هل ستقع حرب على غزة؟


أينما حللت وسط الناس في غزة يواجهني السؤال التالي: هل ستقع حرب على غزة؟
ولما يزل جوابي هو: لا؛ لا حرب على غزة، لأن العدو الإسرائيلي بات أكثر عجزاً عن تغيير الواقع القائم في غزة، ولاسيما أنه قد اختبر قدراته، وجرب تغيير الواقع في ثلاثة حروب سابقة، ضاعف في كل مرة من عدوانه وقصفه وهجومه، لتخرج المقاومة أقوى، ويخرج الجيش الإسرائيلي خاسراً، مثملما خرج مدحوراً من غزة قبل أكثر من عشر سنوات.
سؤال الناس في غزة عن الحرب لا يعكس الخوف بمقدار ما يعكس اهتمامهم بما يجري من حولهم، ويعكس حرصهم على المقاومة التي صارت كيانهم المعنوي، إلا أن تكرار السؤال في أكثر من مكان يعكس أيضاً تحسب الناس لقادم الأيام، وانعكاس الحرب على حياتهم، وعلى مستقبلهم، ووجودهم نفسه فوق هذا التراب، ولاسيما أن تهديدات قادة الكيان الصهيوني وعلى رأسهم نتانياهو قد أشعلت نيران الحذر والتشكك في نوايا الصهاينة.
ومع كل التهديدات الإسرائيلية، فإن المعطيات القائمة على الأرض تؤكد أن لا حرب جديدة على غزة في هذه المرحلة بالذات، ولاسيما أن الوضع السياسي بشكل عام، هو الأكثر راحة للعدو الإسرائيلي، ويضمن له تحقيق أطماعه الاستيطانية في الضفة الغربية، ويضمن له تحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة ككل، لذلك فإن نشوب الحرب على غزة قد يفقد الإسرائيليين ميزة التنسيق الأمني في الضفة الغربية، وقد يضاعف من غضب الجماهير هنالك، وقد يحرك التنظيمات لتنفيذ عمليات مقاومة في العمق الإسرائيلي، كما أن الحرب على غزة لا تضمن للإسرائيليين استمرار حالة الهدوء والاستقرار المزيف داخل الأردن ومصر، ولا تضمن مواصلة الصمت العربي إلى الأبد، والحرب على غزة لا تخلو من غضب وانتقاد شعبي في اوروبا؛ قد تكون له آثاره السلبية على الكيان الصهيوني نفسه، والأهم من كل ما سبق، فالحرب على غزة غير مضمونة النتائج، وقد تنجم عنها مفاجآت يعجز الإسرائيليون عن تقديرها، وتفقد الجيش الإسرائيلي هيبته، وتظهره عاجزا صاغراً أمام تنظيمات فلسطينية محاصرة.
الحرب على غزة لم تعد لعبة أطفال كما قال قادة الكيان الصهيوني، والحرب على غزة لم تعد قراراً بيد رئيس الأركان، أو وزير الحرب الإسرائيلي، ليعطي الأوامر لطائراته بالانطلاق لتدمير أهدافها، وتعود سالمة، فطالما كانت الجبهة التي سيحارب فيها الجيش الإسرائيلي هي منطقة مغلقة، ومعتمة، وتختفي خلف أستار من السرية والصمت، ولا تسريب فيها للمعلومات، ولا عملاء يمهدون الأرض للجيش الإسرائيلي، فإن قرار الحرب ينتقل من يد الجيش الإسرائيلي إلى يد المخابرات والأجهزة الأمنية التي تفتش عن ثغرة ينفذ منها الجيش إلى أرض غزة، ولهذا تصير القيادة السياسية أكثر عقلانية وحكمة وهي تقيس الربح والخسارة بميزان الوجود الإسرائيلي نفسه على هذه الأرض المغتصبة.
وحين تسأل القيادة السياسية في إسرائيل نفسها: ماذا سنحقق من الحرب على غزة؟ ويكون الجواب: سنحقق مزيداً من قتل المواطنين، والمزيد من تدمير البيوت، والمزيد من قصف الأبراج السكنية، والمزيد من تهجير السكان، مع المزيد من الأحقاد والكراهية والاستعداد للانتقام، وكل ما سبق لن يسهم في تصفية للمقاومة، ولن يساعد على احتلال الجيش الإسرائيلي لموقع واحد للمقاومة، تعلق عليه أعلام النصر، وسيقف الجيش الإسرائيلي عاجزا ًعن اختراق صفوف المقاومين، أو اقتلاعهم من الأرض، ولن يهزم فكرة المقاومة التي ستنتقل عدواها إلى الضفة الغربية والمحيط العربي، مع إمكانية تعرض التجمعات السكانية في إسرائيل إلى القصف مع إخلاء عشرات المستوطنات، وفرض منع التجول على ملايين اليهود في المدن الكبرى، وإغلاق أجواء إسرائيل بفعل صواريخ المقاومة، مع وقوف الجيش الإسرائيلي عاجزاً عن الحسم السريع، والسيطرة التامة على ساحة القتال حتى بعد أكثر من خمسين يوماً من المعارك.
وقبل أن تتخذ أي حكومة إسرائيلية القرار، ستدقق في الواقع، وستقلب صفحات الحرب وستقرأ نتائجها، ليكون قرارها هو تأجيل قرار الحرب طالما لم تكن إليها ضرورة ملحة.
كل ما سبق من موقف يعتمد على قراة الواقع، والتحليل والتقدير، ولكن قرار الحرب قد يتجاوز الواقع، لتتفجر الأوضاع نتيجة خطأ التقدير، أو سوء الظن بالآخر، أو الحرب الوقائية، أو نتيجة خدعة محكمة تم إعدادها في ليل.


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *