هنيئاً للشعب العراقي حساء البط



رأى جحا يوماً سرباً من البط قريباً من شاطئ بحيرة فحاول أن يمسك بعضها فلم يستطع ، لأنها أسرعت بالفرار من أمامه .. وكان معه قطعة من الخبز فراح يغمسها بالماء ويأكلها .. فمر به أحدهم وقال له : هنيئاً لك ما تأكله فما هذا ؟
قال جحا : هو حساء البط ، فإذا فاتك البط فاستفد من مرقه .
هناك طرائف تحتوي على حكمة بالغة ومنها هذه الطرفة ، فجحا هنا يلخص حال شعوبنا وبالذات الشعب العراقي الذي كان يمني النفس بالكثير الكثير بعد تغيير النظام السابق ، فقد كان يتأمل بأن تنتهي الحروب والصراعات التي يمر بها هذا البلد وسفك الدماء ويعيش بأمان ، وكان يتأمل أن تنتهي معاناة الحصار الاقتصادي والفقر ويعيش في بحبوحة من أمره ، وكان يتأمل أن يحظى بخدمات كما في بلدان العالم المتقدم أو كما في بلدان الجوار على أقل تقدير ، وكان يتمنى أن يكون هناك نظام وقانون يُحترم وأجيال مثقفة وبناء وسياحة وعيش كريم ، وفوق كل هذا كان يحلم بصيانة كرامة الإنسان وعدم الاعتداء أو التجاوز عليه ، وكان يحلم بأن عصر الرسالة المحمدية سوف يعود وتعود معه الرحمة والمساواة والعدالة والحرية ويكون الدين لله .
ولكن كل هذا ذهب سدى وأدراج الرياح وكان على ما يبدو من أحلام اليقظة التي تبخرت بسبب تسلط حكومات الفساد التي شرعنها رجال الدين المراجع وبَوَقَ لها أتباعهم من عمائم الانتهازية والجهل ، ولم تتحقق أمنيات الناس ، فلا دين ولا دنيا ، وأصبح حالهم كحال جحا يخدع نفسه بأن ماء البحيرة هو عبارة عن حساء البط ، وهذا ما أشار له بوضوح المرجع العراقي السيد الصرخي في محاضرته الثانية بعنوان ” السيستاني ما قبل المهد إلى ما بعد اللحد ” بتاريخ 11/6/2016 قائلاً } في تفسير قوله تعالى ( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ* فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ) ، ذكَرَ الإمام العسكري ” عليه السلام ” معاني فيها دلالات واضحة على انحراف علماء وفقهاء اليهود ، الذين أفْتَوا بالباطل ، ودَلّسوا ، وكذَبوا ، مقابلَ ثمنٍ دنيوي قليلٍ ، فاستَحَقّوا الوَيْلَ والعذابَ المضاعفَ في قَعْرِ جَهَنّم ، فَلَهُم ويلٌ وعذابٌ شديدٌ جزاءً لما كتبت أيديهم من أكاذيب وفتاوى باطلة ، ولهم ويل وعذاب شديد آخر ، جزاءً لما كسبوا من أموال ورُشا من العوّام والسَلاطين ثمنًا للفتاوى الباطلة ومنها التي تُشَرْعِن وتُبيح التسلّطَ والاحتلالَ ومفاسدَه ومنكَراتِه ، وكذلك الفتاوى التي تُلزِم العوامّ على اختيارِ وانتخابِ أفسد الفُسَادِ والفاسدين المُفسدين وتسليطِهم على رقاب العباد ومقدَّرات البلاد { ، وهنا نجد أن المرجع السيد الصرخي يربط ما بين انحراف علماء اليهود وانحراف مراجع النجف ممن أفتى لصالح قوات الاحتلال ولانتخاب الفاسدين حيث إن الويل والعذاب سيشملهم . كما أشار إلى خيبة أمل الشعب العراقي بتحقيق الرفاهية بسب سيطرة المؤسسة الدينية على الأموال ونهب الثروات وما يخرج من تحت أيديهم لذر الرماد في العيون فهو يذهب إلى دول أخرى غير العراق حيث قال سماحته } ولهم ويل وعذاب شديد آخر جزاءً لما كسبوا من أموال ورشا من العوام بعنوان الحقوق و الزكاة والتبرعات و البناء لمشاريع ومستشفيات و شقق ومدن في بلدان العالم إلا في العراق — طبعاً نتحدث عن علماء هذا الزمان — تُجمع الأموال وتُحول كل الأموال إلى خارج العراق و تُبنى وتُقام الخدمات في أماكن ، في بلدان غير العراق { . ومن هذا نعرف من ضَيع آمال العراقيين ودمر أمنياتهم وأحلامهم هم رجال الدين المنحرفين المتسلطين على رقاب الشعب . وهذا رابط المحاضرة للاستمتاع بروعة التحقيق وكشف الغبار عن الجواهر من الروايات .


    أضف تعليق

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *