هل يوجد بيننا عملاء لإسرائيل؟


إسرائيل أحوج ما تكون إلى العملاء في كافة المجالات، وعلى مستوى الدول والمؤسسات والأفراد، ولولا العملاء لما كان على وجه الأرض دولة اسمها “إسرائيل”؛ تسعى لأن تمسك بيدها كل خيوط التجسس في العالم، والاستفراد بتجارة العملاء، وبيع المعلومات الأمنية إلى معظم دول العالم بمقابل سياسي واقتصادي، لذلك فإن لكل عميل لدى اليهود قيمة، ولكل عميل ثمن يتكافأ مع قيمته، فالعميل السياسي أغلى وأثمن من العميل الميداني، والعميل الأمني أكثر أهمية من العميل التجاري، وهكذا، فالعملاء لدى إسرائيل مستويات ودرجات وظيفية تتسلسل من رئيس دولة وحتى بواب عمارة، أو بائع فجل على ناصية في مدينة نائية.
وحتى يومنا هذا، تجسست إسرائيل على أصدقائها قبل أن تتجسس على أعدائها، وتجسست إسرائيل على عملائها أنفسهم، قبل أن تتجسس على العاملين ضدها، وتجسست على السجناء خلف الأسوار قبل أن تتجسس على العمال العرب في المصانع الإسرائيلية، وتجسست على القيادة الفلسطينية في الخارج قبل أن ترصد المعلومة عن مكاتب القيادات السياسية والأمنية في غزة والضفة الغربية، ولما يزل شغل إسرائيل الشاغل هو توظيف كم المعلومات التي تصلها عن طريق عملائها في شتى المجالات، ولا تكتفي بجمع المعلومة الأمنية التي تؤثر على استقرار إسرائيل، وإنما تحرص على جمع المعلومة الجنسية الموثقة أو العلاقات الغرامية للمسئولين في منطقة الشرق، بهدف استغلالها كورقة ضغط على المسئول الذي يمسي ذليلاً متوسلاً متعاوناً مقابل التستر على فضائحه.
ودائماً يوجد ما تتجسس عليه إسرائيل، بدءاً من الصناعات النووية والتكنولوجية، وليس انتهاءً بمحل بيع الدجاج ومحلات الخردة، ودائماً يوجد من توظفهم إسرائيل عملاء لجمع المعلومة، ولا شيء بلا قيمة لدى المخابرات التي تضمن خضوع العملاء وانكسارهم ولحاقهم في ذيلها إن لم توظف المعلومات التي يقدمونها بالشكل الأمثل.
ودائماً طمأنت إسرائيل عملائها على سرية عملهم، وأغدقت عليه المال، وضمنت لهم المناصب العليا، وقدمت لهم الرعاية تحت كل الظروف، أوحت لهم بالحماية والحرص على سلامتهم، وتضرب لهم مثلاً بالزانية رحاب التي يقيم لها اليهود قبراً على طريق أريحا القدس، مكافأة لها على تجسسها مع اليهود، رغم أنها غير يهودية.
وللخيانة أساليب شتى، منها الخيانة السياسية والخيانة الأمنية الاقتصادية والخيانة الثقافية والفكرية، من هنا كان حرص الثورة الفلسطينية منذ انطلاقتها على تصفية العملاء، ومحاربة كل أشكال اللقاء والتواصل مع الإسرائيليين تحصيناً للمجتمع من الوقوع في شرك الخيانة، لذلك لجأت الثورة الفلسطينية قبل خمسين عاماً إلى منع العمال الفلسطينيين من العمل في إسرائيل، حباً بأرض فلسطين، وتحصيناً للمجتمع، واعتبرت تعمير المدن الإسرائيلية خيانة، وقام الفدائيون الفلسطينيون بإحراق الاتوبيسات التي كانت تقل العمال من غزة للعمل في إسرائيل، وقد تم الاعتداء الجسدي على بعض العمال، فما الذي تغيير في السنوات الأخيرة، وما التفسير المقنع للقاء وزير المالية الفلسطينية شكري بشارة وزميله حسين الشيخ مع وزير المالية الإسرائيلية في القدس المحتلة، قبل يومين، وفي مكتب الوزير اليهودي؟ ليكون الهدف من اللقاء هو زيادة تصاريح العمال الفلسطينيين الذين يعملون في المستوطنات الإسرائيلية؟
فهل تغيير مفهوم الوطن لدى قيادتنا ليتغير معه مفهوم العمالة؟
قبل عشرات السنين، اتهم بالعمالة كل فلسطيني يلتقي مع ضابط المخابرات الإسرائيلية، وقدم له أي معلومة صغيرة عن تحركات المناضلين، وقد أطلقت النار على رأس الكثير من المشبوهين بالتعاون مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وماتوا عملاء، لأنهم قدموا معلومات عن تحركات المقاومة للمخابرات الإسرائيلية. فما الذي تغير في السنوات الأخيرة، وماذا نسمي اللقاءات التي تتم بين ضابط المخابرات الإسرائيلي وقادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، والتي يتم بموجبها تبادل المعلومات السرية عن تحركات المناضلين والمقاومين الفلسطينيين، بل ويتم اعتقال بعضهم، وإطلاق النار على رأس بعضهم حتى الموت؟
فهل تغير مفهوم الوطن لدى القيادة كي يتغير مفهوم العمالة؟
وحتى الأمس القريب، في زمن الانتفاضة الفلسطينية كان شراء المنتوجات الإسرائيلية خيانة، وكم من حافلة فلسطينية تم إحراقها لأنها محملة بالموز الإسرائيلي والبطيخ الإسرائيلي، وكان خائناً من يقيم شراكة عمل مع الإسرائيلييين، ضمن منطق الثورة والانتفاضة السابق، ماذا نسمي الشراكة التي تمت بين رجال أعمال فلسطينيين واليهودي رامي ليفي، لإقامة مجمع تجاري على طريق القدس رام الله، ليدعي البعض في اليوم التالي أن القدس هي عاصمة فلسطين.
هل تبدل مفهوم الخيانة أم صارت الوطنية هي التنسيق الأمني والتعاون مع الإسرائيليين
والشراكة معهم في الداخل والخارج؟ هل تبدل مفهوم النضال والمقاومة، أم صارت الوطنية منع أي عمل مقاوم، ومنع المتظاهرين من التوجه إلى نقاط الاحتكاك مع الصهاينة؟
الجواب على الأسئلة السابقة يأتي من جهاز المخابرات الفلسطيني الذي اكتشف عميلاً في مكتب كبير المفاوضين الدكتور صائب عريقات، وكأن هذا الاكتشاف فيه تطهير لبقية العملاء، وكأن تقديم معلومة للإسرائيليين عن المفاوضات المباشرة التي تجري من خمسة وعشرين عاماً أمر أكثر خطورة من تقديم معلومة عن المقاوم الذي اعتقلته المخابرات الإسرائيلية في مستشفى نابلس، وكأن اكتشاف جاسوس في مكتب صائب عريقات أخطر من الجواسيس الذين سهلوا على المستعربين اليهود دخول مستشفى الخليل، وتصفية مقاوم واعتقال آخر.
وفق المعلومات المنتشرة فإن الدكتور صائب عريقات لا يعد كتائب مقاومة سرية ضد إسرائيل، وليس للدكتور صائب خرائط حفر الأنفاق في غزة، وما كان الرجل مشرفاً على تزويد المقاومة بالسلاح، ولا كان يجهز المقاومين لعمليات استشهادية، ولا هو المحرض على الانتفاضية في الضفة الغربية، ولا هو المسئول عن تطوير الصواريخ التي ضربت تل أبيب، وهذه هي القضايا الخطيرة التي تشغل بال إسرائيل، وما دون ذلك، فهو كلام، كلام يتناثر في الصحف والمجلات، وتبيع وتشتري إسرائيل منه في الأسواق الدولية بالكميات.
فلماذا كل هذه الحملة الإعلامية، والتفاخر باكتشاف عميل في مكتب القائد الدكتور صائب، بينما العملاء المخلصون يقفون حائط صد بين المنتفضين في الضفة وبين نقاط الاحتكاك مع جنود الصهاينة؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن نفتش له عن جواب يشفي صدور الفلسطينيين؟


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *