتورة لينا الشيخ حشمة. والشاعرة سلمى جبران وإشهار مجموعتها الشعريّة “خارج مدار الذات” في رام الله أوّلًا في متحف محمود درويش بتاريخ  10-10-2016، وفي حيفا مسرح الكرمة بتاريخ 16-10-2016 الساعة 19:30 نأمل تشريفكم.

الشكر الكبير لد. محمد هيبي المواظب دائمًا على حضور أمسيات النادي والمشاركة في المداخلات، ونشكرك على روايتك الرائعة، وأشكر بروفيسور إبراهيم طه، ود. لينا الشيخ حشمة وأميمة محاميد المشاركين في هذه الأمسية، وأطلب منهم التقييد بالوقت المُخصّص لهم حفاظا على نجاعة البرنامج. وأخيرًا، صفحة نادي حيفا الثقافي على الفيس بوك وهي متاحة للجميع، ننشر فيها صور وتسجيلات المداخلات والتقارير الأسبوعية عن نشاطات النادي، ويمكن التواصل معنا عبرها.

مداخلة أميمة محاميد: الكتابةُ تأتي الينا لا نذهبُ إليها، تشتاقُنا الكلماتُ كما نشتاقُها، حينها ينزلقُ القلمُ فيسيلُ الحبرُ فوق الأوراقِ المتعطشةِ بسلاسةٍ وإنسيابٍ، ليرسم ويُجسّد لنا بريشتِهِ الإبداعيّةِ أجملَ اللوحاتِ، ولكلّ لوحةٍ قصّةٌ وحكايةٌ، منها ما يُفرحُنا ومنها ما يُبكينا، وبعضُها يَستفزّنا ويحبسُ أنفاسَنا، نركبُ عُبابَ الكلماتِ ونُبحرُ في خيالِنا، لاستكشافِ ما بين السطورِ من معانٍ ومعرفةٍ وحقيقةٍ. في كثيرٍ منَ الأحيان نشعرُ أنّنا جزءٌ لا يتجزّأ مِنَ الروايةِ، نعيشُ اللحظاتِ الهاربة، نتقمّصُ الأدوارَ ونشعرُ أنّنا أبطالُ الرواية، تستوقفُنا العباراتُ والصّورُ، نعانقُ الكلماتِ ولا نتركها، نشهقُ ونقولُ: الله ما أجملكَ أيُّها الكاتبُ! وهذا إن دلَّ على شيءٍ، فإنّه يدلّ على القدرةِ الإبداعيّةِ لدى الكاتب، إذ استطاعَ أن يُلامسَ بِحرفِهِ الماسيّ إحساسَ القارئ ويُحاكي مشاعرَهُ، وهذا ما لمسناهُ في روايةِ نجمة النمر الأبيض للكاتب الدكتور محمد هيبي، إذ استطاع كاتبُنا بأسلوبِه المتميّزِ أن يستفزّ القارئ، ويُشعِلَ فتيلَ الضوضاءِ داخلَهُ ويحاكي وجدانَه، كلماتُه تدغدغ المشاعرَ، حروفه تعبقُ برائحةِ التراب وأريجِ الزعتر والزيتونِ، ممّا جعل للروايةِ نكهةً خاصّة ومميّزةً.

ماذا قال د. بسام فرنجيّة في رواية نجمة النمر الأبيض: حروف وكلمات محمد هيبي تتراقص في أعين القارئ قبلَ أن تدخل وجدانه، فالرواية ساحرة القراءة، ممتعة الأسلوب، قويّة الأفكار، ذات جاذبيّة خاصّة، وما أن يبدأها القارئ ، فلا يستطيع أن يتركها من يده حتى يُنهيها، ومِن علاماتها المميزة تلك اللغة الشاعريّة التي تنساب سلِسلة في كلّ جملة، وتلك اللغة العربيّة المتينة السبك التي يُجيدها الكاتب ببراعة لافتة للنظر، فالكاتب يغرف من بحر، بل يغرف من بحر شعريّ ولغويّ، فهو سيّد اللغة، وتأتي الكلمات من قلمه طيّعة سلِسة محبوكة بعفويّة خاصّة، بأسلوب السهل الممتنع، ممّا يزيد الرواية جمالًا وجاذبيّة وسِحرًا، وأنا أقول لك: يا فارس القلم طوبى لك وطوبى لنا.

مقتطفات من مداخلة إبراهيم طه/ نجمة النمر الأبيض نموذج لرواية الفقد والسعي: هي رواية الدكتور محمّد هيبي، تتميّز بمبنى مأنوس وثابت، وهو مبنى كلاسيكي معروف ينهض على فلسفة الفقد أو الغياب. هكذا قرأت الرواية. هكذا فهمتها. ولا شكّ في أنّ الكاتب أحسن توظيف هذه الفلسفة في هيكلة الرواية وبنائها على نحو يجعلها رواية تقليديّة. وفي مسألة الحبك استطاعت الرواية أن تصل الحدث بالحدث وتشدّ الشخصيّة إلى الشخصيّة بأدوات كثيرة منها: البعد الذاتي الصادق المقنع، والضمير الأوّل الذي يقرّب القارئ من السرد، والمشاعر الجيّاشة الدافقة في الحبّ والحنين والحزن والأمل والألم والرجاء… وهذه كلها بطبيعة الحال تجعل الرواية حركيّة دافقة دراميّة. يُصوّر الكاتب في روايته مأساة الشعب الفلسطينيّ كلّه من خلال قصّة أمّه وأبيه وعمّه، فيها يتّجه من الميكرو إلى الماكرو.

إلى جانب الفصول الجميلة في الرواية ثمّة فصول تكثر فيها الثرثرة والمونولوجات المطوّلة والمبالغات والاقتحامات البوليسيّة. وهي في الحقيقة آفةٌ عامّة، مرض طال أدبَنا الفلسطينيّ بصفة أو بأخرى في كلّ مراحل تطوّره. وفي المحصّلة الأخيرة، مشكلة الرواية مع هذه الاقتحامات في: (1) الكثرة. الوتيرة السريعة التي يظهر فيها القول السياسيّ في الرواية. (2) المبالغة. تجاوز كلّ حدّ معقول ومنطقيّ. (3) الموقع. وغالبًا ما تقطع الطريق أمام تدفّق الأحداث المتخيّلة الكافية في ذاتها لأن توصل القارئ إلى ما يسعى إليه الكاتب من قول آيديولوجي. وفي الأخير، نذكّر بأنّ الأدب نشاط حييّ، خجول، دبلوماسي، متملّص. ولا يصير الشعر شعرًا بالشعار، حتى وإن قال صاحبه: “فليسقط الاحتلال ولتسقط الرجعيّة العربيّة” ألف مرّة.

مداخلة د. لينا الشيخ حشمة: حين يضيق الواقع يمسي الحلم أداةً لترميم الذّات المشرّدة، ويصبح حقيقة، ولو على سبيل التّمنّي. هكذا يكون الخيال الأدبيّ شكلًا من أشكال الحريّة؛ يحرّر النّفس في فسحة الفعل القادر على الخلق والتّغيير. لهذا يكتب د. هيبي، يكتب تفريغًا للحزن المكبوت، وتطهيرًا لألم الفقد، ليحقّق توازنه المفقود من فقده لوطنٍ يعشقُه، ما زال فقدُه يقتلُه.

إنّ فعل الكتابة هنا هو انعتاقٌ وأمل. يكتب هيبي ليلومَ من كاد ينسى، وليذكّرَ بجرحٍ ما زال ينزف، هو جرح المنارة والمشرّدين. يكتب لينفضَ عن ذاكرة بني الأعفم غبارَ السنوات الطّويلة، لذاكرةٍ قد ضاعت في متاهات النسيان وغدر الزّمان، واعيًا  لدور الأدب في حفظ التّاريخ والذّاكرة، مؤكّدًا أنّ المنارة، وهي حكاية من اقتُلع من وطنه من بني الأعفم، من أبناء المنارة، هي الوطن الذي كان، والذي سيبقى والذي سيعود، وهذا هو حلم محمّد الأعفم، بطل الرواية.

الأعفم كما يوضّح لنا الكاتب بآليّة الميتاقصّ في الإهداء: “هو رمز للإنسان العربيّ الفلسطينيّ المشرّد في الوطن والمَنافي تسكنه المنارة، ويحملها جيلًا بعد جيل”. ومحمّد الأعفم جاء إلى الدّنيا بعد النّكبة، يبلغ السّتّين من عمره،  يعيش وجع الانتظار، يحمل المنارة في قلبه وفكره، يبحث عن طريقها، رافضًا الزّواج بعيدًا عنها. هو ثمرة الخراب والضّياع، هو الضّياع،  ولكنّه الأمل الذي لا يضيع. “هو حكاية عمر استباحه الغدر، غدر الأعداء، وغدر الأخوة الأعداء. غدر الأخوة الأعداء قبل الأعداء”(ص8). هكذا صارت المنارة كومةً من حجارة، أمست حلمًا بعد أن كانت حقيقةً. لم يولد فيها محمّد الأعفم ولكنّها ولدت فيه، يراها عروسًا حسناءَ ترتدي ثوبها الأبيض، تنتظر فارسها الّذي تأخّر. أمّا هو فيأتيها فارسًا هزمه القهر والحنين، وقتلته الثرثرةُ الصّامتة عبر السنين. هي ما زالت تنتظر، أمّا هو فقد سئم الصّمتَ والانتظار.

تكثر ملامح التّصوّف في هذه الرواية، فإذا كان الصّوفيُّ يعاني غياب الحبيب إلى أن يلتحم به ويتحقّق “الاتّحاد”؛ فالأعفم صوفيٌّ يعاني في غياب حبيبته المنارة. وإذا كان واجب العاشق الصّوفيّ أن يجعل من المعشوق غايةً في ذاته، فالأعفم يجعل من المنارةِ الحقيقةَ الأسمى والغاية العليا، إلى أن تمسيَ يقينًا وينتهي إلى أحضانها. وإذا كانت الصّوفيّة هي غريزة السّؤال الّذي يلوب على المجهول والمفقود، فإنّ الأعفم يلوب متسائلًا عن المنارة المفقودة. والسّؤال هنا سعيٌ وراء الكمال، والسّعي بداية الفعل، والفعل قد يبدأ بالحلم. أمّا المتسائل فهو مسلوبٌ ومقهور؛ وقد أدخله السّلب في قوقعة التنقيب عن اليقينِ، حيث الفضاء الموجع المشرذم بالغياب. وإلى أن يمسيَ الغيابُ حضورًا يلوب عليه الوجدانُ لَوَبانَ الأمِّ على ولدِها الرضيعِ. هكذا يكون الصّوفيّ، وهكذا كان الأعفم.

إنّ الأعفم مشغولٌ بالطّريق إليها أكثر من انشغاله بالغايةِ نفسها، فكم من مرّة يكرّر كلمة “الطريق” في الرواية! ويذكّرني هذا الانشغالُ بالطّريقِ والشّوقِ إلى الخلاص ببحث صابر عن والده في رواية “الطّريق” لنجيب محفوظ، وإن اختلفت طريق صابر عن طريق الأعفم. كما أوافق أستاذي بروفيسور إبراهيم طه في قوله، بأنّها تذكّرنا كثيرًا بقصّة زعبلاوي لمحفوظ أيضًا. فإذا كان صابر يبحث عن والده ليمنحه حياة كريمة، وإذا كان الرّاوي في قصّة زعبلاوي يبحث عن زعبلاوي ليقدّم له الشّفاء والسّعادة، فالأعفم كذلك يبحث عن السّعادة في عودة المنارة. وإذا كان الأعفم يشعر بالضّياع لأنّه لم يصل إلى اليقين بعد، أيّ المنارة، فإنّه سيشعر باليقين عندما يلتقي بسلوى، امرأة المنارة، حينها يرى الأعفمان سعادتهما تتحقّق في الحلم. كذلك يجد الرّاوي السّعادة في قصّة “زعبلاوي” عندما يلتقي بزعبلاوي في الحلم.

وحين يصل الصّوفيّ إلى حالة الوجد يستطيع أن يجد التّوافق الضّائع بينه وبين نفسه، مثلما يصل الأعفم مع سلوى الى حالة الوجد وينتشي بالحبّ، ويتذوّق سعادة الوجود، فيدرك أنّه في طريق المنارة. والمحبّ الصّوفيّ يمحو من قلبه كلّ شيء إلّا المحبوب. كذلك ينفّض الأعفم قلبه من كلّ شيء إلّا المنارة، مسخّرًا كلّ علاقاته وذكرياته وهواجسه للمنارة.

صورة المرأة في الرّواية: يسعى د. هيبي للتّأكيد على مركزيّة حضور المرأة الفلسطينيّة في الرّواية. فإذا كانت الأنوثة قد اقترنت على صعيد الوعي الجمعيّ بالضّعف والخنوع، فإنّها بعيدةٌ هنا أن تكونَ خاضعة عاجزة، فقد وصلت قمّة التّفاعل مع الهمّ الجماعيّ والوطنيّ، بَدءًا بوالدة الأعفم وصولًا إلى سلوى الأعفم.  يتجلّى نضال الأمّ في عدم رضوخها لقرار أهلها في ترك زوجها، وفي رفضها التّخلي عن المنارة. ربطت مصيرها بمصير الوطن، واختارت البقاء مع زوجها وهي تدرك حياة التّشرّد الّتي ستدفعها مقابل قرارها هذا. لعبت دورًا مهمًّا في ترسيخ المنارة في ذاكرة أبنائها، فيقول الأعفم مخاطبا نفسه: “ألم تكن المرأة هي السّبب؟ ألم تكن أمّك هي المرأة التي غرست المنارة في كيانك وقبل أبيك! أججّت حبّ المنارة في قلبك؟” (ص93). ويتماهى حبّ الأمّ مع حبّ المنارة لأنّها رابطه الأوّل بالحياة وبالمنارة كذلك (ص168). إذن هي المرأة، منبع الحياة ورحمها.

ثمّ تظهر حمدة، حمدة هي تلك الشابّة الفاتنة الّتي حملته إلى المنارة فزارها معها لأوّل مرّة في حياته. كانت حمدة  في العشرين من عمرها، وكان هو صبيًّا. لم يكن يعرف المنارة، كانت ما زالت في مخيّلته مجرّد خيالٍ، لكنّها غدَتْ معها حقيقة. منذ ذلك اليوم الّذي حضنته حمدة باتت المنارة لا تفارقه، وليس جسد حمدة إلّا رمزًا للمنارة. ففي هذه التّجربة تتجسّد في نفسه تلك العلاقة الّتي ستربط عمره بالمرأة والمنارة معًا.

ثمّ تظهر سلوى الأعفم، هي امتدادٌ للأمّ وحمدة، ساحرةُ الجمال، تشبهه بالأفكار وبعشقها للمنارة. هي نموذجٌ للمرأة المثقّفةِ الجريئة القادرة على الفعل وصنع القرار. فلا يقدّم هيبي صورةً نمطيّة للمرأة المقموعة، بل يقدّمها شخصيّة أملت مكانتها واحترامها على الرّجل، فلا تقلّ عنه صبرًا وتضحية ووعيًا وإبداعًا، مؤكّدًا أنّ عدم نسيان المنارة لا يقتصر على النّضال الذّكوريّ، بل إنّ للمرأة دورًا في تثبيتها في الذّاكرة. وكأنّه يقول:  ليست ذاكرتي مثقلةً بثقافة قمعيّة ضدّ المرأة، فها هي في روايتي تتربّع على عرش الثّقافة والجرأة، وفقط في حضنها يكون الخلاص، ومعها يتحقق الحلم. الأعفم بحاجة إلى جرأتها. وفي سبيل تحقيق حلم المنارة لا بدّ لنصف المجتمع، أي المرأة أن يكون حرًّا وقويًّا ومشاركًا. كما أنّ امتلاك المرأة لمستوى ثقافيّ جامعيّ عالٍ يؤهّلها كي تنخرط في قضايا مجتمعها، ويمكّنها من الدّفاع عن طموحاتها ومشاعرها.

إنّ شهرزاد هنا لا تخاف ولا تخشى السّيف، بل تنافس الرّجل وتقتحم مملكته في حقّ الكلمة والتّعبير، وهيبي لا يريدها في صراع مع شهريار أو أن تسرق قلمه، بل هي كالأعفم، مبدعة وكاتبة ومعلمة للموضوع ذاته الذي يعلمه. هكذا يسعى ليؤكّد أنّ شهرزاد الفلسطينيّة تشارك شهريار في حمل السّيف في وجه الهزيمة والنسيان. هي نجمة النمر الأبيض. سحرها لا يقاوم، والنمر لا يروّض كما يقول البروفيسور طه نقلًا عن الكاتب زكريّا تامر، ولذا هي لا تروّض ولا تقمع ولا تنسى.

يكثر الأعفم من تساؤلاته حول سلوى وعلاقتها بالمنارة، كتساؤله عن دور المرأة في وطن مفقود: “هل يستطيع الحبّ أن يجعل الوطن امرأة؟”، “هل يصبح الوطن امرأة؟”، و”هل يكون الحبّ مشروعًا بعيدًا عن هذا الوطن/ المنارة؟. لكنّها أسئلة تؤكّد أكثر ممّا تسأل، تعلن لا تصرّح، ولا تمنح القارئَ فرصةَ المشاركةِ في عمليّة التواصل الأدبيّ، بل سرعان ما يقدّم الكاتب الإجابات جاهزة، مؤكّدًا أنّ سلوى هي الملاذ، وأنّ حبّ المنارة وحبّ المرأة شيء واحد. ألم تعلّم والدة الأعفم ابنها، أنّ “المرأة تكون كلّ شيء حين يفقد الانسان كلّ شيء” (ص 187-188).

الأعفم الذي تجاوز السّتين يعتبر نفسه مشروع عجز وضعف، لكنّه في لقاء سلوى لم يفقد الأمل الذي لا يضيع ولا يروّض. السّتون هنا هي إشارة إلى عمر نكبة المنارة. إذن المنارة، وإن طال انتظارُها، لم تفقد الأمل. وسلوى الّتي تجاوزت الثلاثين هي مشروع حماس وقوّة شباب، معها سيكفّ عن الصّمت ويخطو خطوته الأولى في الطريق. هناك سيُختصر الزمن في عمر واحد، ويقترب الحلم من الحقيقة.  “فما جدوى المرأة إن لم تكن حلما أو مشعلا ينير طريق الرجل إلى فردوسه المشتهى؟”(ص74). هكذا  يؤكّد الأعفم.

سلوى هي المرأة التي ستلهيه وتنسيه وجع المنارة وتحييه من جديد. إذن؛ سلوى المرأة تعادل الحياة والمنارة. لذا يختار الكاتب لقاءهما في آذار، “لأنّه شهر المرأة والأمّ والأرض” (ص33). كما يقول الراوي. من هنا، المرأة رمز الوطن والخصوبة والحياة. وسلوى كانت بحاجة كالأعفم إلى من ينير طريقها، “أنا بحاجة إلى رجل يحبّني” (ص120) تقول له. سلوى ما زالت تنتظر حبيبًا وتتوق إلى الأمان على صدره. هي كالمنارة تنتظر فارسًا يجعلها حقيقة، الوطن الّذي ينتظر من يحييه. هكذا يمسي المكان امرأة، وتغدو المرأة مكانًا.

ويتحقّق الحلم في الفصل الأخير، لقد رأيا الحلم ذاته في اللحظة ذاتها في غفوة واحدة (ص360-364). وفي الحلم يكون الاتّحاد، يحملها إلى المنارة ويتعانق الجسدان إلى أن يزهر الربيع في المنارة”(ص364). ولا تنتهي الرواية قبل أن يطلب الأعفم  من سلوى أن تتزوّجه. وفي هذا إشارة إلى أنّه إذا تحقّق الاتّحاد مع سلوى فلا بدّ أن تتحقّق عودة المنارة. هكذا تنتهي الرواية من الاقتراب من حدود الفعل والأمل. وليس عبثًا أن يجعل الكاتب ترتيب الفصول على هذا النّحو. فإذا كان الأعفم قد عانى بصمت طوال الفصول الأولى. فها هي اللحظة قد حانت ليتفجّر الكلام بعد دهر من الصّمت، ويصبح ما قبل الكلام كلامًا في فصل “فيض الكلام”، وهو الفصل قبل الأخير، منطلقًا نحو الفعل في  الفصل الأخير “الحلم”. وهذا تأكيد على تمرّده على صمت بني الأعفم طوال الستين عامًا. فالطريق إلى الغاية تبدأ بالحركة، والحركة هي فعل، والفعل مسبوق بالفكرة،  والفكرة ما هي إلا كلمة صامتة يسمعها صاحبها، يحكيها لنفسه. وفي البدء كانت الكلمة. والفكرة من سلطة الوعي، وحلم هيبي عن وعي، والحلم بداية الفعل والأمل.

هكذا زرع الكاتب التفاؤل في روايته، فالأعفم عنده لا يموت، والمنارة هي الأمل الّذي لا يضيع. حتّى في علاقة الأعفم مع المحاضرة اليهوديّة جعل الأعفم يحقّق هدفه بالحبّ، منتصرًا عليها. فهذه المرأة الّتي لا تنفصل عن رمزيّتها للمكان، تشتهي أن يأخذها الأعفم ليعيد إليها إنسانيّتها الّتي سرقت منها، ويروي ظمأ روحها وجسدها. الحبّ حالة تتجاوز الحواجز المكانيّة، فهو القادر على رفع الإنسان إلى مرتبة تتحقّق فيها إنسانيّة الإنسان بغضّ النظر عن هويّته أو جنسه أو قوميّته. وعندما تعترف له المحاضرة أخيرًا بشرعيّة المنارة وحقيقة وجودها يتفاءل الأعفم شاعرًا أنّ  دفء كلامها يدفعه بقوّة نحو المنارة (ص263- 273).

وفي ملاحظة أخيرة أقول: يستمرئ غروري وأنا الأنثى، أن تكون المرأة هي المعادل هنا للغاية الأسمى، وأن تكون الخلاص للرجل، لكنّي أتساءل: هل يفكّر العاشق في لحظات عشقه للمرأة بالوطن؟! هل يفكّر العاشق لحظة يسكنه الشوق والحبّ بغير المحبوب؟! كنت أفضّل أن يكون الحبّ لسلوى غير مقرون بشرط المنارة إلى هذا الحدّ من التورّط. كنت أبحث عن علاقة حبّ مشحونة بالقول العاطفيّ لا بالقول السياسيّ، أو إلى هذه الدّرجة الّتي تغيب فيها الأحاسيس العاطفيّة والإنسانيّة تحت سلطة الالتزام المباشر. كنت أريده عشقًا لذاتها، لأنوثتها، وبطبيعيّة خالصة، دون أن تُمسّ فكرة الرواية، ودون أن تجرّد سلوى من رمزيّتها للوطن. وكان بإمكان زميلي د. هيبي أن يفعل، لو جعل الرواية أقلّ مباشرة وأكثر غموضًا وحداثة، لكنّه انشغل جدًّا في أدلجة الرواية، وفي تأكيد التزامه، وفي تثبيت حضور المنارة، حتى سخّر كلّ شيء لها، فطغت على النّصّ، وبتكرار إلى حدّ الإفراط. ولعلّ البرفيسور طه قد أشار إلى هذه النقطة في مقالته، لذا لن أطيل الحديث فيها. أمّا زميلي د. هيبي فحين أخبرته بملاحظتي هذه برّر ذلك بأنّه يخشى على المنارة من الضياع، إن تغافل عنها قليلًا، واعدًا بأن تكون روايته التّالية حداثيّة رمزيّة، تعتمد التلميح لا التصريح، وبعيدًا عن الالتزام السّياسيّ المباشر القاتل للإبداع والخيال الأدبيّ. في النهاية، مبارك كتابك أيّها الصديق العزيز، فقدمًا وإلى الأمام.

مداخلة د. محمد علي هيبي: هذه ليلتي وحلم حياتي، ولكنّ ليلتي بدونكم، لا ماضٍ لها ولا آتٍ، فما أسعدني بكم هذه الليلة. طاب مساؤكم فردا فردا، وأسعد الله كل أوقاتكم بكل المحبة والخير. شرّفتموني بحضوركم في هذا المساء المزيّن بزهرة الخرفيش، بنفسجة المنارة، بنفسجها يرقى بكم، وشوكها يَخِزُكم لتشرئبّ أعناقكم نحو المنارة. شرّفتموني بحضوركم، في هذا المساء المضمّخ بعبق الزعتر، ونكهة المناقيش الخارجة لتوّها من طابون ستي “لبيبة”، طيّب الله ثراها. جئتم لتحتفوا بي وبـ”نجمة النمر الأبيض”، وهذا والله يكفينا. فكّلي شكر وامتنان وعرفان بجميلكم وفضلكم عليّ وعليها.

أودّ من على هذه المنصّة، أن أشكر كل من قرأ الرواية أو سيقرأها، وأن أقول لمن استمتع أو سيستمتع بقراءتها، أرجوك لا تشكرني، بل اشكر محمد الأعفم. هذا الإنسان العربي الفلسطيني المشرّد، هو الذي كتبني ولم أكتبه أنا، فهو صاحب الفضل. ولمن قرأها ولم يستمتع أقول: أرجوك أيضا، العنّي أنا محمد هيبي، ولا تلعن محمد الأعفم ولا المنارة، فهما لا ذنب لهما في إساءتي إليك. واسمحوا لي أن أشكر باسمكم، كل من ألهمني حرفا من حروف روايتي، أو تحمّلني أثناء كتابتها، بدءا بزوجتي العزيزة التي اعطتني وتحمّلتني أكثر مما أستحقّ، وانتهاء بمن ألهمني ولو حرفا واحدا، أو مرّ مرورا ولو طفيفا. واسمحوا لي أنّ أخصّ بالشكر، نادي حيفا الثقافي والمجلس الملّي الأرثوذكسي الوطني في حيفا والقائمين عليهما، الذين شيّدوا هذا الصرح الثقافي الوطني الشامخ الذي يستحقّ أن نفخر ونفاخر به.

وأشكر على وجه الخصوص، صديقيّ العزيزين، المحاميين، فؤاد نقارة وحسن عبّادي، اللذين كانا خير سند، بما بذلاه من جهد قبل وبعد صدور الرواية، وقد توّجت هذه الأمسية الرائعة جهدهما المبارك. فألف تحيّة لكما صديقيّ العزيزين. ولا يسعني أن أنسى الأخ منصور منصور، صاحب مطبعة الطيرة، الذي ساندني في طباعة كل كتبي، ولولا كرمه وصبره عليّ لما رأت هذه الرواية النور. فتحيّة شكر وعرفان بالجميل للأخ منصور ولمطبعة الطيرة وكل العاملين فيها.

وأنت يا صديقتي العزيزة عريفة الأمسية الشاعرة المتألّقة أميمة محاميد، بأسلوبك الرائع جعلتِ من هذه الأمسية قصيدة غزل ناعم تنبض بالحياة، جبلتِ حروفها برحيق زهرة الخرفيش وعطر بنفسجة المنارة، ونسجتِ خيوطها من حرير إبداعِك، فألبستِ “نجمة النمر الأبيض” ثوبا أنيقا أبرز مفاتنها وزادها جمالا. فألف تحية مشرقة لك. وكيف أنسى أخي الحبيب، د. بسام فرنجية، الذي تمنيت أن يكون الليلة معنا. أخي بسام يعمل رئيسا لقسم اللغة العربية في كلية في كاليفورنيا في الولايات المتحدة. التقيه عام 2013، في جامعة النجاح في نابلس، في “المؤتمر الأول للأكاديميين الفلسطينيين في الشتات”، حيث شاركنا في أعمال المؤتمر لثلاثة أيام سهرنا لياليها معا، ومن يومها دبّ الحبّ والاحترام، فبقينا على تواصل.

يافا التي شُرّد أهله منها لم يزرها حتى الآن. رجوته مرارا أن يعود لنزورها معا. وقد أسعدني قبل شهر تقريبا، برسالة أسعدتني، وكم أتمنّي أن أكون جديرا بها! قال لي: أخي الحبيب محمد، إن لم أزر الوطن وأنت فيه، فلن أزوره أبدا. أفلا يستحقّ منّا كل التحيّة والتكريم؟

كنت قد أرهقته بقراءة الرواية قبل إصدارها، وقد كتب حولها مقالا نُشر مؤخّرا. لقد وعدني بزيارة قريبة، وأنا أعدكم إذا فعلها، أن نأتي معا لحضور أمسية من أماسي هذا الصرح الثقافي الشامخ.

وذات يوم، وأنا أتهيّأ لكتابة رسالة الدكتوراه، أخي أبو إياس، بروفيسور إبراهيم طه، قالي لي: عندي طالبة، موضوع رسالتها قريب من موضوع رسالتك، وأعطاني رقم هاتفها لأتشاور معها حول الموضوع، لعلّها تساعدني في تلمّس طريقي. شو إسمها يا أستاذ؟  قال: إسمها لينا الشيخ حشمة. ورُحت أقلّب اسمها وخاصة اسم عائلتها، الشيخ حشمة”، أقلّبه في رأسي وأتساءل: ما لي ولها؟ لعلها شيخة من شيوخ قبيلتها؟! وعندما التقينا فيما بعد، لم أُخفِ عنها أنّ اسم عائلتها، أوحى لي بأنّها آنسة أو سيدة متعصّبة للدين وليست من النمط الذي أستطيع التحدّث إليه. ولذلك صرفت النظر عن موضوع الاتصال بها.

بعد عام تقريبا كنا في مؤتمر حول اللغة العربية في الناصرة. بعد خروجنا من القاعة قال لي أبو أياس: تعال أعرفك على لينا الشيخ حشمة. وكانت مفاجأتي عظيمة. ليس لأنّ شكلها قمر، ولا لأنّ بسمتها تشرح الصدر، ولكن لأنّها جمعت إلى ذلك كله، خفّة الروح ودماثة الأخلاق ورجاحة العقل وحسن الحديث. وأنتم، قد شاهدتم هذا كلّه أكثر من مرّة على هذه المنصة. كل الكلمات عاجزة عن الشكر، صديقتي العزيزة، الدكتورة لينا الشيخ حشمة. واسمحوا لي باسمكم أن أبارك لها صدور كتابها، ثمرة دراستها للقب الثالث، بعنوان “أدب السجون في مصر وسوريا والعراق: الحرية والرقيب”. ألف مبارك عزيزتي، وليكن فاتحة خير إن شاء الله.

وكما يقولون: “التالي للغالي”. لن أعرّف به، فكل محافل اللغة العربية، محليا وعربيا وعالميا، تعرفه. وأنتم تعرفونه من خلال عمله في جامعة حيفا، ومن خلال منشوراته، ومن خلال هذه المنصة أيضا، فقد ارتقاها وارتقت به أكثر من مرة. أما بالنسبة لي، فكل الكلمات أعيى من أن تفي بحقّه. إنّه أخي الحبيب وصديقي الصّدوق، بروفيسور إبراهيم طه. أبو إياس بالنسبة لي حالة فريدة. عشر سنوات أرهقْتُه فيها بطلباتي: أثناء كتابتي رسالة الماجستير، وأثناء كتابتي رسالة الدكتوراه، وأثناء كتابتي ومراجعاتي للرواية. وما زلت أرهقه حتى اللحظة. راجع الرواية قبل إصدارها وأبدى ملاحظاته القيمة، فعملت ببعضها ولم أعمل ببعضها الآخر، رغم أنّه محقّ فيها، ولم يغضب الرجل. عشر سنوات، أرهقته ولم يتعب منّي، ولم يشْكُ. وكثيرا ما اختلفنا في الرأي، وأحيانا تضاربنا به عبر صفحات الصحف، وبقينا إخوة وأصدقاء، يحبّ أحدنا الآخر ويحترمه. الحقَّ أقول لكم، أبو إياس وحده حالة فريدة، وأبو إياس وأنا، لا أبالغ إذا قلت: حالة فريدة أيضا، حالة فريدة من الأخوّة والصداقة، أعتزّ بها لأنّها كذلك، وأعتزّ بها لأنّها حالة تستحقّ أن تُحتذى. كل التحية والاحترام أخي الحبيب، ولساني عاجز عن الشكر.

أحيانا، وأنت تكتب، قد تجتمع المتناقضات. فأنت أحيانا، قد لا تعي ما تكتب، الأفكار تتداعى، وأنت تمتح من لاوعيك. ولكن بالكتابة أيضا، أنت تحاول أن تحوّل ما يفيض به اللاوعي إلى عمل واعٍ. وهذا ما حاولته في روايتي. نجحت أم لا؟ لا أعرف! الجواب عندكم، عند القرّاء والنقّاد.

“نجمة النمر الأبيض”، كعنوان وعتبة للنصّ، و”محمد الأعفم” كبطل للرواية، و”المنارة” كمكان محلوم، باستثناء هذه الأيقونات الثلاث، أنا لا أستطيع أن أشير إلى أي تعبير في روايتي وأقول إنّه تعبير جميل أو مميّز، أو أنّني قصدته في تلك اللحظة التي كتبته فيها. هنا أيضا أترك لكم الحكم، وأنا راضٍ وسعيد به. ورواية “نجمة النمر الأبيض” هي ليست سيرتي الذاتية، رغم أنني متحتها من ذاتي. ومحمد الأعفم ليس أنا، ولكنّه قد يكون أنا، وقد يكون أنتَ أو حتى أنتِ. إنّه نحن جميعا. فقد نحتُّ الاسم والشخصية، من الإنسان العربي الفلسطيني المشرّد: همزته الإنسان، وعينه العربي، وفاؤه الفلسطيني، وميمه، ما أروع هذه الميم! إنّها ميم الجمع العربية بكلّ تجلياتها الفلسطينية. فهي من حيث النسيج الفلسطيني تعني المسلم والمسيحي، هذا هو النسيج الفلسطيني، وحين قال لي أخي أبو أياس إنّني بهذا أظلم إخوتنا الدروز، قلت له: “لا”، فهم أولا مسلمون، وهم أيضا الموحدون والمعروفيون. وكلّنا نسيج واحد متماسك، حاول أعداؤنا وأذنابهم شرذمتنا، وما زالوا يحاولون، ولم يُفلحوا ولن يُفلحوا أبدا.

أما فيما يتعلّق بالحالة الفلسطينية فالميم تعني الكثير أيضا. فهي تحيل إلى إنسان عربي فلسطيني: مشرّد، مظلوم، منتهك، منهوب، مستغلّ، مستعبد، مستعمَر، محتلّ، وباختصار، (ملتعن أمّه في عزا أبوه). ولم تنتهِ إيحاءات الميم، فإنّ لها تجلياتها الإيجابية أيضا. فالإنسان العربي الفلسطيني: مكافح، مناضل، مدافع عن حقّه، مواجه لأعدائه، رغم كثرتهم، ورغم كل ظروفه السيئة، فهو محافظ على قضيته وذاكرته وملتزم بهما.

لوسيان غولدمان، أحد منظّري الرواية، قال: “الرواية هي عملية بحث عن القيم في عالم منحط”، وكان أستاذه، جورج لوكاتش، أبو علم الجمال الحديث، قال قبله: “إنّها عملية بحث عن القيم في عالم شيطاني”. وهذا ما حاولناه أنا ومحمد الأعفم، أن نبحث عن المنارة التي هي قيمة عُليا بالنسبة لنا، في عالم شيطاني ومنحط. وما دمنا لم ننجح بعد، فعملية البحث لا بدّ لها أن تستمرّ. قد نكون مرحليا، غير قادرين على بلوغ الهدف، لذلك، فلا أقلّ من الاستمرار وأن نعيش لذة البحث؟!

محمد الأعفم صمت دهرا، ولكنّه برأيي نطق حقّا. وأنا لست خائفا إذا اعتبره البعض نطق كفرا. الحقيقة أنّ الثرثرة الكافرة أطلقها أولئك الذين حملوا قضية شعبنا، في الظاهر ليحموها، بينما في الخفاء خانوها وباعوها وكادوا أن يقضوا عليها لولا تمسّك محمد الأعفم بها. هؤلاء صمتوا، وليتهم لم ينطقوا، لأنّهم كلما نطقوا، نطقوا كفرا، إلى أن أصبحت الثرثرة عيبا متأصّلا فينا؟ أصبحنا مجتمعا، بل شعبا، يأكل ويثرثر وينام؟ ألم تصبح تلك هي أسطوانة حياتنا المقيتة. وقد دفع محمد الأعفم ثمن الكفر والثرثرة، لدرجة أنّه لم يعد قادرا على الصمت. وأنا أيضا، دفعت الثمن، كما دفعه كل فلسطيني عاش نكبته، حتى وإن لم يعش الزلزال الأعظم عام 1948. فما العيب إذن، في أن يدفع القارئ بعض الثمن؟ الكتّاب يحاولون أن يكونوا مبدعين، ولكنّهم قد يُصيبون وقد يُخطئون. ولا بأس، على أن يظلّ مشروعهم استفزازَ القارئ وإخراجَه من دائرة القراءة والتعاطف، إلى دائرة الفعل والتفاعل والغضب والتمرّد، أو دفعه على الأقلّ، إلى الحلم الذي نطمح جميعا أن يصير واقعا ذات يوم.

لست أدّعي أنّ روايتي هي عمل أدبيّ فنيّ كامل الأوصاف، فهي كغيرها تحتمل النقد، ولم أنشرها إلّا بعد أن قرّرت أنّي جاهز للنقد بكل أشكاله وأبعاده. وسأكون سعيدا وممتنّا لكل كلمة تتوخّى الموضوعية والنقد البناء. “حين تدخل الأيديولوجيا أو السياسة يقلّ الأدب”. هذا ما قاله صديقي أبو إياس في مقاله حول الرواية. وهذا صحيح. ولكنّي أومن بما ذكره أيضا في مقاله، نقلا عن جورج أورويل صاحب رواية 1984: “لا شيء بعيد عن السياسة”. وأنا لا أنكر أنّ الحالة الفلسطينية، والعربية، والعالمية، خاصة في مجال السياسة والدين المسيّس، ألقت بظلالها عليّ وعلى الرواية. وقد تكون منعتني أحيانا من التعبير الإبداعي، فخسرتِ الرواية بعض أدبيتها هنا أو هناك. ولكنّي أردت أن أظلّ مخلصا لذاتي وقناعاتي، لأنّني كواحد من بني الأعفم، ومنذ أن وعيت على الدنيا، وجدت أنّ روح الشرّ تخيّم عليها، وأنّ روح الخير والحبّ والحقّ هجرتها، وأنّ روح شياطين الإنس تحكمها أكثر من روح الله، فقرّرت أن أقاوم بطريقتي.

وإليكم ما فوجئت به قبل أسابيع وأنا أقلّب دفاتري القديمة: “خلف أكوام الضباب/ خلف أسوار العذاب/ خلف أشواك الأحزان/ وراء الشبابيك الحزينة/ هناك.. حيث الملائكة/ تقطن أرواحٌ أبديّة/ تركتْ دنيانا الأرضيّة/ رفضت كلّ الأحزان/ أبدا يصنعها الإنسان/ من أجل عذاب الإنسان/ أرواح الخير هجرتنا/ تركت دنيانا البشريّة/ سمت عنّا.. نبذتنا/ وأبت أن تبقى إنسيّة”. لا تنظروا إلى جودة النص الآن، بل انظروا إلى الشعور الكامن خلف سطوره. هذه القطعة كتبتها يوم الإثنين، الثالث من أيار عام 1976، يعني قبل أربعين عاما. فهل بالغت حين قلت: إنّني منذ وعيت على الدنيا، وجدت أنّ روح الشرّ تخيّم عليها؟

إنّنا على مدى ستين عاما وأكثر، ونحن نثرثر بحبّ فلسطين، ومحمد الأعفم ثرثر كذلك، ولكنّه بحث عن مسار آخر، فانتقل من مسار الثرثرة إلى مسار الفعل، وإن كان عبر الحلم. ربما يكون أرهق القارئ بثرثرته، ولكنّه بشكل ما، عبّر عن حاجتنا جميعا إلى هذا الانتقال. وذات صباح، بعد ليلة كثُرث هواجسها وكوابيسها، شعر بها كشهب من نار، تتشكّل في السماء ثم تنطلق إلى الأرض، لتنغرز في جسده المنطرح في سرير من نار. استيقظ بعد نوم مضطرب، يعتريه شعور أنّه لا يريد أن ينهض، وأنّ قوة غيبية تُقيّده، وأنّ ألماً قاسيا يسكن روحه وجسده، فراح يتفكّر في هذا الكون الضيّق على سعته، ويبحث عن خلاص. فهداه الله إلى “نجمة النمر الأبيض”، تلك المرأة التي لا يُقاوم سحرها، لتكون عونه وشريكه ورفيقة دربه إلى المنارة. المنارة التي شرّد منها كل إنسان فلسطيني. حتى أولئك الذين ظلّوا في أرضهم، وعجزت يد الغدر من الأعداء والإخوة الأعداء عن اقتلاعهم، ظلوا يعيشون منفاهم القسري في أرضهم ووطنهم، ينتظرون أن يتحقّق الحلم. وهم يؤمنون أنّ الساعة آتية لا ريب فيها، وذات يوم، جميعا سيصعدون الجبل إلى المنارة، مع محمد الأعفم و”نجمة النمر الأبيض”.


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *